المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم
وبعد
النشأة:
ولدت في القاهرة في ٣٠/٧/١٩٨٠ من أبوين نصرانيين، كان أبي أرمن كاثوليك وأمي إنجيلية (طوائف نصرانية)، وكانت ابنة عم أبي راهبة في مدرسة راهبات الأرمن، وكان خالي قسيساُ في أحد الكنائس الإنجيلية، وكان لي أختان أكبر مني بأربع سنوات.
نشأت نشأة نصرانية بحتة، فمنذ نعومة أظافرى وأنا أذهب إلى الكنيسة كل يوم أحد، وفي الأعياد، وفي كل وقت أشاء حيث لم يكن علي رقيبٌ فيما يخص ذهابي للكنيسة فقد أحببت الذهاب إليها، والاستمتاع بكل ما فيها من شعائر وصلوات وأيضًا ألعاب ومعسكرات ورحلات.
[ ١٥٩ ]
التحقت بمدرسة نوباريان الأرمنية وهي مدرسة لا تقبل إلا النصارى الأرمن فقد كان عدد طلاب المدرسة من حضانة إلى ثانوي ما يقرب من ١٢٥ طالب فقط في جميع مراحل التعليم بها. وكان أول ما نفعله صباحًا في طابور المدرسة هو الصلاة ونحن واقفون في صفنا، وكانت توجد كنيسة بالمدرسة وكان أكثر المدرسين في المدرسة نصارى.
فمن الواضح الآن للقارىء أني لم يكن لي أي إختلاط بالمسلمين إلا القليل من أصدقائي في الحي أو جيراني، بل كانت معظم أوقاتي أقضيها بالكنيسة، وكنت أخدم كشماس في الكنيسة (والشماس هو الذي يساعد القسيس في مراسم القداس والصلاة) .
واستمر بي الحال على ذلك حتى وصلت المرحلة الثانوية، وفي هذه المرحلة بدأت أرتبط بالكنيسة والقساوسة أكثر من ذي قبل وكنت سعيدًا جدًا بهذه العلاقة لأني كنت من المقربين لديهم وأصبحت أقوم بمعظم شعائر القداس من قراءة للإنجيل ورد على القسيس عندما يتلوا أي شيء منه، بالإضافة إلى تحضير القربان والخمر للقداس (أعاذكم الله منها) .
بداية الهداية:
وفي يوم من الأيام كنت أجلس مع أحد أصدقائي المسلمين،
فقال لي: ألن تسلم؟
فقلت له: ولم أسلم؟ ولم لا تتنصر أنت؟
فقال لي عبارة كانت هي أشد ما سمعت..
قال: (أنتم كلكم في النار) !
فيالها من كلمة قوية وقعت عليَّ كالصاعقة..
النار؟!؟
لماذا النار؟؟
وأناأعمل كل شيء صالح لأتقرب إلىربي لكي أدخل الجنة ثم يقول لي أني سوف أدخل النار؟
فعندما هدأت سألته: لماذا أدخل أنا والنصارى جميعًا النار وأنتم المسلمون تدخلون الجنة؟
فقال: لأنكم تقولون ثالث ثلاثة وأن المسيح ابن الله وغيرها من الافتراءات على المسيح!
فقلت له: وكيف عرفت كل هذه الأشياء..هل قرأت الإنجيل؟
قال: لا بل قرأتها عندنا في القرآن.
الشك واليقين:
[ ١٦٠ ]
فكان هذا من الأشياء العجيبة التي سمعتها أيضًا، فكيف يعرف القرآن ما هو في ديننا (سابقًا) وكيف يقر بأن هذه الأشياء التي نقولها على المسيح كلها كفر وتؤدي إلى النار؟
عندئذ احتار أمري وبدأت أتفكر مليا في هذا الأمر، ثم بدأت أقرأ الإنجيل ولأول مرة على بصيرة فقد كان على قلبي عمى، وبدأت أجد الاختلافات الشديدة في ذكر نسب المسيح!
وإدعاء ألوهيته تارة ونبوته تارة أخرى!
فبدأت أتساءل من هو المسيح إذن؟
أهو نبي أم ابن الله أم هو الله؟
أسئلة بلا أجوبة!!:
وبدأت أضع بعض الأسئلة ثم أذهب بها إلى القسيس، لكى أحصل على الإجابة الشافية، ولكني لم أجد ما يثلج صدري في أي إجابة!
فأتذكر أني ذات مرة سألت القسيس: لماذا الكتاب المقدس يقول أن المسيح جالس على جبل الزيتون وهو يدعو الله؟
.. فإن كان هو الله حقًا فلمن يدعو؟ ولمن يسجد؟ فأجابني إجابات لم أفهم منها شيئًا.
ثم بدأت أتفكر فيما كنا نفعله في الكنيسة من اعتراف بالخطايا والذنوب للقسيس وأيضًا المناولة (وهي عبارة عن جلاش طري يوضع في الخمر فيقول القسيس أن هذين الشيئين صارا دم وجسد المسيح ومن يأخذهم يغفر له ويطهر من الداخل!)
وتساءلت كيف يغفر ذنوبي بشرًا مثله مثلي؟!!
وهو لمن يعترف؟ ومن يغفر له؟
وكيف يحل دم وجسد المسيح في هذه الكأس؟
هل هذه خرافة أم حقيقة؟
وكيف يطهر ما في داخلي ويغفر ذنوبي؟
فبدأت الأسئلة تكثر داخلي ولم أجد لها إجابة، فبدأت آخذ قراراتي من نفسي: مثل عدم الاعتراف للقسيس لأنه بشر مثلي، وأيضًا عدم أخذ المناولة، وآمنت أن المسيح ﵇ نبيًا لأنه بشر
والإله له صفات الكمال الخاصة التي تتنافى مع صفات البشر وبدأت أقرأ الإنجيل بدون أن أقول (ربنا يسوع المسيح) [بنص الإنجيل]
ولكن أقول يسوع المسيح (فقط)، ولكن مع هذا لم أشعر بالراحة التي أريدها ولم أشعر أن هذا هو الحل في هذا الدين الذي أعتنقه.
[ ١٦١ ]
﴿إنّ هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم﴾
وأثناء ذلك وفي تلك الحقبة من حياتي، كنت ذات يوم أستذكر دروسي في غرفتي داخل منزل الأسرة الذي يقع خلفه تمامًا مسجد، وكنا في شهر رمضان وكانت مكبرات الصوت تعمل من بعد صلاة العشاء خلال صلاة التراويح، وكان صوت الإمام الذي يقرأ القرآن يصل إلى غرفتي..
إنه صوت خافت وجميل كنت أشعر فيه بحلاوة تمس قلبي ولم أكن قد علمت بعد أن هذه التلاوة هي القرآن الكريم.
داخل الكنيسة:
ثم جاءت اللحظة التي شرح الله فيها صدري للإسلام وكان ذلك يوم الأحد بالقداس داخل الكنيسة عندما كنت أقرأ الإنجيل، قبل القداس استعدادًا لقراءته على الناس خلال الصلاة.
وأثناء استعدادي سألت نفسي:
هل سأقول ربنا يسوع المسيح؟
أم يسوع المسيح فقط؟
لأنه نبي وليس بإله، ولكن إذا قلت ذلك سوف يدرك الحاضرون أني تجاوزت عن تلك الكلمة، ولكن أيضًا كيف سأخالف ضميري..
وفي النهاية قررت أني سأقرأ الإنجيل كما هو دون تغيير مادمت أمام الناس وأن أجعل هذا التغيير عندما أقرأه بمفردي.
وجاء ميعاد قراءتي للإنجيل خلال القداس..
وبدأت أقرأ بثبات كما هو مكتوب تمامًا حتى وقفت عند كلمة: (ربنا يسوع المسيح) .. فأبى لساني أن ينطق بها، ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أتجاوز كلمة (ربنا) خلال القراءة بالكلية، وتعجب القسيس من ذلك الموقف، فأشار إلي بالجلوس فتوقفت عن القراءة ثم جلست ولكننا أكملنا الصلاة بشكل طبيعي، حتى إذا انتهت الصلاة توجهت للغرفة الخاصة بنا..
وهنالك سألني القسيس: لم فعلت ذلك؟
لماذا لم تقرأ الإنجيل كما هو؟
فلم أجبه، وقلت له: إني أريد أن أذهب إلى البيت لأستريح!
وذهبت إلى غرفتي وأنا في غاية الدهشة..
لماذا فعلت ذلك؟ وماذا حدث لي؟
ومنذ ذلك اليوم، وأنا أنام قبل إتمام قراءة الإنجيل يوميًا كما كنت معتادًا من ذي قبل، وأصبحت لا أشعر بالراحة لا في صلاة، ولا قراءة ولا حتى الذهاب إلى الكنيسة..
وظللت أتفكر في حالي
[ ١٦٢ ]
(وتخترق أذني تلك الكلمة القاسية التي قالها لي صديقي المسلم)
(كلكم في النار..)
الطريق إلى اليقين:
بعدها.. أقبلت على القراءة الجادة في كتب المقارانات والكتب الإسلامية التي تتناول حياة المسيح، فعرفت من هو المسيح في الإسلام، وعلمت أيضًا مالم أكن أعلم: وهو ذكر النبي (ﷺ) في إنجيل العهدين القديم والحديث..
وأكتشفت: أن المسيح وأمه مريم (﵉)، مكرمان غاية التكريم في القرآن.
وأن المسيح (نبيّ)، قال الله له كن: فكان.
وهو (روح منه)، فتأكدت حينئذِ أن الإنجيل الذي بين يديّ محرف، ويكثر فيه اللغط.
ثم علمت أن (الإسلام) هو دين الحق، وأن الله لا يرضى غير الإسلام دينًا، وأنه هو الطريق إلى الجنة والنجاة من النار (التي لا يسعى إليها أحد) .
فذهبت بعدها إلى إحدى المكتبات واشتريت مصحفًا كي أقرأ فيه..
وعندما قرأته لم أكن -حينها- أفهم منه شيئًا، ولكني والله أحسست براحة غريبة في صدري!!
لقد انشرح صدري لهذا الدين الذي ارتضاه الله لعباده وكرمهم به وأرشدهم إليه، فالحمد لله أولًا، والحمد لله آخرًا،والحمد لله أبدًا أبدًا، الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.
ومن المدهش أيضًا أني عندما أخبرت أخواتي بالإسلام وجدتهن قد سبقاني إليه!!
ولم يعارضني منهن أحد، فالحمد لله الذي منَّ علينا جميعًا بالإسلام..
فيومها نطقت بالشهادتين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
لقد ولدت من جديد، فما أجمله من دين، وما أعظمه من إله واحد أحد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
فلك الحمد يا إلهي، أنت عزي وأنت جاهي، فمن يستعين بسؤالك وأنت لا تخيب من راجاك.
[ ١٦٣ ]
اللهم فلك الحمد علي نعمة الإسلام وعلى نعمة الإيمان، اللهم ثبتني على ما أنا عليه واجعل آخر كلماتي في هذه الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله فيها ومن أجلها أحيا وأموت وبها ألقاك، وصلاةً وسلاما على خير المرسلين إمام النبيين محمد ﷺ تسليمًا كبيرًا عظيمًا إلى يوم الدين.