كان يشغل منصب أستاذ اللغة العربية والتاريخ الإسلامي بجامعة باريس والآن يشغل منصب رئيس "مؤسسة الدراسات الإسلامية في "داكار".. .. وله عدة مؤلفات منها: كتاب "الإرهاب الصهيوني".. "والمسلمون في الاتحاد السوفيتي" وكتاب "الإسلام في إفريقيا السوداء" وكتاب "مفاتيح الفكر العربي".. كما قد قام بترجمة ابن خلدون إلى الفرنسية. اختار الإسلام دينًا بكل اقتناع ورضا، واتخذ من العرب المسلمين اخوة له في الإسلام، بدون أن يتخلى عن جنسيته الفرنسية، إذ كان مؤمنًا بأنه لا تناقض بين عقيدته الإسلامية وجنسيته الفرنسية.
وعن اختياره للإسلام دينًا أوضح قائلًا:
"لقد اخترت الإسلام دينًا، ألقى به وجه ربي لأسباب شتى، منها الأسباب الدينية، والأسباب الأخلاقية، والاجتماعية، والثقافية والعاطفية".
ثم استطرد في تفصيل ما أجمله.. فقال:
"لقد اخترتُ دين الفطرة.. وهو الإسلام، وكنت فيما مضى كاثوليكيًّا.. وفي الكاثوليكية أمور كثيرة لم أقتنع بها، ولم أفهمها، "مثل كرسي الاعتراف". والوسيط لدى الإله، فضلًا عن اعتمادها على أسرارٍ، وقربان، وغير ذلك من أمور لم أستطع الإيمان بها.. .. في حين أن دين الإسلام برئ من هذا كله، فيكفي المسلم أن يتوجه إلى ربه مباشرة بدون وسيط، وبدون كرسي اعتراف، فيستجيب الله دعاءه.
لقد كانوا يُعلمونني كما يُعلمون غيري أن عيسى إله ابن إله، وكانوا يزعمون أن محمدًا ليس نبيًّا، وبالتالي ينكرون الإسلام (١) ثم حدث أن وقع بين يدي - لأول مرة في حياتي - ترجمة لمعاني القرآن الكريم، واستوقفتني معاني كلماته، مثل:
(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)
واسَتَوقَفَه كما يذكر ترجمة قول الله تعالى:
(فِطرتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَليْهَا لاَ تَبْديلَ لِخَلقِ اللهِ ذَلكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثرَ النَّاسِ لاَ يَعْلمُونَ) (٢) .
[ ٢٤٨ ]
كما يذكر أيضًا أنه قرأ حديثًا لرسول الله ﷺ، شعر تجاهه بأن الإسلام دين الفطرة بحق.
"كل مولود يُولَدُ على الفِطْرة، فأبواه يُهَوّدِانه أو يُنَصّرِانه، أو يُمَجّسَانِهِ".
ولذلك يقول "فانسان مونتيه" أو "المنصور بالله الشافعي" كما يعتز باسمه الجديد بعد أن أشهر إسلامه: "لقد آمنت برسالة محمد ومصداقيتها، مثلما آمنتُ تمامًا بوحدانية الله.. إن محمدًا رسول الله حقًا.. والقرآن الكريم مُوحىً به من عند الله وليس من إنشاء محمد أو صُنعه.. .. ورسالته السماوية السمحاء ليست مقصورة على العرب.. وإنما هي للناس كافة.
وعمَّا استلفت نظره في الإسلام أيضًا يقول:
"رأيت في الإسلام تسامحًا مدهشًا، والأخلاق الرفيعة هدف كل مسلم.. كما رأيت رفضًا للرهبنة التي تجافي طبيعة الإنسان البشرية، فالإسلام يحفظ للإنسان إنسانيته، فيمنع عليه الرهبنة، ويدفعه إلى التمتع بالحياة وطيباتها، ما لم تتعارض المتعة مع تعاليم الله تعالى.. ثم أخذ يُطَأطِئُ رأسه، ووجهه شرق بابتسامة عريضة تاليًا قوله تعالى:
(وَمَا جَعَلَ عَليْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (٣) .
ثم غابت ابتسامته فجأة وهو يتذكر المتحاملين على الإسلام، وما يرمونه به من تهم باطلة لا صحة لها على الإطلاق، فيستعرضها مفندًا:
أعداء الإسلام يَدَّعُون أن المسلمين لا يرضون من غيرهم إلا أن يكونوا مسلمين، فإذا لم يكونوا مسلمين أشهروا عليهم سيف الجهاد في حين أنهم لو عقلوا ذلك جيدًا لعلموا أن الجهاد الإسلامي مفروض، ولكن من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل.
ثم يواصل المفكر الإسلامي "المنصور بالله الشافعي" تفنيده لادعاءات الحاقدين على الإسلام فيقول:
[ ٢٤٩ ]
"أنهم يتهمون الإسلام بالقسوة المفرطة، مع أن الإسلام دين السلام، والتسامح، والعفو، والمغفرة.. .. لقد تناسى هؤلاء كل العقوبات النصرانية فيما مضى، والتي أفرطت في القسوة، والتعذيب الذي وصل إلى حد الإحراق، وفصل أجزاء الجسد، فضلًا عن كثرة حالات الإعدام، وهو ما لم يشهده الإسلام في تاريخه.
كما أنهم يتهمون الإسلام بظاهرة الرَقّ التي وُجِدَتْ قبل الإسلام وليس بعده، بل حين انتشر الإسلام وطُبقت تعاليمه كان يسعى لإلغاء الرّق، بل إن كثيرًا من الكفَّارات للذنوب التي يقدم عليها المرء هو تحرير الرقاب الذي عَدَّه الإسلام تقربًا وطاعة لله.
ثم يحاولون الإساءة إلى الإسلام من زاوية تعدد الزوجات، ولو عقلوا لوَجَدُوا أنه وأن سمح حقًّا بذلك فإنه في الوقت ذاته وضع شروطًا دقيقة أساسها العدل المطلق، والمعاملة الطيبة، كما نظر إلى النساء التي حالت ظروفهن دون الزواج، أو لمرض الزوجة، أو لأسباب أخرى.
ثم يصمت برهة ليجزم بالقول:
"أن الإسلام بعظمته وعمقه، وبنقائه ورقُيه، وبتسامحه ودعوته لكرامة الإنسان في كل زمان ومكان - لن يستطيع أحدٌ أن ينال منه.. لأن الإسلام في ذاته قوي.. وتعاليمه تدعو إلى القوة بعدم ارتكاب المعاصي والذنوب التي تضعف القوة، مثل الزّنَى، وشُرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، وغير ذلك مما يحرمه الدين الحنيف".
ويختم كلامه وقد غمرته سعادة إيمانية وهو يقول:
"لهذا اخترت الإسلام.. من أجل أن أشعر بالراحة في رحابه وظلاله نعم، اعتنقتُ الإسلام لأشعر وأدرك أنني اعتنقت دينًا لا يفصل بين البدن والروح، بين النفس والجسد يكفيني أن الإسلام دين نقي، يدفع إلى الأخلاق والتحلي بها، وإلى الكرامة الإنسانية والتمسك بها، من أجل ذلك شهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله وعلى ذلك ألقى ربي".
-----------
(١) صحيفة الاتحاد التي تصدر في "الإمارات العربية المتحدة"، الصادرة في العاشر من نوفمبر ١٩٨٩ (بتصرف) .
[ ٢٥٠ ]
(٢) سورة الروم: الآية ٣٠.
(٣) سورة الحج: الآية ٧٨.
المصدر: "الجانب الخفي وراء إسلام هؤلاء" محمد كامل عبد الصمد