خلق الله تعالى هذا الكون بنظام دقيق، فهو يسير وفْق غاية محددة وهدف منشود، وهذا النظام الكوني البديع مرآة تدلّ على أنّ كل شيء فيه له هدف. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ الأنبياء١٦، فالله ﷻ خلق هذا الكون ونظمه، وجعل له أهدافًا بينة وواضحة ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ القمر٤٩. فالأنسان -أي انسان - لو تامل قليلًا بتجرد تام في ملكوت السموات والأرض لما ملك نفسه أن يعترف بهذا الخالق العظيم.
ولما كان الأنسان خليفة في هذه الأرض كان عليه أنْ يعرف الهدف الذي يعيش من أجله، ويسعى لتحقيقه، وإلاّ فإنه ولد وعاش وسيموت وهو لا يدري لم خلق وأين سيمضي.
أما المسلم الدّاعي إلى الله فيجب عليه أولًا أن يُحدِّد الهدف من دعْوته، وتحديد الهدف يدفعه إلى سلوك السبل الصحيحة المرتّبة في حياته، فيكون لكلامه حينئذٍ أكثر نفعًا، وأبلغ تأثيرًا.
وأزعم إنّ ما يَحدُث في ميدان الدّعوة اليوم من اخفاقات سببها في أغلب الأحيان عدم تحديد الأهداف ووضوحها، إذ يَتَشتّت ذهن المستمع في موضوعات شتَّى وفي أمور متنوِّعة، تجْعله ينصرف عن الدّعاة، لأنه لم يجد لديْهم هدفًا مُحدّدًا.
ولقد حدّد الله -﷾- الهدَف من خلْق الإنسان قبل خلقه!،فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة٣٠،وأمر الملائكة أن يسجدوا له فقال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٥٧،والترمذي (٣٨٦٢)،وغيرهما، واسناده ضعيف.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٥٣٦.
[ ٦ ]
فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ الحجر٢٩.وحدد له وظيفته في هذا الكون، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات٥٦،وحدّد - ﷺ - مضمونَ رسالته، والغايةَ منها، منذ أوّل يوم، إذ صعد على جبل الصفا في قلب مكة، فصدح بهدفه، فأخرج البخاري من حديث ابن عباس - ﵁ - قال:": لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ الشعراء٢١٤. صعد النبيّ - ﷺ - على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أنْ يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال - ﷺ -:" أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلا بالوادي تريد أنْ تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ ". قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال:" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ". فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا، فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ المسد:١،٢ " (١).
فالنبيّ - ﷺ - جمع عشيرته وأقاربه على صعيد واحد، وحدد لهم الهدف الذي بعث من أجله، بكل وضوح ودقة وإيجاز، وكذا أخرج أحمد في مسنده من حديث أبي الزناد عن ربيعة بن عباد الديلي، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - بصر عيني بسوق ذي المجاز يقول:" يا أيها النّاس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا". ويدخل في فجاجها والنّاس متقصفون عليه، فما رأيت أحدًا يقول شيئًا وهو لا يسكت، يقول:" أيها النّاس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا". إلاّ أنّ وراءه رجلًا أحول وضيء الوجه ذا غديرتين، يقول: إنّه صابئ كاذب. فقلت: من هذا؟ قالوا: محمد بن عبد الله، وهو يذكر النبوة قلت: من هذا الذي يكذبه؟ قالوا: عمه أبو لهب " (٢).
ومن الدقة العالية للأهداف النبوية أنه حدد مطلبه من قومه بكلمة واحدة: (لا إله إلا الله)، ولكنهم رفضوها، قال ابن عباس - ﵁ -:مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاءه النبيّ - ﷺ - وعند أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كى يمنعه، وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي: ما تريد من قومك؟ قال: إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدى إليهم العجم الجزية". قال: كلمة واحدة! قال:" كلمة واحدة". قال:" يا عم قولوا لا إله إلا الله". فقالوا: إلها واحدًا (ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إنْ هذا إلا اختلاق). قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ* بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ص ١و٢ إلى قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ ص ٧" (٣).
فالنبيّ - ﷺ - حدد هدفه (كلمة واحدة)،وأخبرهم بالنتائج المستقبلية التي خطط لها النبيّ - ﷺ -، تدين لهم العرب، وتؤدي العجم الجزية إليهم، وهذا بالتأكيد ناتج عن تخطيط نبوي على مستوى عالٍ، فكأني بالنبيّ - ﷺ -
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤٩٢)، ومسلم ١/ ١٩٢ (٢٠٤)،وغيرهما.
(٢) الحديث صحيح، أخرجه أحمد ٤/ ٣٤١.
(٣) أخرجه أحمد ١/ ٢٢٧،والترمذي (٣٢٣٢)، والنسائي في الكبرى (٨٧١٦)،وغيرهم
[ ٧ ]
كان يجلس الساعات والأيام يفكر ويرسم الخطط لتحقيق الأهداف، وبالتأكيد يظلله الوحي ويسدد تلك الخطوات.
لذا كان لهذا التحديد والوضوح أثر بالغ في التأثير في إسلام كثير من الصحابة، فالإنسان السوي يهمه وضوح الأهداف ودقة الرؤى في ما يطلب منه، لاسيما في مسألة تتعلق بنهايته المحتومة، وبآخرة إما إلى خلود في الجنة أو في النار-أعاذنا الله منها-.
فعن عبد الله بن عباس - ﵁ - قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول الله - ﷺ - فقدم عليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله ثم دخل المسجد ورسول الله - ﷺ - جالس فى أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدًا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله - ﷺ - فى أصحابه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله - ﷺ -:" أنا ابن عبد المطلب". قال: محمد؟ قال:" نعم". فقال: ابن عبد المطلب: إني سائلك ومغلظ فى المسألة، فلا تجدنًّ فى نفسك. قال:" لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك". قال: أنشدك الله، إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك: آلله بعثك إلينا رسولًا؟ فقال:" اللهم نعم". قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك: آلله أمرك أنْ تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئًا، وأنْ نخلع هذه الأنداد التى كانت آباؤنا يعبدون معه؟ قال:" اللهم نعم". قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك: آلله أمرك أنْ نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال:" اللهم نعم". قال-ابن عباس-: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة، الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الإسلام كلها، يناشده عند كل فريضة كما يناشده فى التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أنْ لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص. قال: ثم انصرف راجعًا إلى بعيره، فقال رسول الله - ﷺ - حين ولّى:" إنْ يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنة". قال: فأتى إلى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أوّل ما تكلم به أنْ قال: بئست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام اتق البرص والجذام اتق الجنون. قال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إنْ الله ﷿ قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمدًا عبده ورسوله، وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفى حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا. قال: يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة" (١).
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٢٥٠ و١/ ٢٦٤ و١/ ٢٦٥، والدارمي (٦٥٢)، وأبو داود (٤٨٧)،وغيرهم.
[ ٨ ]
فالوضوح والدقة في تحديد الهدف غيرتا حال الرجل من حال إلى حال بهذه السرعة، وتحول إلى داعية إلى دين الله تعالى.