لا بد لطالب العلم أن ينشغل بنفسه وعمله، فثمرة العلم ليست بالتنقيب عن مثالب الناس، بل بالعمل بما علم، وكلما ازداد العبد علمًا لا بد أن يزداد عملًا وخُلُقًا، وإلا فإنه لم ينتفع بهذا العلم.
قال الحسن: كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يُرَى ذلك في تخشعه، وهديه، ولسانه، وبصره، ويده (^٣).
_________________
(١) تاريخ بغداد (٩/ ١٧٨).
(٢) وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٢٠)، شذرا ت الذهب لابن العماد (٤/ ١٦).
(٣) الزهد للإمام أحمد بن حنبل (ص ٢٣١) ط دار الكتب العلمية، أخلاق العلماء للآجري (ص ٧١). الحسن = هو الإمام الزاهد أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري. قال عنه أنس بن مالك: سلوا الحسن فإنه حفظ ونسينا. وقال أبو بردة: ما رأيت أحدًا أشبه بأصحاب محمد ﷺ منه. توفي سنة ١١٠ هـ.
[ ٨٧ ]
وكانت أم سفيان الثوري تعظه وتقول:
يا بني: إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك، وحلمك، ووقارك، فإن لم تر ذلك، فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك (^١).
عن إسماعيل بن يحيى قال:
رآني سفيان وأنا أمازح رجلًا من بني شيبة عند البيت، فتبسمت، فالتفت إلي، فقال: تبتسم في هذا الموضع، إن كان الرجل ليسمع الحديث الواحد فنرى عليه ثلاثة أيام سمته، وهديه (^٢).
عن أبي عمرو بن حمدان: قال:
سمعت أبي يقول: كنت في مجلس أبي عبد الله المروزي، فحضرَتْ صلاة الظهر، فأذَّن أبوعبد الله، فخرجت من المسجد
فقال: يا أبا جعفر إلى أين؟
قلت: أتطهر للصلاة.
_________________
(١) تاريخ جرجان لأبي القاسم الجرجاني (ص ٤٩٢) ط عالم الكتب، تاريخ الإسلام للذهبي (٤/ ٣٨٢).
(٢) الجامع لأخلاق الراوي (١/ ١٥٧).
[ ٨٨ ]
قال: قد كان ظني بك غير هذا يدخل عليك وقت الصلاة وأنت على غير طهارة.
وعن أبي عصمة عاصم بن عصام البيهقي قال:
بتُّ ليلةً عند أحمد بن حنبل، فجاء بالماء فوضعه، فلما أصبح نظر إلى الماء، فإذا هو كما هو، فقال: سبحان الله رجل يطلب العلم لا يكون له وِردٌ من الليل (^١).
سُئل الإمام أحمد عن رجل يكتب الحديث فيكثر، فقال:
فينبغي أن يكثر العمل به على قدر زيادته في الطلب، ثم قال: سبل العلم مثل سبل المال، إنَّ المال إذا زاد ازدادت زكاته (^٢).
وفي هذا بيان أنَّ العلم ثمرته العمل، وأنَّ طلاب العلم حقًّا يجب أن يكونوا رُوَّادًا في كل مجال، وكلما ازداد طلبهم للعلم لا بد وأن يزدادوا عملًا، وهذا يعني أنهم إذا جَنَّ الليل فهم قوامه، وإذا حضرت الصلاة فهم المبكرون لها أصحاب الصف الأول وتكبيرة الإحرام، وهم أهل القرآن تلاوة وعملًا، وهم وأهل الحديث فهمًا وعلمًا، وهم أهل الخلق حسنًا وأدبًا، وهم أهل البر عطاء وصلة
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي (١/ ١٤٣)، صفة الصفوة (١/ ٤٨٠)، مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص ٢٧٣). أبو عصمة عاصم بن عصام القشيري البيهقي، يقال أنه كان مجاب الدعوة.
(٢) اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي (ص ٨٩) ط المكتب الإسلامي.
[ ٨٩ ]
إنهم أهل الله وخاصته.
فلينظر من كان من أهل الله وخاصته ماذا يجب عليه، إنها منة كبيرة، وفضل عظيم، لكنها في ذات الوقت حمل ثقيل، والموفق من وفقه الله، والمعصوم من عصمه الله.
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهله وخاصته، وأن يغفر لنا خطأنا وزلاتنا، وأن يعصمنا من الغواية والهوى وسوء الأدب، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.
وصلَّى الله وسلم على معلم البشرية الإيمان والعلم والأدب، وعلى أصحابه مصابيح الدجى، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
[ ٩٠ ]