فالستر مع النصح من خير صفات المسلم فضلًا عن طلبة العلم، وهو يعني أمورًا: حب الخير للناس، وعدم الفرح بخطئهم، وإخلاص العمل لله، وعدم تمني العلو على حساب الغير.
قال الفضيل:
المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير (^٢).
_________________
(١) أخرجه: الإمام أحمد في مسنده (٢٢٠١٦)، والترمذي في سننه (٢٦١٦)، والنسائي في السنن الكبرى (١١٣٣٠)، وابن ماجه في سننه (٣٩٧٣)، وصححه الألباني، وقال الأرناؤوط: صحيح بشواهده.
(٢) جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي (١/ ٣٢٥) ط الرسالة. الفضيل = هو شيخ الإسلام الزاهد أبو علي الفضيل بن عياض التميمي، قال عنه ابن المبارك: ما بقي على وجه الأرض أفضل من الفضيل بن عياض، وكان إمامًا ربانيًّا كبير الشأن. وقال شريك: هو حجة لأهل زمانه. توفي سنة ١٨٧ هـ.
[ ٨٠ ]
قال يحيى بن معين:
أخطاء عفان عندي في نيفٍ وعشرين حديثًا، ما أعلمت بها أحدًا، وأعلمته بها سرًّا، ولقد طلب إليَّ خلف بن سالم أن أخبره بها، فما عرَّفته، وكان يحب أن يجد عليه (^١).
قال ابن المبارك:
كان الرجل إذ رأى من أخيه ما يكره أمره في ستر، ونهاه في ستر، فيؤجر في ستره، ويؤجر في نهيه (^٢).
قال يحيى بن معين:
ما رأيت على رجل خطأ إلا سترته، وأحببت أن أُزَيِّن أمره (^٣).
_________________
(١) تاريخ بغداد (١٦/ ٢٦٣)، طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٤٠٥) ط دار المعرفة. عفان = هو الإمام الحافظ أبو عثمان عفان بن مسلم، قال أبو حاتم: عفان إمام ثقة متين متقن. توفي بعد ٢١٩ هـ. خلف بن سالم = هو الإمام الحافظ المجود أبو محمد خلف بن سالم السندي، توفي سنة ٢٣١ هـ.
(٢) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبان البستي (ص ١٩٧) ط دار الكتب العلمية.
(٣) تاريخ بغداد للخطيب (١٦/ ٢٦٣)، تهذيب الكمال للمزي (٣١/ ٥٥٩)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٨٣).
[ ٨١ ]
حكى أبو الحسن الدارقطني أنه حضر أبا بكر الأنباري في مجلس أملاه يوم الجمعة، فصحَّف اسمًا أورده في إسناد حديث، إما كان حبان، فقال حيان، أو حيان فقال حبان، قال أبو الحسن فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته وهم، وهِبْتُه أن أوقفه على ذلك، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملى، وذكرت له وهمه، وعرفته صواب القول فيه، وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه، فقال أبو بكر للمستملي عرف جماعة الحاضرين أنا صحفنا الاسم الفلانى لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهَنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال (^١).
فمن فعل مثل ذلك في تصحيح الخطإ فليعلم أنه يريد الحق والخير، ولا حظَّ لنفسه فيه، وإلا فلْيَتَّهِم العبد نفسه، وينقب ويفتش على نيته.
_________________
(١) تاريخ بغداد (٣/ ١٨٣)، المنتظم لابن الجوزي (١٣/ ٣٩٨)، طبقات المفسرين (٢/ ٢٢٩).
[ ٨٢ ]