فعند التعلم التزموا الأدب، وهذا هو أَجَلُّ مقامات الأدب؛ إذ إنَّ العلم لا يُنال إلا إذا تحلى صاحبه بالأدب، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المتعلم طالب علم، أو إمامًا عالمًا، فإذا كان في مقام المتعلم لا بد وأن يتحلى بالأدب.
قال ابن ماجة القزويني:
جاء يحيى بن معين إلى أحمد بن حنبل، فبينا هو عنده، إذ مر الشافعي على بغلته، فوثب أحمد يسلم عليه، وتبعه، فأبطأ، ويحيى جالس، فلما جاء، قال يحيى: يا أبا عبد الله كم هذا؟ فقال: دع عنك هذا؟ إن أردت الفقه، فالزم ذنب البغلة (^١).
_________________
(١) مناقب الشافعي للبيهقي (٢/ ٢٥٢)، سير أعلام النبلاء للذهبي (١٠/ ٨٧)، تاريخ دمشق (٥١/ ٣٥٥).
[ ٤٠ ]
قال قتيبة بن سعيد:
قدمت بغداد ولم يكن همي إلا أن ألقى أحمد بن حنبل، فإذا هو جاءني مع يحيى بن معين فتذاكرنا، فقام أحمد بن حنبل وجلس بين يدي، وقال: أملِ علي، ثم تذاكرنا، فقام أيضًا وجلس بين يدي.
فقلت: يا أبا عبد الله اجلس مكانك.
فقال: لا تشتغل بي، إنما أريد أن آخذ العلم على وجهه (^١).
عن إدريس بن عبد الكريم قال: قال لي سلمة بن عاصم النحوي: أريد أن أسمع كتاب العدد من خلف، فقلت لخلف، قال: فليجئ، فلما دخل رفعه لأن يجلس في الصدر، فقال: لا أجلس إلا بين يديك، وقال هذا حق التعليم، فقال له خلف: جاءني أحمد بن حنبل ليسمع حديث أبي عوانة، فاجتهدت أن أدفعه فأبى، وقال: لا أجلس إلا بين يديك؛ أُمِرْنا أن نتواضع لمن نتعلم منه (^٢).
قال إسحاق الشهيد: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده فيقف بين يديه علي بن المديني،
_________________
(١) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص ٧١) ط دار هجر. قتيبة بن سعيد = هو الإمام أبو رجاء قتيبة بن سعيد الثقفي، وهو من شيوخ البخاري ومسلم، توفي سنة ٢٤٠ هـ.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي للخطيب (١/ ١٩٨)، تاريخ بغداد له أيضًا (١٠/ ١٩٥). سلمة بن عاصم = هو إمام العربية أبو محمد سلمة بن عاصم النحوي، كان حاذقًا بالعربية. توفي سنة ٣١٠ هـ.
[ ٤١ ]
والشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم؛ يسألونه عن الحديث، وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لواحد منهم اجلس، ولا يجلسون هيبة وإعظامًا (^١).
وهؤلاء هم مَنْ منهم مكانة وعلمًا وفضلًا!! لكنه الأدب!!!