وهذا مجال آخر للأدب: فإنه مجال يصدق أن يقال عنه " لقاء العمالقة الأكابر "، ولكن الفرق أنه لقاء بين أكابر الدنيا وهم الخلفاء، وأكابر الدين وهم العلماء، فإذا بالخلفاء في هذا اللقاء يدينون لأهل العلم بالفضل والأدب، وإنهم وإن كبروا مهما كبروا لا يكبرون على
_________________
(١) تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة (ص ١١٤) ط دار البشائر بتصرف.
(٢) ترتيب المدارك للقاضي عياض (٥/ ٣١٠) ط دار فضالة المغرب. ربيع القطان = هو الإمام أبو سليمان ربيع بن عطاء الله، قال ابن حارث: كان فقيهًا مفتيًا. توفي سنة ٣٣٤ هـ.
[ ٦١ ]
العلم وأهله؛ لأنهم أعظم الناس مرتبة وفضلًا عند الله بعد الأنبياء؛ فكان لزامًا أن يكونوا كذلك عند الناس إلا من جهل ذلك، أو عاند فيه.
وما أجمل قول المأمون في هذا (كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى): فليس يكبر الرجل وإن كان كبيرًا عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه، ووالده، ومعلمه العلم.
يقول الأصمعي:
أرسل إليَّ هارون ولده لكي أعلمه، فرآه يومًا يتوضأ ويغسل رجله، وابن الخليفة يصب الماء على رجله، فعاتب الأصمعي في ذلك، وقال إنما بعثته إليك لتعلمه وتأدبه، فلماذا لم تأمره بأن يصب الماء بإحدى يديه، ويغسل بالأخرى رجلك (^١).
قال أبو معاوية الضرير:
صَبَّ عليَّ بعد الأكل شخصٌ لا أعرفه، فقال الرشيد أتدري من يصب عليك؟ قلت: لا، قال: أنا. إجلالًا للعلم (^٢).
ومن ذلك أيضًا: أنَّ المأمون كان قد أرسل ابنيه إلى الفراء، فلما كان الفراء يريد أن ينهض إلى بعض حوائجه فابتدرا إلى نعل الفراء ليقدمانه، فتنازعا أيهما يقدمه، فاصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما
_________________
(١) تعليم المتعلم طريق التعلم للزرنوجي (ص ٨٢) ط المكتب الإسلامي.
(٢) تاريخ بغداد (١٤/ ٨)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٨٨)، المنتظم لابن الجوزي (٨/ ٣٢٣). أبو معاوية الضرير = هو الإمام الحافظ أبو معاوية محمد بن خازم الكوفي، توفي سنة ٢٩٥ هـ.
[ ٦٢ ]
فردًا فقدماها، وكان المأمون على كل شيء صاحب خبر، فاستدعاه، فلما دخل عليه قال: مَنْ أَعَزُّ الناس؟
قال: لا أعرف أعز من أمير المؤمنين، فقال: بل من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى رضي كل واحد منهما أن يقدم له فردًا … إلى أن قال: وما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيرًا عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه، ووالده، ومعلمه العلم (^١).
قال أحمد بن حمدون:
دخل هارون بن زياد مؤدب الواثق إليه، فأكرمه، فقيل له: من هذا؟
فقال: هذا أول من فتق لساني بذكر الله، وأدناني من رحمة الله (^٢).
ومما سبق يُعلَم أنَّ الأدب صفة ملازمة للمؤدبين أصحاب الخلق السامي، والأدب الرفيع في كل وقت، وفي كل مكان، وعلى أي حال سواء كانوا من عامة الناس، أو من طلبة العلم، بل حتى وإن كانوا من الخلفاء أو العلماء.
_________________
(١) تاريخ بغداد (١٦/ ٢٢٦)، إنباه الرواة عن أنباه النحاة للقفطي (٤/ ١٧) ط دار الفكر، المنتظم (١٠/ ١٧٩). الفراء = العلامة النحوي أبو زكريا يحيى بن زياد، قال ثعلب: لولا الفراء لما كانت عربية، توفي سنة ٢٠٧ هـ.
(٢) تاريخ بغداد (١٦/ ٢٥)، تاريخ دمشق (٧٣/ ٣٢٤)، البداية والنهاية لابن كثير (١٤/ ٣٢٩) ط دار هجر.
[ ٦٣ ]