وهذا باب من الأدب لا يهتدي إليه إلا الموفق الذي زاده الله تعالى توفيقًا، فإنَّ بعض طلبة العلم قد يتحلى بالأدب مع مشايخه ومعلميه، لكنه لا يستطيع أن يتحلى بالأدب مع مخالفيه، مع أنَّ هذا الأدب من الأهمية بمكان؛ إذ هو دليل التجرد والإخلاص.
ومن ذلك ما ورد أنَّ محمد بن سريج بلغه موت محمد بن داود الظاهري - وكان بينهما مناظرات - حزن له، ونحى مخاده، وجلس للتعزية، وقال: ما آسى إلا على تراب يأكل لسان محمد بن داود (^١).
قال ابن القيم عن ابن تيمية:
كان بعض أصحابه الأكابر يقولون: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه، وجئت يوما مبشرًا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة فنهرني، وتنكر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم (^٢).
_________________
(١) تاريخ بغداد للخطيب (٣/ ١٦٣)، سير أعلام النبلاء للذهبي (١٣/ ١١٢)، المنتظم لابن الجوزي (١٣/ ١٠١). محمد بن داود = هو العلامة البارع الذكي أبو بكر محمد بن داود الظاهري، توفي سنة ٢٩٧ هـ.
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٢٨) ط دار الكتاب العربي، تكملة الجامع لسيرة شيخ الإسلام للعمران (ص ٩٠).
[ ٥٣ ]
ومن ذلك أيضًا:
أنه كان بين الإمامين أبي نعيم وابن منده وحشة شديدة، ومع ذلك لما ذُكِر ابن منده عند أبي نعيم قال كان جبلًا من الجبال (^١).
وهذا يدل على الإنصاف، وعدم التعصب، وحسن الظن، وكل هذا من حسن الهدي والسمت والأدب.
قال أبوزرعة:
كنت عند أحمد بن حنبل فذكر له إبراهيم بن طهمان وكان متكئًا من علة، فجلس، وقال: لا ينبغي إذا ذُكِر الصالحون فيتكأ، وقال أحمد: كان مرجئًا، وكان شديدًا على الجهمية (^٢).
ما أعظم الإمام أحمد من معلم ومؤدب، فلقد أدب الناس بعمله قبل قوله، فجلوسه - مع اتكائه من علة - لتعليم الأدب مع العلماء والصالحين، حتى عند غيابهم، بل بمجرد ذكر أسمائهم، ثم تعليمه الأدب لطلبته بذكره أنه من الصالحين فينبغي أن يُقَدَّر ويُوَقَّر، وأعظم من كل ذلك إنصافه وذكره للخير والشر معًا ليعالج هذا بذاك، فإن أراد أحد أن يعتدي لما عنده من الخطأ نظر إلى ما عنده من الخير
_________________
(١) تاريخ دمشق لابن عساكر (٥٢/ ٣٢)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٢)، لسان الميزان (٦/ ٥٧٧).
(٢) تاريخ بغداد (٧/ ٢٠)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٨١)، تهذيب التهذيب لابن حجر (١/ ١٣٠). إبراهيم بن طهمان = الإمام عالم خراسان أبو سعيد إبراهيم بن طهمان الهروي. توفي سنة ١٦٨ هـ.
[ ٥٤ ]
والصواب فأمسك.
حقًّا إنها أخلاق النبوة وورثتهم، وهو أصل عام في هذه الشريعة المطهرة، قال تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
فأين هذا ممن يفعل الضد تمامًا، فإذا ذُكِرَ أهل العلم لا يَذْكُرُ إلا أخطاءهم وعيوبهم، ويُخفِي فضائلهم وخيراتهم، ثم يدَّعي مع ذلك أنه من أهل السنة، ومتبع منهجهم.
أليس هذا أمرًا عُجابًا؟!