فصل (^١) المشهد (^٢) الخامس: [مشهد المِنَّة] (^٣)
[وهو] (^٤) أن يشهد أن المِنَّة لله -سبحانه-، كونه (^٥) أقامه في هذا المقام وأهله [له] (^٦). ووفقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته. فلولا الله - سبحانه - لم يكن (^٧) شيء من ذلك، كما كان الصحابة يَحْدُونَ (^٨) بين يدي النبي ﷺ فيقولون:
والله لولا الله ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا (^٩)
_________________
(١) ساقطة من ج.
(٢) ساقطة من ج.
(٣) ما بين المعكوفين ساقط من الأصل، وأثبت من ب، وج.
(٤) ساقطة من الأصل، وأثبتت من ب، وج.
(٥) في ج (حيث) بدل (كونه).
(٦) ساقطة من الأصل، وأثبتت من ب، وجملة: (المقام وأهله له) ساقطة من ج.
(٧) في ب (ما كان).
(٨) "الحَذْو: سَوْق الإبل والغناء لها". (لسان العرب ١٤/ ١٦٨). قال ابن حجر: "وهذه كانت عادتهم إذا أرادوا تنشيط الإبل في السير ينزل بعضهم فيسوقها ويحدو في تلك الحال". (فتح الباري ٧/ ٥٣٢).
(٩) وردت عند البخاري روايتان: أولاهما تفيد أن قائله: عبد الله بن رواحة ﵁، والأخرى أنه: عامر بن الأكوع ﵁، (صحيح البخاري)، كتاب المغازي، باب ٣٠ - غزوة الخندق، ٥/ ٥٧، ح ٤١٠٦، وباب ٣٩ - غزوة خيبر ٥/ ٨٦، ح ٤١٩٦). ورواه مسلم لعامر، (صحيح مسلم، كتاب الجهاد، باب ٤٥ - غزوة ذي قرد وغيرها، ٣/ ص ١٤٢٧، ح ١٢٣، ص ١٤٢٣، ح ١٣٢). قال ابن حجر: "فيحتمل أن يكون هو وعامر =
[ ٤٦ ]
قال الله - تعالى -: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]، فالله -سبحانه- هو الذي جعل المسلم مسلمًا، والمصلي مصليًا، كما قال الخليل ﷺ ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠].
فالمِنَّةُ لله وحده في أن جعل عبده قائمًا بطاعته (^١). وكان هذا من أعظم نِعَمِه عليه (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ [الحجرات: ٧].
وهذا المشهد (^٣) من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد (^٤) وكلما كان العبد أعظم توحيدًا كان حظه من هذا المشهد أتم.
وفيه من الفوائد أنه يحول بين القلب وبين العُجبِ بالعمل ورؤيته،
_________________
(١) = تواردا على ما تواردا منه، ما وقع لكل منهما مما ليس عند الآخر، أو استعان عامر ببعض ما سبقه إليه ابن رواحة". فتح الباري (٧/ ٥٣١)، والذي أورده ابن القيم نص ابن رواحة ﵁.
(٢) في ب (في طاعته).
(٣) (في أن جعل) إلى (عليه) ساقط من ج.
(٤) (المشهد) ساقطة من ج.
(٥) (للعبد) ساقطة من ج.
[ ٤٧ ]
فإنه إذا شهد (^١) أن الله -سبحانه- هو المَانُّ به، المُوَفِّق له، الهادي إليه، شَغَلَه شهود (^٢) ذلك [عن رؤيته] (^٣)، والإعجاب به، وأن يصول (^٤) به على الناس (^٥)، فَيُرفع من قلبه؛ فلا يعجب به، ومن لسانه؛ فلا يَمُنُّ به ولا يتكثر به، وهذا شأن العمل المرفوع.
ومن فوائده أنه يضيف الحمد (^٦) [إلى] (^٧) وليه ومستحقه، فلا يشهد لنفسه حمدًا بل [يشهده] (^٨) كله لله (^٩)، كما يشهد النعمة كلها مِنْهُ، والفضل كله له، والخير كله في [يديه] (^١٠)، وهذا في تمام التوحيد فلا يستقر (^١١) قدمه في مقام التوحيد إلا بعلم ذلك وَشُهُودِهِ، فإذا علمه ورسخ فيه صار له مشهدًا، وإذا صار لقلبه مشهدًا أثمر له من المحبة والأُنس بالله والشوق إلى لقائه والتنعيم بذكره وطاعته (^١٢) ما لا نسبة بينه
_________________
(١) (شهد) مكررة في الأصل.
(٢) (شهود) ساقطة من ب، وج.
(٣) في الأصل (على رؤية)، والمثبت من ب.
(٤) يصول: أي يسطو ويستطيل، "والصؤول من الرجال: الذي يضرب الناس ويتطاول عليهم"، لسان العرب (١١/ ٣٨٧)، وانظر القاموس: المحيط، (ص ١٣٢٣).
(٥) (ورؤيته فإنه إذا) إلى (الناس) ساقط من ج.
(٦) في ب، وج زيادة (كله).
(٧) في الأصل (على)، والمثبت من ب، وج.
(٨) في الأصل (يشهد).
(٩) (ومستحقه فلا يشهد لنفسه حمدًا بل يشهده كله لله) ساقطة من ب، وج.
(١٠) في الأصل (يده)، والمثبت من ب، وج.
(١١) في ج (تستقر).
(١٢) (وطاعته) ساقطة من ج.
[ ٤٨ ]
وبين أعلى نعيم الدنيا ألبتة.
وما للمرء خير في حياته إذا كان قلبه عن هذا مصدودًا، وطريق الوصول إليه عنه مسدودًا (^١)، بل هو كما قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الحجر: ٣].
[فصل] (^٢)