فإنَّ بعض من غره الشيطان ظنَّ أنه لن يقوم له صرحٌ، ويعلو له شأنٌ إلا بهدم بعض الصروح القائمة لأهل العلم، ويظن أنهم عقبة في طريق علوه وانطلاقه، ويتوهم أنَّ تفرده هو طريق الوصول، ولكنه قد أبعد النجعة بذلك، واستبدل بالبعير بعرًا، وبالثُّريَّا ثرى، وبالوحدة، والائتلاف، والاتفاق، والاجتماع انفرادًا واختلافًا وشرذمة، وإنما المرء بإخوانه، وأقرانه، والتفرد شقاء، وتعب، ومشقة، وخاصة في العلم.
_________________
(١) شعب الإيمان للبيهقي (٣/ ٢٤٣) ط الرشد، جامع بيان العلم (١/ ٤١٢)، الفقيه والمتفقه (٢/ ٢٨٤).
[ ٨٦ ]
كان ابن عيينة ﵀ يقول:
كنت أخرج إلى المسجد، فأتصفح الخلق، فإذا رأيت مشيخة وكهولًا جلست إليهم، وأنا اليوم قد اكتنفنى هؤلاء الصبيان، ثم ينشد:
خلت الديار فسُدْتُ غير مُسَوَّد … ومن الشقاء تفردي بالسُّؤْدُدِ (^١)
وورد أنَّ القفال الشاشي عندما جلس للتدريس مكان مشايخه، وضع منديله على عينيه، وبكى كثيرًا، وهو جالس على السدة التي جرت عادة المدرسين بالجلوس عليها، وكان ينشد:
خلت الديار فسُدْتُ غير مُسَوَّد … ومن العناء تفردي بالسُّؤْدُدِ
وجعل يردد هذا البيت ويبكي (^٢).