فهذه الأسئلة مهمة للغاية من أجل انجاح الهدف، ولنوضح ذلك بأمثلة من السنة النبوية:
أخرج الشيخان من حديث السيدة عائشة ﵂ في صلاة أبي بكر - ﵁ - بالنّاس، قالت: لما ثقل رسول الله - ﷺ - جاء بلال يؤذنه بالصلاة. فقال: "مروا أبا بكر فليصلِّ بالنّاس" قالت: فقلت يا رسول الله، إنّ أبا بكر رجل أسيف وإنّه متى يقم مقامك لا يسمع النّاس فلو أمرت عمر، فقال: "مروا أبا بكر فليصلِّ بالنّاس".قالت: فقلت لحفصة قولي له: إنّ أبا بكر رجل أسيف وإنّه متى يقم مقامك لا يسمع النّاس، فلو أمرت عمر، فقالت له: فقال رسول الله - ﷺ -: " إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلِّ بالنّاس". قالت: فأمروا أبا بكر يصلي بالنّاس، قالت: فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله - ﷺ - من نفسه خفة فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض، قالت: فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه، ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله - ﷺ -، قم مكانك، فجاء رسول الله - ﷺ - حتى جلس عن يسار أبي بكر، قالت: فكان رسول الله - ﷺ - يصلي بالنّاس جالسًا، وأبو بكر قائمًا يقتدي أبو بكر بصلاة النبيّ - ﷺ - ويقتدي النّاس بصلاة أبي بكر" (١).
وقد اختلف أهل العلم في صلاة النبيّ - ﷺ - هذه وهل وقف على يمين أبي بكر أو شماله، على أقوال لسنا بصدد نقاشها، حتى قال بعضهم: إنّه كان لهذه الصلاة إمامان النبيّ - ﷺ - لأبي بكر، وأبو بكر - ﵁ - للناس، فلتنظر في محلها (٢)، وإنما الذي نريده ههنا أنّ النبيّ - ﷺ - حدد هدفًا واضحًا وشخص له أبا بكر - ﵁ -.
فالهدف واضح، أراد النبيّ - ﷺ - للأمة أن تتهيأ لاستقبال أبي بكر - ﵁ - من بعده إمامًا في الصلاة، وحريّ بمن وقف هذا الموقف أنْ يكون إمامهم في الدولة، فهي تهيئة للخليفة القادم بعد أيام قليلة، ولهذا أصرّ على تقدمه للصلاة بالنّاس - ﵁ - حال حياته - ﷺ -،وحين رأى النبيّ - ﷺ - منظر الصفوف خلف ابي بكر - ﵁ - في اليوم التالي سره، فتبسم له رضى لما يراه بأبي هو وأمي ونفسي والنّاس أجمعين.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٣)،وغيرها من المواضع، ومسلم ١/ ٣١٣ (٤١٨)،وغيرهم.
(٢) ينظر: فتح الباري، ابن رجب ٤/ ٨٣ - ٨٦،وشرح النووي ٤/ ١٤٢ - ١٤٦وفتح الباري ابن حجر٢/ ١٥٢ - ١٥٤.
[ ١٦ ]
قال النووي: " سبب تبسمه - ﷺ - فرحه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة، واتباعهم لإمامهم، وإقامتهم شريعته، واتفاق كلمتهم، واجتماع قلوبهم، ولهذا استنار وجهه - ﷺ - على عادته إذا رأى أو سمع ما يسره يستنير وجهه" (١).
فلذا أصرّ النبيّ - ﷺ - على إمامة ابي بكر، رغم محاولة أم المؤمنين عائشة ﵂ من صرفه إلى عمر - ﵁ - ثاني رجل في الإسلام بعد أبي بكر - ﵁ -، لحرصها على أبيها من تشاؤم النّاس، قالت:" والله، ما بي إلاّ كراهية أن يتشاءم النّاس، بأول من يقوم في مقام رسول الله - ﷺ - " (٢)،إلا أنّ النبيّ - ﷺ - غضب، لحرصه على إمامة الصديق - ﵁ -،ومما يؤكد أنّ النبيّ - ﷺ - رضي بهذا الفعل أمامة أبي بكر الصديق للناس من بعده، أنه حين خرج للصلاة وأراد أبو بكر الرجوع عن الإمامة أشار إليه ان اثبت، والله أعلم.
وكذا قول عمر - ﵁ - لما طلب منه أبو بكر أن يصلي بالنّاس مكانه حين أرسل له رسول الله - ﷺ - بذلك فقال:"أنت أحق بذلك" (٣).قال النووي معلقا على هذا الحديث:" فيه فوائد منها فضيلة أبي بكر الصديق - ﵁ - وترجيحه على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفضيله وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله - ﵁ - من غيره" (٤).
وعلى كل حال فالهدف هنا واضح المعالم، فالعمل المطلوب: (الإمامة –إمامة الصلاة وإمامة الدولة من بعده).ومن يقوم به؟: (أبو بكر الصديق)، ومتى؟ (الآن)،وكذا في المستقبل القريب (بعد وفاته - ﷺ -)،ولماذا؟: لأن الأمة لابد لها من إمام يقودها من بعده - ﷺ -.
ومن الأمثلة الأخرى أيضًا: أرسال النبيّ - ﷺ - مصعب بن عمير - ﵁ - إلى (يثرب)، بعد بيعة العقبة الأولى، وأمره أن يعلمهم القرآن ويبين لهم الإسلام. فهذا الهدف مكتمل الشروط:
العمل واضح: التعريف بالإسلام (سفير النبيّ - ﷺ - إليهم).ومن يقوم به؟ (مصعب بن عمير - ﵁ -).
ومتى يقوم به؟ (من العقبة الأولى إلى الحج-العقبة الثانية-).ولماذا؟ لينشر دين الله في النّاس، ويمهد لمقدم المسلمين، وكذا ينقل تصوره إلى النبيّ - ﷺ - عن حال يثرب.
وهنا نكتة عظيمة تظهر عظمة قيادة النبيّ - ﷺ -،وذلك في اختيار مصعب بن عمير (تحديدًا) دون سائر الصحابة - ﵃ -،والسبب كما يبدو أنّ يثرب تحمل صفات المدينة من الناحية العمرانية، والإقتصادية،
_________________
(١) شرح مسلم ٤/ ١٤٢.
(٢) كما في لفظة لمسلم ١/ ٣١٣ (٤١٨)،وغيرهم.
(٣) قطعة من حديث أخرجه مسلم ١/ ٣١١ (٤١٨).
(٤) شرح مسلم ٤/ ١٣٧،وينظر فتح الباري ٢/ ١٥٤.
[ ١٧ ]
والإجتماعية، والثقافية، وعامة أهلها يغلب عليهم طباع أهل المدن، خلافًا لمكة التي هي قرية يمتاز أهلها -عمومًا- بالشدة والقوة، فإرسال مصعب الذي نشأ في بيت دلال وغنى أقرب إلى التفاهم والتعامل مع أهل يثرب، ولذا فإنه نجح بامتياز في مهمته، وتأمل في قصته مع أسيد بن حضير وسعد بن معاذ - ﵁ - حينما جاءاه، وتكلما معه بغلظة وهدداه: فقال بكل هدوء:" أو تجلس فتسمع؟ فإن سمعت خيرا قبلته، وإن كرهت شيئا أو خالفك أعفيناك عنه ".فأسلم الرجلان وقومهما! فلو كان غير مصعب في هذا الموقف لما تحمل مثل هذا منهما، فالقائد الناجح هو الذي يضع الرجل المناسب في المكان المناسب وهذا منهج النبيّ - ﷺ - (١).