الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله ﷺ، وبعد:
إنَّ الله ﷾ بعث نبيه ﷺ ليتمم محاسن الأخلاق، ويُعَلِّم الناس مكارمها، وكذلك ليدل الناس على معالي الأمور، وينهاهم عن سفاسفها.
ولقد اعتنى الإسلام بتربية المسلم على الأخلاق الحسنة، والآداب الراقية المهذبة أيما اعتناء؛ وذلك لأنَّ حسن أخلاق المسلم، وحسن أدبه هو عنوان سعادته في الدنيا والآخرة.
قال ابن القيم ﵀:
وأدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب.
[ ٣ ]
فانظر إلى الأدب مع الوالدين:
كيف نجى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة (^١)، والإخلال به مع الأم تأويلًا وإقبالًا على الصلاة كيف امتُحِن صاحبه بهدم صومعته، وضرب الناس له، ورميه بالفاحشة (^٢).
_________________
(١) يشير إلى حديث ابن عمر المتفق عليه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول " انطلق ثلاثة نفرٍ ممن كان قبلكم حتى أواهم المبيت إلى غارٍ، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم قال رجلٌ منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي طلب شجرٍ يومًا، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر - زاد بعض الرواة: والصبية يتضاغون عند قدمي - فاستيقظا، فشربا غبوقهما: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج … ".
(٢) يشير إلى حديث أبي هريرة المتفق عليه: عن النبي ﷺ قال " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى بن مريم، وصاحب جريج - وكان جريج رجلًا عابدًا، فاتخذ صومعة، فكان فيها، فأتته أمه، وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فلما كان من الغد أتته، فقالت: يا جريج، فقال: أي رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات، فتذاكر بنو إسرائيل جريجًا وعبادته وكانت امرأة بغيٌّ يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننه، قال: فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها، فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتوه، فاستنزلوه، وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم قالوا: زنيت بهذه البغي، فولدت منك، فقال: أين الصبي، فجاءوا به، فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي، فطعن في بطنه، وقال: يا غلام من أبوك؟ قال: فلانٌ الراعي، فأقبلوا على جريج يقبلونه، ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا. أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا "
[ ٤ ]
وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر: كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان (^١).
لذا عني الإسلام بالدعوة إلى حسن الهدي والسمت والأخلاق، وكَثُرَ ورود ذلك في الكتاب والسنة، فمن ذلك أمر الله تعالى المسلم أن لا يقول إلا القول المهذب الحسن، فقال تعالى ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وليس هذا خاصًّا بمخاطبته للمسلم فقط، بل إنَّ هذا للمسلم وغيره، فلفظ الناس لفظ عام؛ لذا كان خلق المسلم، وحسن سمته، وهديه، وأدبه صفة لازمة له مع جميع الناس، وكان هذا فعل النبي ﷺ وخلقه، فإذا سلم اليهود أوالنصارى عليه، وقالوا: السام عليك لم يقل: وعليكم السام، بل كان يقول وعليكم، عن أنس قال: مر يهودي برسول الله ﷺ، فقال: السام عليكم، فقال رسول الله ﷺ "وعليك، أتدرون ما يقول؟ قال: السام عليك"، قالوا: يا رسول الله ألا نقتله؟، قال" لا. إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا وعليكم" (^٢).
_________________
(١) مدارج السالكين لابن القيم (٢/ ٣٩١).
(٢) أخرجه: البخاري في صحيحه (٦٩٢٦)، واللفظ له، ومسلم في صحيحه (٢١٦٥)، قال الإمام ابن شهاب الزهري: والسَّامُ الموتُ.
[ ٥ ]
ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]؛ لذا كان ابن عباس يقول: ردوا السلام على من كان يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا؛ ذلك بأنَّ الله يقول" وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردُّوها" [النساء: ٨٦] (^١).
وعن ابن عباس ﵄ قال:
لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، قلت: وفيك (^٢).
وهكذا جاء القرآن والسنة يدلان الناس على أحسن الأخلاق وأفضلها، وأصبح ميزان العبد في الشرع، وعند الله تعالى هو أخلاقه.
ومن هذه الأخلاق العظيمة الفاضلة التي اعتنى الإسلام بها خلق إنزال الناس منازلهم، ووضعهم في المكانة التي وضعهم الله فيها، وخاصة إن كان هؤلاء هم حملة الدين وورثة الأنبياء، فإنَّ الله تعالى إذا أمرنا بالتأدب مع الناس عامة، والقول الحسن لهم، فالمسلم من باب أولى، بل وأهل العلم والدين، ووارثوا الكتاب والسنة يحتلون في هذا الباب الدرجة العليا.
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٥٧٦٥)، والبخاري في الأدب المفرد (١١٠٧)، واللفظ له، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥٧٢٩)، وحسن إسناده العلامة الألباني.
(٢) أخرجه: البخاري في الأدب المفرد (١١١٣)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٢٥٨٢٥)، وابن المنذر في تفسيره (٢٠٧٢)، وصححه العلامة الألباني.
[ ٦ ]
وما وقع عبد في هذا المنزلق وأطلق لسانه في أهل العلم والدين إلا هو دليل على جرأته على الله تعالى، ومخالفته لسنة نبيه ﷺ، ورقة دينه، وسوء أدبه وخلقه، فليحذر العبد من ذلك.
ولقد أخفق في هذا الباب في هذا الزمان بعض إخواننا من طلبة العلم - غفر الله لنا ولهم- الذين زين لهم الشيطان الوقيعة في أعراض أهل العلم بحجة خطئهم في بعض المسائل - كما يزعمون -، وليس أحد معصومًا من الخطإ بعد الأنبياء، ولكن هل يجيز الخطأ سوء الأدب؟!، فلو كان الأمر كذلك لأساء النبي مع من قالوا: إنَّ الله ثالث ثلاثة، ومع من قالوا: عزير ابن الله، ولكن هذا لم يحدث، بل كان ﷺ أحسن الناس خلقًا وأدبًا مع أحبابه وأعدائه، فليتق الله إخواننا ممن أطلقوا لسانهم في علماء الأمة، ومصابيحها، وتيجان رؤوسها، وليعودوا إلى تعاليم الشريعة المطهرة، وليتمثلوا بخلق نبيهم ﷺ.
ولنعلم - أحبتي في الله - أنَّ سوء الأدب يؤدي إلى الشقاق، والخلاف، ووقوع الشحناء والبغضاء، وأما الأدب فإنه يجمع بين المختلفين، ويؤلف بينهم، ويزيل حواجز القلوب، ويحمي النفوس من هاوية الشقاق.
وصدق القائل:
إن يختلف ماء الوصال فماؤنا … عَذْبٌ تَحَدَّرَ من غمام واحد
أو نختلف نسبًا يؤلف بيننا … أدبٌ أقمناه مقام الوالد
وهذه نصيحة محب، راغب في الخير لنفسه، وللناس عامة، ولطلبة العلم خاصة، سميتها (رسالة في الأدب لأصحاب الطلب).
[ ٧ ]
فأسأل الله تعالى أن يجعلها نافعة خالصة لوجهه، وأن يهدينا جميعًا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئها فإنه لا يصرف عنا سيئها إلا هو.
وأسأل الله تعالى أن يجزي كل من ساعد في إتمامنا هذا العمل، وغيره من الأعمال، وأسدل لنا النصح والإرشاد والمساعدة خير الجزاء، وأخص بالذكر أحبتي وإخواني في الله:
الأخ الفاضل/ أحمد عزت الذي ساهم بجهد مشكور في إتمام كتاب "التعليقات التأصيلية للعقيدة الطحاوية" سابقًا.
والأخ الفاضل/ أحمد الغمري الذي قام بعزو الأحاديث والآثار في هذه الرسالة، وأزاد زيادات نافعة ومفيدة في هامشها، وغيرهم من أهل الفضل، وطلبة العلم، فجزاهم الله جميعًا خير الجزاء.
وصلَّى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله، وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكتبه
أبو سلسبيل
عبد الفتاح محمد مصيلحي
[ ٨ ]