فهذه أربعة أصول تضمنتها هذه الآية:
أحدها: الصبر، وهو حبس النفس عن محارم الله، وحبسها على فرائضه، وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره (^١).
الثاني: اليقين، وهو الإيمان الجازم الثابت الذي لا ريب [فيه] (^٢) ولا تردد ولا شك (^٣) ولا شبهة بخمسة أصول، ذكرها سبحانه في قوله - تعالى -: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وفي قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]، وفي قوله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، والإيمان باليوم الآخر (^٤) داخل في الإيمان بالكتب والرسل.
وجمع بينها النبي ﷺ في حديث عمر، في قوله: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر" (^٥).
_________________
(١) = أنسب في الاستدلال. وجملة (لأنه قال: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾) ساقطة من ج.
(٢) (وهو حبس) إلى (لأقداره) ساقط من ج.
(٣) ساقطة من الأصل وأثبتت من ب، وج.
(٤) في ج (لا تردد فيه) بدل (لا ريب فيه ولا تردد ولا شك).
(٥) في الأصل (والإيمان بالله واليوم الآخر)، وفي ب، وج كما أثبت، وهو الصحيح؛ لأن الإيمان بالله مذكور فى الآية بخلاف الإيمان باليوم الآخر.
(٦) متفق عليه، واللفظ لمسلم. صحيح البخاري (١/ ٢٢)، كتاب الإيمان، باب (٣٨) سؤال جبريل النبي =
[ ٢٠ ]
فهذه الأصول الخمس (^١)، من لم يؤمن بها فليس بمؤمن واليقين: أن يقوم (^٢) الإيمان بها حتى تصير كأنها معايَنةٌ للقلب مُشَاهَدَة له، نسبتها إلى البصيرة كنسبة الشمس والقمر (^٣) إلى البصر (^٤)، ولهذا قال من قال من السلف: ["اليقين: الإيمان كله"] (^٥).
_________________
(١) = ﷺ عن الإيمان والإسلام (ح ٥٠). صحيح مسلم (١/ ٣٦)، كتاب الإيمان، باب (١) بيان الإيمان والإسلام، (ح ١). ومن قوله: (وجمع بينها) إلى نهاية الحديث سقط من ج.
(٢) في ج (أصول) بدل (الأصول الخمس).
(٣) في ج (يقوى) بدل (يقوم).
(٤) في ج (كالشمس إلى البصر) بدل (مشاهدة له نسبتها إلى البصيرة كنسبة الشمس والقمر).
(٥) قال ابن القيم في مدارج السالكين: "المعاينة نوعان: معاينة بصر، ومعاينة بصيرة. فمعاينة البصر: وقوعه على نفس المرئي، أو مثاله الخارجي، كرؤية مثال الصورة في المرآة والماء. ومعاينة البصيرة: وقوع القوة العاقلة على المثال العلمي المطابق للخارجي. فيكون إدراكه له بمنزلة إدراك العين للصورة الخارجية" (٣/ ٢٤٨).
(٦) في الأصل، وب (الإيمان هو اليقين كله)، وهو خطأ، والمثبت من ج. والأثر رواه وكيع عن عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا، ولفظه: "الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله". كتاب الزهد لوكيع (٢/ ٤٥٦)، أثر رقم (٢٠٣). ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٠٧، ح ٨٥٤٤). وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح" مجمع الزوائد (١/ ٢٢٠). وأخرجه غيرهما، انظر تخريجه مفصلًا في حاشية كتاب الزهد لوكيع =
[ ٢١ ]