فالجزاء من جنس العمل، فمن لم يرض بالعلماء نورًا أبدله الله البدع وأهلها يهوي في ظلماتها، ويصدق عليه قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
ومن ذلك أنَّ واصل بن عطاء كان تلميذًا للحسن البصرى، وبينما هو جالس فى درسه سأل سائل الحسن البصرى عن مرتكب الكبيرة: أهو كافر كما يقول وعيدية الخوارج، أو مؤمن لا يضره مع الإيمان ذنب كما يقول مرجئة الأمة؟ فتعجل واصل فى الجواب، وقال: لا. هو فى منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، وخالف بذلك أهل السنة من السلف، فإنهم لا يحكمون بخروج المؤمن من الإيمان بارتكابه الكبيرة، واعتزل مجلس الحسن، وجلس إلى اسطوانة يقرر مذهبه، واجتمع إليه التلاميذ، فقال الحسن: اعتزلنا واصل، فسمى من تبعه فى
[ ٦٩ ]
ذلك المعتزلة (^١).
وهذا من شؤم مخالفة الأدب، فليس من الأدب أن يُسْأَل الحسن البصري، ويجيب واصل في حضرته، وهو تلميذه؛ لذا كانت هذه بداية البدعة له، وأصبح مؤسسًا لمذهب من مذاهب أهل البدع وهم المعتزلة - نسأل الله السلامة والعافية -.
وروي عن إسماعيل بن علية، قال: حدثني اليسع، قال: تكلم واصل بن عطاء يومًا يعني المعتزلي فقال عمرو بن عبيد: ألا تسمعون؟ ما كلام الحسن وابن سيرين عندما تسمعون إلا خرقة حيض ملقاة (^٢).
سبحانك هذا بهتان عظيم!!
إنه لسوء أدب وجرأة على ورثة الأنبياء أن يشبه عمرو بن عبيد كلام الحسن الذي كان العلماء يشبهون كلامه بكلام الأنبياء، وابن سيرين العالم الزاهد الورع يشبه كلامهما بخرقة حيض ملقاة. حقًّا، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
من أجل ذلك لا تعجب إذ يقدر الله لهؤلاء أن كانوا من مؤسسي مذهب من مذاهب أهل البدع.
_________________
(١) الأعلام للزركلي (٨/ ١٠٩)، سير أعلام النبلاء للذهبي (٥/ ٤٦٤)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٨). واصل بن عطاء المعروف بالغزّال من موالي بني مخزوم، وكان رأس الإعتزال والمعتزلة. توفي سنة ١٣١ هـ.
(٢) الاعتصام للشاطبي (٢/ ٢).
[ ٧٠ ]