ليس الأدب عند التعلم فقط، بل هو لازم أيضًا عند التصدر والتعليم والفتوى.
قال يحيى بن معين:
الذي يحدث ببلد به من هو أولى منه بالتحديث فهو أحمق، وإذا رأيتني أحدث ببلد فيها مثل أبي مُسهِر فينبغي للحيتي أن تحلق (^٢).
وكان القاضي أحمد بن إبراهيم المالكي يتردد على الإمام الطحاوي، فجاء رجل، فسأل الطحاوي عن مسألة، فقال الطحاوي مذهب القاضي أيده الله كذا وكذا.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء للذهبي (١٣/ ٥٤٧) ط الرسالة، تذكرة الحفاظ له أيضًا (٢/ ١٥٧) ط دار الكتب العلمية.
(٢) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (١/ ٢٨٦)، تاريخ بغداد (١٢/ ٣٥٣)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٣١). أبو مسهر = هو الإمام الحافظ أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي، إليه يرجع أهل الشام في الجرح والعدالة لشيوخهم. قال أبو داود: لقد كان من الإسلام بمكان، حمل على المحنة فأبي، توفي سنة ٢١٨ هـ.
[ ٤٩ ]
فقال السائل: ما جئت إلى القاضي إنما جئت إليك.
قال: هو كما قلت، فأعاد السؤال.
فقال القاضي أفته برأيك، فقال الطحاوي إذًا حيث أذن القاضي، فأقول فيها كذا وكذا (^١).
قال الثوري لابن عيينة: ما لك لا تحدث؟
قال وأنت حي فلا (^٢).
دخل ابن المبارك على المعتمر بن سليمان، وكان يحدث الناس، فسكت، فقام الطلبة، فقالوا: أكمل حديثك، فقال: نحن لا نتحدث عند كبرائنا (^٣).
وكان الثوري جالسًا فدخل عليه أبو حنيفة فقام الثوري، فقال الطلبة: لم تفعل ذلك؟ فقال: إن لم أقم لعلمه قمت لسنه (^٤).
_________________
(١) ترتيب المدارك (٥/ ٢٦٥) بتصرف يسير، لسان الميزان (١/ ٦٢٨) ط دار البشائر. الطحاوي = هو محدث الديار المصرية وفقيهها أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، توفي سنة ٣٢١ هـ.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٣١٨)، الكامل في الضعفاء لابن عدي (١/ ٢٣٦)، الآداب الشرعية (٢/ ١٣٧).
(٣) الجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي (١/ ٣٢٠). المعتمر بن سليمان = الإمام الحافظ أبو محمد المعتمر بن سليمان التيمي، كان من كبار العلماء، توفي سنة ١٨٧ هـ.
(٤) أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيرمي (ص ٨١) ط عالم الكتب، تاريخ بغداد (١٥/ ٤٦٨).
[ ٥٠ ]
فهذا هو فعل الأكابر حقًّا أن ينزلوا الناس منازلهم، ولا يتكلمون أو يفتون عند وجودهم.