خلقه (^١). فسلعَةٌ ربُّ السموات والأرض مشتريها، والتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم وسماع كلامه منه في داره ثمنُها، وَمَنْ جرى على يده العقد رسُولُه (^٢)، كيف يليق بالعاقل أن يُضيعها ويهملها ويبيعها بثمن بخس، في دار زائلة مضمحلة فانية! وهل هذا إلا من أعظم الغبن؟ (^٣) وإنما يظهر له هذا الغبن (^٤) الفاحش (^٥) يوم التغابن، إذا ثقلت موازين المتقين وخفَّت موازين المبطلين.
فصل
إذا عرفت هذه المقدمة فاللذة التامة، والفرح والسرور (^٦)، وطيب العيش، والنعيم، إنما هو في معرفة الله، وتوحيده والأُنْس به، والشوق إلى لقائه، واجتماع القلب والهمِّ عليه. فإنَّ أنكد العيش عيش مَنْ قَلْبُهُ مُشَتَّتٌ، وهَمُّهُ مُفَرَّقٌ (^٧)، فليس لقلبه مستقر يستقر
_________________
(١) روى الطبري بسنده عن عبد الله بن رواحة ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. قال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم". قالوا: فإذا فعلنا ذلك، فماذا لنا؟ قال: "الجنة". قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. تفسير الطبري (١٤/ ٤٩٩، ح ١٧٢٧٠).
(٢) في ب (ومِن جَرْي العقد على يد رسوله). وسقط من ج قوله: (وخليله وخيرته) إلى (العقد رسوله).
(٣) (ويهملها) إلى (أعظم الغبن) ساقطة من ج.
(٤) (وإنما يظهر له هذا الغبن) ساقطة من ب.
(٥) (الفاحش) ساقطة من ج.
(٦) (التامة والفرح والسرور) ساقطة من ج.
(٧) (وهمه مفرق) ساقطة من ج.
[ ٣٢ ]
عنده (^١) ولا حبيب يأوي إليه (^٢) ويسكن إليه، كما أفصح القائل عن ذلك بقوله (^٣):
وما ذاق طعمَ العيشِ مَنْ لم (^٤) يكن له … حبيبٌ إليه يطمئن ويسكُنُ
فالعيش الطيب، والحياة النافعة، وَقُرةُ العين في السكون والطمأنينة إلى الحبيب الأول (^٥)، ولو تَنَقَّل القلب في المحبوبات كُلها لم يسكن ولم يطمئن [إلى شيء منها] (^٦)، ولم تَقرَّ [به] (^٧) عينه حتى يطمئن إلى إلهه ورَبِّهِ (^٨) ووَلِيِّه، الذي ليس له من دونه ولي ولا شفيع، ولا غِنى له عنه طرفة عين، كما قال القائل (^٩):
نقِّلْ فؤادك حيثُ … (^١٠) شئتَ من الهوى … ما الحُبُّ إلا للحبيب (^١١) الأول
_________________
(١) (يستقر عنده) ساقطة من ج.
(٢) (يأوي إليه) وواو العطف بعدها ساقطة من ج.
(٣) في ج (قيل) بدل (أفصح القائل عن ذلك بقوله).
(٤) في ب (منكم) بدل (من لم).
(٥) (فالعيش الطيب) إلى (الأول) ساقط من ج.
(٦) ساقطة من الأصل، وأثبتت من ب، وج.
(٧) ساقطة من الأصل وأثبتت من ب، وج.
(٨) (وربه) ساقطة من ج.
(٩) في ب زيادة (شعر).
(١٠) في الأصل زيادة (ما).
(١١) في ب (للخليل) بدل (للحبيب).
[ ٣٣ ]
كم منزل في الأرض يألفه الفتى … وحنينه (^١) أبدًا لأول منزل (^٢) (^٣)
فاحرص أن يكون همك واحدًا، وأن يكون هو الله وحده، فهذا غاية سعادة العبد (^٤) .. وصاحب هذه الحال (^٥) في جنة معجلة قبل جنة الآخرة وفي نعيم عاجل (^٦)، كما قال بعض الواجدين (^٧): "إنه ليمر بالقلب أوقات أقول: إنْ كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب" (^٨). وقال آخر: "إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا" (^٩). وقال آخر: "مساكين أهل الدنيا! خرجوا منها وما ذاقوا أطيب … (^١٠) ما فيها. قيل
_________________
(١) بياض في ب موضع (وحنينه).
(٢) البيتان لأبي تمام ضمن أربعة أبيات، انظرها في شرح ديوان أبي تمام للخطيب التبريزي (٢/ ٢٩٠).
(٣) (ولا غنى له عنه) إلى نهاية البيتين ساقط من ج.
(٤) فى ج (السعادة) بدل (سعادة العبد).
(٥) في ب (الحالة)، وفي ج (وصاحبه) بل (وصاحب هذه الحال).
(٦) (قبل جنة الآخرة وفي نعيم عاجل) ساقطة من ج، و(نعيم) ساقطة من ب.
(٧) في ج (بعضهم).
(٨) ذكره المؤلف في روضة المحبين (ص ١٦٥)، وفي مدارج السالكين قال: "وقال بعض العارفين" (١/ ٤٥٤)، ونُسب هذا القول إلى عابد طرسوسي يقال له: أبو سليمان المغربي، صفة الصفوة (٤/ ٢٣٨)، وانظر الحاشية التالية.
(٩) ذكره ابن كثير هو والذي قبله قولًا واحدًا، ونسبه إلى أبي سليمان عبد الرحمن بن أحمد بن عطية الداراني. البداية والنهاية، طبعة دار المعرفة، حوادث سنة (٢٠٥ هـ)، (١٠/ ٦٩٨).
(١٠) في الأصل زيادة (عيش).
[ ٣٤ ]
له: وما أطيب ما فيها؟ (^١) قال: معرفة الله، ومحبته، والأنس بقربه (^٢)، والشوق إلى لقائه" (^٣).
وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم أهل (^٤) الجنة إلا هذا، ولهذا قال النبي ﷺ: "حُبِّبَ إلَيَّ من دنياكم: النساء، والطيب. وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة" (^٥)، فأَخبر أنه حُبِّبَ إليه من الدنيا شيئان: "النساء والطيب" (^٦)، ثم قال: "وَجُعِلَت قُرَّةُ عيني في الصلاة" (^٧).
_________________
(١) في ج (وما هو) بدل (وما أطيب ما فيها).
(٢) في ج (به) بدل (بقربه).
(٣) نقله المؤلف في روضة المحبين (ص ١٦٥) عن (بعض العارفين)، وفي مدارج السالكين، عن (بعض المحبين)، (١/ ٤٥٤) ورواه أبو نعيم وابن الجوزي عن ابن المبارك، دون قوله: (ومحبته، والأنس بقربه، والشوق إلى لقائه)، حلية الأولياء (٨/ ١٦٧)، وصفة الصفوة (٤/ ١٢٤).
(٤) (أهل) ساقطة عن ب، وج.
(٥) رواه الإمام أحمد، (المسند ٤/ ٢٠١، ح ١٣٦٢٣، ٣/ ٥٨١، ح ١٨٨٤، وح ١١٨٨٥). ورواه النسائي، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، (٧/ ٧٢، ح ٣٩٤٩). والحاكم فى المستدرك، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي، (المستدرك ٢/ ١٦٠). وجود إسناده العراقي، (المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار - بحاشية إحياء علوم الدين للغزالي - ٢/ ٣٠). وقال الألباني: "إسناده حسن"، (تحقيق مشكاة المصابيح ٣/ ١٤٤٨، ح ٥٢٦١).
(٦) (النساء والطيب) ساقطة عن ج.
(٧) (فأخبر أنه حبب إليه) إلى (الصلاة) ساقطة من ب.
[ ٣٥ ]