والأدب عند المناظرات أدب عال عظيم المقام؛ إذ إنَّ المناظرات يغلب عليها الانتصار للنفس، والتعصب والحمية، وكأنها ميدان من ميادين المعارك؛ لذا قليلًا مايرى المتعصب في المناظرات الحق وإن كان واضحًا جليًّا؛ لمجرد أنه مع غيره، لكنه بالأدب يهون الخطب، وتهدأ النفوس، وتبصر عيون القلب الحق بمجرد أن يلوح لها؛ لذا قال تعالى في تقرير هذا الأدب حتى في حوار أهل الكتاب ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].
قال الشافعي:
ما ناظرت أحدًا قط على الغلبة إلا على الحق (^١).
أي على إظهار الحق وبيانه.
_________________
(١) آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص ٦٨)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٩).
[ ٥٥ ]
وقال أيضًا:
ما ناظرت أحدًا قط فأحببت أن يخطئ، وما كلمت أحدًا إلا وأحببت أن يُوَفَّق ويُسَدَّد، وما كلمت أحدًا قط إلا ولم أبالِ بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه (^١).
وهذا أدب من تحلى به يكون كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود؛ إذ هو دليل على تجرد وإخلاص يناطح الجوزاء في العلياء، وما يناله إلا ذو حظ عظيم.