لماذا الأدب مع أهل العلم والعلماء؟!
- الأدب مع العلماء؛ لأنهم شهداء الله في الأرض على أفضل مشهود عليه وأعظم ألا وهو التوحيد، قال الله تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].
قال ابن القيم:
استشهد الله ﷿ بأهلِ العلمِ على أجلِّ مشهودٍ عليه وهو توحيده، فقال ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]،
وهذا يدلُّ على فضلِ العلمِ وأهلِهِ من وجوه:
أحدها: استشهادُهُم دونَ غيرِهم من البشر.
الثاني: اقتران شهادتهم بشهادته.
الثالث: اقترانها بشهادة ملائكته.
الرابع: أنَّ في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، فإنَّ الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول.
[ ٢٠ ]
الخامس: أنه وصفهم بكونهم أولى العلم، وهذا يدل على اختصاصهم به، وأنهم أهله وأصحابه.
السادس: أنه سبحانه استشهد بنفسه، وهو أَجَلُّ شاهد، ثم بخيار خلقه، وهم ملائكته، والعلماء من عباده، ويكفيهم بهذا فضلًا وشرفًا.
السابع: أنه استشهد بهم على أَجَلِّ مشهود به، وأعظمه، وأكبره، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العظيم أكابر الخلق وساداتهم.
الثامن: أنه سبحانه جعل شهادتهم حجةً على المنكِرين، فهم بمنزلة أدلته، وآياته، وبراهينه الدالة على توحيده.
التاسع: أنه سبحانه أفرد الفعل المتضمن لهذه الشهادة الصادرة منه، ومن ملائكته، ومنهم، ولم يعطف شهادتهم بفعل آخر غير شهادته، وهذا يدل على شدة ارتباط شهادتهم بشهادته.
العاشر: أنه سبحانه جعلهم مؤدين لحقه عند عباده بهذه الشهادة، فإذا أدوها فقد أدوا الحق المشهود به، فثبت الحق المشهود به، فوجب على الخلق الإقرار به، وكان ذلك غاية سعادتهم في معاشهم ومعادهم، وكل من ناله الهدى بشهادتهم، وأقر بهذا الحق بسبب شهادتهم، فلهم من الأجر مثل أجره، وهذا فضل عظيم لا يدرى قدره إلا الله (^١).
_________________
(١) مفتاح دار السعادة لابن القيم - بتصرف - (١/ ٤٨).
[ ٢١ ]
- الأدب مع العلماء؛ لعظم فضلهم وقدرهم ومكانتهم:
ففضل العلماء فضل لا يُبارَى، وبحر لا يُجارَى؛ إذ هم ورثة الأنبياء، وحملة اللواء، عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ " فضلُ العالمِ على العابدِ كفضلي على أدناكم، ثمَّ قالَ ﷺ: إنَّ اللَّهَ، وملائِكتَهُ، وأَهلَ السَّماواتِ والأرضِ، حتى النَّملةَ في جُحرِها، وحتى الحوتَ ليصلُّونَ على معلِّمِ النَّاسِ الخيرَ" (^١).
لكن لا يعرف هذا الفضل ويقدره إلا أهله، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل؛ لذا ما عرف فضلهم وقدرهم حق المعرفة إلا أهل العلم أمثالهم:
قال شعبة بن الحجاج:
كنت إذا سمعت الحديث من الرجل كنت له عبدًا ما حَيِيَ (^٢).
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٢٦٨٥)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي (١/ ١٩١)، تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة (ص ٩٩٩) ط دار البشائر. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: " وينبغي للمتعلم أن يحسن الأدب مع معلمه، ويحمد الله إذ يسر له من يعلمه من جهله، ويحييه من موته، ويوقظه من سِنَتِه، وينتهز الفرصة كل وقت في الأخذ عنه، ويكثر الدعاء له حاضرًا وغائبًا. (الفتاوي السعدية). شعبة = هو أمير المؤمنين في الحديث وإمام الجرح والتعديل أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد مولاهم. قال ابن معين: شعبة إمام المتقين، توفي سنة ١٦٠ هـ.
[ ٢٢ ]
قال أبوبكر النحوي:
إذا تعلم الإنسان من العالم واستفاد منه الفوائد فهو له عبد، قال الله تعالى " وإذ قال موسى لفتاه " وهو يوشع بن نون، ولم يكن مملوكًا له، وإنما كان متلمذًا له، متبعًا له، فجعله الله فتاه لذلك (^١).
قال أبوحنيفة:
ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له مع والدي (^٢).
وكان أبويوسف يقول:
إني لأدعو لأبي حنيفة قبل أبوي (^٣).
_________________
(١) أخرجه: الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (٨٥٥) بإسناد صحيح. أبو بكر النحوي = هو المقرئ النحوي المفسر أبو بكر محمد بن علي الأدفوي، توفي سنة ٣٨٨ هـ.
(٢) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٥/ ٤٥٧)، تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٢١٨) ط دار الكتب العلمية. أبو حنيفة = هو الإمام فقيه العراق أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي، قال أبو عاصم النبيل: أبوحنيفه يسمى بالوتد لكثرة صلاته. ختم أبو حنيفة القرآن سبعة آلاف ختمة. توفي في سجن بغداد سنة ١٥٠ هـ. حماد = هو الإمام المجتهد فقيه الكوفة أبو إسماعيل حماد بن أبي سليمان، ما سُمع عبد الملك الشيباني ذكر حمادًا إلا أثنى عليه. توفي سنة ١٢٠ هـ.
(٣) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٥/ ٤٦٦)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٢١٩). أبو يوسف = هو الإمام العلامة المجتهد أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، أول من لقب بقاضي القضاة، كان ورده من الليل مائتي ركعة، وبلغ أبو يوسف من رئاسة العلم ما لا مزيد عليه. توفي سنة ١٨٢ هـ.
[ ٢٣ ]
ذلك لأنَّ فضل الأبوين هو مجيء العبد إلى الدنيا، أما العلماء هم سبب في رحيل العبد إلى مرضات الله والدار الآخرة فهل يستويان؟!
قال أحمد بن حنبل:
منذ ثلاثين سنة وأنا أدعو للشافعي، وأستغفر له (^١).
وهذا ليس كثيرًا على المعلم، بل هو أقل ما يقدم له ردًّا لبعض جميله، وشكرًا لنعمة ربه عليه أن وفق له من يعلمه.
سأل رجل أحمد بن حنبل فقال:
عندنا بالري - مدينة بالمشرق - شاب يقال له: أبوزرعة، فغضب أحمد، وقال تقول شاب - كالمنكر عليه -، ثم رفع يديه وجعل يدعو الله لأبي زرعة يقول: اللهم انصره على من بغى عليه، اللهم عافه، اللهم ادفع عنه البلاء (^٢).
_________________
(١) حلية الأولياء لأبي نعيم (٩/ ٩٨)، مناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٥٥)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٨٢)، تاريخ دمشق لابن عساكر (٥١/ ٣٤٦). وفي بعض الروايات أنه قال: منذ أربعين سنة. وكان الصحابي الجليل أبو الدرداء يقول: إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم.
(٢) سير السلف الصالحين لأبي القاسم الأصبهاني (ص ١٢٢٥)، إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي الحنفي (٩/ ٤٦). أبو زرعة = هو سيد الحفاظ عبيد الله بن عبد الكريم بن فروخ الرازي، لما قدم على أبي عبد الله أحمد بن حنبل استأثر بمذاكرته على النوافل. قال عبد الواحد بن غياث: ما رأى أبو زرعة بعينه مثل نفسه. توفي سنة ٢٦٤ هـ.
[ ٢٤ ]
قال عبد الله بن أحمد قلت لأبي:
أي رجل كان الشافعي، فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟
قال: يا بني كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف، أو منهما من عوض؟! (^١).
وما أجمل وأحسن هذا التشبيه!
هو للناس كالشمس في ضوئها، وإزالة الظلمة عن أهلها، وبعث الدفء والراحة في ربوعها، بل وكالعافية للناس؛ إذ إنَّ العافية هي باب الرزق، ودليل القوة، وطريق الكفاف والراحة، وعدم الحاجة، وغير ذلك من المعاني الجليلة.
بل ومن فضلهم أنهم إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله تعالى.
كان محمد بن سيرين إذا مر في السوق فما يراه أحد إلا ذكر الله تعالى (^٢).
_________________
(١) تاريخ دمشق لابن عساكر (٥١/ ٣٤٨)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٥)، تهذيب الكمال (٢٤/ ٣٧١).
(٢) تاريخ الإسلام للذهبي (٣/ ١٥٣)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٦١٠)، تذكرة الحفاظ (١/ ٦٢). محمد بن سيرين = هو الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري مولى أنس بن مالك، توفي سنة ١١٠ هـ.
[ ٢٥ ]
قال أبو حنيفة:
إن لم يكن أولياء الله في الدنيا والآخرة الفقهاء والعلماء، فليس لله ولي (^١).
من أجل ذلك كان لقاء أهل العلم وورثة الأنبياء فخر للعبد.
قال أبو عبد الله البخاري:
إنَّ أبي سمع من مالك، ورأى حمادًا، وصافح ابن المبارك بكلتا يديه (^٢).
فيفتخر البخاري ﵀ أنَّ أباه سمع من مالك، ليس هذا فحسب، بل عَدَّ البخاري رؤية أبيه لحمّاد، ومصافحته لعبد الله بن المبارك فخرًا.
ومن أجل ذلك عدَّ الشافعي زيارة أحمد له فضلًا منه أي من أحمد، وزيارته لأحمد فضلًا له أي للشافعي. ياله من أدب جم، وخلق سامي!!.
_________________
(١) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (١/ ١٥٠) ط دار ابن الجوزي، وأيضًا ورد عن الإمام الشافعي أنه قال: إن لم يكن الفقهاء أولياء الله في الآخرة فما لله ولي. (مناقب الشافعي للبيهقي).
(٢) التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٣٤٢) ط دائرة المعارف. الهند، سير أعلام النبلاء للذهبي (١٢/ ٣٩٢). البخاري = هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح، كان آيه في الحفظ والذكاء، توفي سنة ٢٥٦ هـ.
[ ٢٦ ]
فنُسب له قوله:
قالوا يزورك أحمد وتزوره … قلت الفضائل ما تعدت منزله
إن زارني فبفضله أو زرتُه … فلفضله فالفضل في الحالين له (^١)
قال عبد الله بن المعتز:
العالم يعرف الجاهل، لأنه قد كان جاهلًا، والجاهل لا يعرف العالم، لأنه لم يكن عالمًا (^٢).
ونُسِب إلى علي بن أبي طالب ﵁ قوله:
النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّمْثِيلِ أَكْفَاءُ … أَبُوهُمْ آدَمٌ، وَالْأُمُّ حَوَّاءُ
فَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَا نَسَبٌ … يُفَاخِرُونَ بِهِ، فَالطِّينُ وَالْمَاءُ
مَا الْفَخْرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ، إِنَّهُمْ … عَلَى الْهُدَى لِمَنْ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ
وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ … وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ
وهذا المعنى مأخوذ من قول الله سبحانه: بل كذبوا بما لم يحيطوا
_________________
(١) شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد (٣/ ١٨٨) ط دار ابن كثير. قال الحسن البصري: الدنيا كلها ظلمة إلا مجالس العلم. وقال بعض أهل العلم: لولا العلماء لصار الناس كالبهائم.
(٢) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (٢/ ١٥٠) ط دار ابن الجوزي، وأدب الدنيا والدين لأبي الحسن الماوردي (ص ٣٧) ط مكتبة الحياة. ومن الطرائف أنَّ ابن الخليل بن أحمد دخل عليه، وهو يقطع بيت شعر، فخرج وقال: إن أبي قد جُنَّ، فقال الخليل: لو كنت تعلم ما أقول عذرتني أو كنت تفهم ما أقول عذلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتني وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
[ ٢٧ ]
بعلمه (^١).
وكفى بالعلم وأهله شرفا أنَّ الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع (^٢).
بل بمجرد سلوك العبد طريق العلم يسهل الله له طريقًا إلى الجنة (^٣).
وما أحسن ما وصف به الشاعر الأندلسي العلم وأهله فقال:
هُوَ الْعَضَب المهند لَيْسَ ينبو … تصيب بِهِ مقَاتل من ضربتا
وكنز لَا تخَاف عَلَيْهِ لصًّا … خَفِيف الْحمل يُوجد حَيْثُ كنتا
يزِيد بِكَثْرَة الْإِنْفَاق مِنْهُ … وَينْقص إِنْ بِهِ كفًّا شددتا (^٤)
_________________
(١) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (٢/ ١٥٠)، وأيضًا ذكر ابن عبد البر الأبيات في جامع بيان العلم (١/ ٢١٨) وقال: وينسب إلى علي بن أبي طالب ﵁ من قوله وهو مشهور من شعره سمعت غير واحد ينشده له. عبد الله بن المعتز = هو الأمير الهاشمي الأديب الشاعر أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل، توفي سنة ٢٩٦ هـ.
(٢) يشير إلى حديث صفوان بن عسال المُرادي مرفوعًا الذي أخرجه أحمد في مسنده (١٨٠٩٣)، والطيالسي في مسنده (١٢٦١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٩٣)، وابن ماجه في سننه (٢٢٦) بإسناد حسن.
(٣) يشير إلى حديث أبي هريرة مرفوعًا الذي أخرجه مسلم في صحيحه (٢٦٩٩)، وفيه: " من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة ".
(٤) من ديوان أبي إسحاق الألبيري (ص ٢٦) ط دار قتيبة، مجموعة القصائد الزهديات لعبد العزيز السمان (١/ ٧٥). أبو إسحاق الإلبيري = هو الشاعر الأندلسي إبراهيم بن مسعود بن سعيد التجيبي الإلبيري. توفي سنة ٤٦٠ هـ.
[ ٢٨ ]
ومن أجل كل ذلك كان من أشد العقوبات أن يحرم الله الناس من أهل العلم.
قال ابن عيينة:
وأي عقوبة أشد على أهل الجهل من موت أهل العلم (^١).
- الأدب مع العلماء؛ لأنهم أهل الذكر والفتوى، قال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧].
بل إنَّ الحياة لا تحلو ولا تحل بعيدًا عنهم، فلقد ذكر بعض أهل العلم أنه لا يحل للعبد أن يجلس في مكان ليس فيه أحد من أهل العلم ليعلمه ما يحتاج إليه من أمر دينه.
قال ابن حزم:
فرض على كل جماعة مجتمعة في قرية أو مدينة أو حصن أن ينتدب منهم من يطلب جميع أحكام الديانة أولها عن آخرها …، ثم قال: فإن لم يجدوا في محلتهم من يفقههم في ذلك كله ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المجتهدين في صنوف العلم، وإن بعدت ديارهم وإن كانوا بالصين (^٢).
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٢١٠)، شرح السنة لأبي القاسم البغوي (١/ ٣١٨) ط المكتب الإسلامي.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٥/ ١٢٢) ط دار الآفاق. ابن حزم = هو الإمام علي بن أحمد بن حزم الأندلسي الظاهري، كان شافعيًّا ثم انتقل إلى المذهب الظاهري حتى لقب به، تفرغ للعلم والتأليف، وأحرقت مؤلفاته علانية بإشبيلية، له مؤلفات عديدة، توفي سنة ٤٥٦ هـ. قال يحيي بن معاذ: العلماء أرحم بأمة محمد من آبائهم وأمهاتهم، قيل له: كيف ذلك؟ قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة، قال بعض أهل العلم: من عادى السلطان خسر دنياه، ومن عادى العلماء خسر دينه.
[ ٢٩ ]
- الأدب مع العلماء؛ لأنهم أحسن الناس قولًا، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].
_ الأدب مع العلماء؛ لأنهم الهداة إليه، قال تعالى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧].
- الأدب مع العلماء؛ لأنهم ورثة الأنبياء، قال ﷺ "إنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا، ولا درهمًا، وإنما وَرَّثُوا العلم" (^١).
ولما كان العلماء ورثة الأنبياء استحقوا التوقير، والتقدير، والمهابة.
قال طاووس: من السنة أن تُوَقِّرَ العالم (^٢).
_________________
(١) أخرجه: أبو داود في سننه (٣٦٤١)، والترمذي في سننه (٢٦٨٢)، وابن ماجه في سننه (٢٢٣)، وقال الأرناؤوط: حسن بشواهده.
(٢) أخرجه: عبد الرزاق في المصنف (٢٠١٣٣)، والبيهقي في المدخل إلى السنن (٦٦٤)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١١٣٩) بلفظ: " من السنة أن يوقر أربعة: وذكر منهم العالم " بإسناد صحيح إلى طاووس، وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٧١٩) بلفظ: " من السنة أن توقر العالم ". وطاووس = هو الفقيه الحافظ أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان اليمني، قال عنه ابن عباس: إني لأظن طاووس من أهل الجنة، وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدًا مثله قط. توفي سنة ١٠٦ هـ. قال إبراهيم النخعي: كنا نأتي مسروقًا أي الأجدع فنتعلم من هديه ودلِّه.
[ ٣٠ ]
ورُئِىَ ابن عباس يأخذ بركاب أبيِّ بن كعب، فقيل له: أنت ابنُ عم رسول الله تأخذ بركاب رجل من الأنصار؟!
فقال: إنه ينبغي للحَبر أن يُعَظَّمَ ويُشَرَّفَ (^١).
قال عبد الرحمن بن حرملة:
ما كان إنسان يجترئ على سعيد بن المسيب يسأله عن شيء حتى يستأذنه كما يُستَأْذن الأمير (^٢).
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (١/ ١٨٨) ط مكتبة المعارف، وأيضًا في الجامع للخطيب (١/ ١٨٨) عن الشعبي، قال: أمسك ابن عباس بركاب زيد بن ثابت، فقال: أتمسك لي وأنت ابن عم رسول الله ﷺ؟! قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء. والحَبر بالفتح = هو العالم، وأيضًا يجوز قول الحِبر بالكسر.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي (١/ ١٨٤) ط مكتبة المعارف، وانظر إلى ما قاله المغيرة بن مقسم الضبي في الجامع للخطيب: كنا نهاب إبراهيم أي النخعي كما يهاب الأمير. سعيد بن المسيب = هو الإمام سيد التابعين في زمانه أبو محمد سعيد بن المسيب ابن حزن المخزومي، تزوج من بنت أبي هريرة ﵁، قال عنه ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه. توفي بعد ٩٠ هـ.
[ ٣١ ]
قال أبو عاصم:
كنا عند ابن عون وهو يُحَدِّث، فمر بنا إبراهيم بن عبد الله بن حسن في موكبه، وهو إذ ذاك يُدعى إمامًا، بعد قتل أخيه محمد، فما جسر أحد أن يلتفت فينظر إليه فضلًا عن أن يقوم هيبة لابن عون (^١).
قال الإمام أحمد بن إسحاق الفقيه:
ما رأيت في المحدثين أهيب من إبراهيم بن أبي طالب كنا نجلس كأن على رءوسنا الطير، عطس أبوزكريا العنبري فأخفى عطاسه، فقلت له سرًّا: لا تخف فلست بين يدي الله (^٢).
- الأدب مع العلماء؛ لأنَّ مقامهم أعلى المقامات بعد مقام النبوة:
قال ابن المبارك: لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء (^٣).
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي (١/ ١٨٥). وابن عون = هو الإمام الحافظ أبو عون عبد الله بن عون البصري الذي قال عنه الأوزاعي: إذا مات ابن عون وسفيان استوى الناس، وقال عنه ابن المبارك: ما رأيت أفضل من ابن عون. توفي ١٥٠ هـ.
(٢) سير أعلام النبلاء للذهبي (١٣/ ٥٤٧) ط الرسالة، تذكرة الحفاظ له أيضًا (٢/ ١٥٧) ط دار الكتب العلمية. وإبراهيم بن أبي طالب = هو إمام المحدثين في عصره، قال عبد الله بن سعد: ما رأيت مثل إبراهيم توفي سنة ٢٩٥ هـ.
(٣) إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (١/ ٢١٩) ط دار المعرفة. ابن المبارك = هو الإمام الزاهد أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك الحنظلي، وقال أبو أسامة: ابن المبارك في المحدثين مثل أمير المؤمنين في الحديث. قال إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك، توفي سنة ١٨١ هـ.
[ ٣٢ ]
-الأدب مع العلماء؛ لأنهم أرحامنا وآباؤنا وأجدادنا في العلم:
قال ﷺ: " إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم … " (^١).
وقال النووي عن أهل العلم:
إنهم أئمتنا وأسلافنا كالوالدين لنا، وقال عن أبي العباس بن سريج وهو أحد أجدادنا في سلسلة الفقه (^٢).
-الأدب مع العلماء؛ لأنهم في البلاد كالعين العذبة، أو المصباح المضيء، أو الغيث والمطر:
فكل عالم مصباح زمانه يستضئ به أهل زمانه وعصره، قيل: العالم كالعين العذبة نفعها دائم، وقيل: العالم كالغيث حيث وقع نفع، وقيل: هو كالسراج مَنْ مَرَّ به اقتبس (^٣).
قال ابن القيم ﵀:
_________________
(١) أخرجه: أحمد في مسنده (٧٣٦٨)، النسائي في سننه (٤٠)، وابن ماجه في سننه (٣١٣) بإسناد حسن.
(٢) المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ١٥٦) ط دار الفكر. ابن سريج = هو أحمد بن عمر بن سريج القاضي وهوناشر مذهب الشافعي. قال عنه الخطيب: هو إمام أصحاب الشافعي في وقته. وقال الشيرازي: كان يفضل على أصحاب الشافعي حتى على المزني. توفي سنة ٣٠٦ هـ.
(٣) نشر طيّ التعريف في فضل حملة العلم الشريف والرد على ماقتهم السخيف لأبي حامد الوَصَابي الشافعي (ص ٣٨).
[ ٣٣ ]
فقهاء الإسلام، ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام الذين خُصُّوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (^١).
-الأدب مع العلماء؛ لأنَّ الإنسان يولد بين أيديهم أي يولد بالشريعة والفهم والعلم.
قال ابن القيم ﵀:
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يذكر ذلك ويفسره بأنَّ الولادة نوعان: أحدهما هذه المعروفة، والثانية ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس وظلمة الطبع، قال: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين، وقد قرأ أبي بن كعب ﵁ "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم".
قال: ومعنى هذه الآية والقراءة في قوله تعالى وأزواجه أمهاتهم إذ ثبوت أمومة أزواجه لهم فرع عن ثبوت أبوته.
قال: فالشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح، والوالد أب
_________________
(١) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ٩).
[ ٣٤ ]
الجسم (^١).
قال الشاعر:
أُفَضِّلُ أستاذي على فضل والدي … وإن نالني من والدي المجد والشرف
فهذا مربي الروح والروح جوهر … وذاك مربي الجسم والجسم كالصدف (^٢)
- الأدب مع العلماء؛ لأنَّ مفاتح العلوم بأيديهم:
قال الشاطبي:
وقد قالوا: إنَّ العلم كان في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين لابن القيم (٣/ ٦٩).
(٢) موسوعة الأخلاق لخالد الخراز (ص ٣٢٤) ط مكتبة الأثر.
(٣) الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي (١/ ١٤٠) ط دار ابن عفان، وزاد الشاطبي، فقال: والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئًا، دون فتح العلماء، وهو مشاهد معتاد. والشاطبي = هو العلامة الأصولي الحافظ إبراهيم بن موسى الغرناطي المالكي. توفي سنة ٧٩٠ هـ.
[ ٣٥ ]