لكل رسالة في هذه الدنيا أهداف، وهذه الأهداف لابد من أن تكون محددة وواضحة للآخرين -كما سبق – لتعريفهم بهذه الأهداف وتحمل أعباء حملها والقيام بها، لذا فأنت تقرأ باستمرار في سيرة المؤسسات الناجحة أول ما تقرأ: ما هي اهدافنا، ولماذا هذه الأهداف؟
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٢٠١،وابن خزيمة (٢٢٦٠)، إسناده حسن، لحال محمد بن إسحاق وقد تفرد ولم يتابع.
[ ٢٦ ]
فربط الأهداف بالرسالة التي نريدها مهم جدًا، ولنوضح ذلك:
كان النبيّ - ﷺ - يطوف على القبائل في مواسم الحج ويعرض دعوته عليهم، ويطلب بوضوح النصرة والمأوى والمنعة له ولإصحابه، لارتباط كل هذه بالدعوة وتبليغ دين الله، كما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله، قال: كان النبيّ - ﷺ - يعرض نفسه على النّاس بالموقف، فيقول:" هل من رجل يحملني إلى قومه فإنّ قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ﷿". فأتاه رجل من همدان فقال: "ممن أنت؟ " فقال الرجل: من همدان. قال:" فهل عند قومك من منعة؟ ". قال: نعم. ثم إن الرجل خشي أن يخفره قومه فأتى رسول الله - ﷺ - فقال: آتيهم فأخبرهم ثم آتيك من عام قابل. قال:" نعم". فانطلق وجاء وفد الأنصار في رجب " (١).
ويحدثنا علي - ﵁ - عن أحدى المرات بينما كان النبيّ - ﷺ - يحاول مع قبائل العرب، ويعرض نفسه عليهم، حدث أمر ذا بالٍ، كما أخرجه ابن حبان في سيرته من حديث ابن عباس - ﵁ - قال:" قال حدثني علي بن أبي طالب قال: لما أمر الله رسوله - ﷺ - أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر الصديق، حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر فسلم وقال: ممن القوم "-حتى قال المثنى بن حارثة الشيباني:-:" قد سمعت مقالتك يا أخا قريش! والجواب هو جواب هانىء بن قبيصة، في تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك، وإنما نزلنا بين ضرتين، فقال رسول الله - ﷺ -: "ما هاتان الضرتان؟ ". قال: أنهار كسرى ومياه العرب إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى لا نحدث حدثًا ولا نؤوي محدثا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله - ﷺ -: "ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه الله من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم، ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟ ". فقال النعمان بن شريك: اللهم! نعم. قال: فتلا رسول الله - ﷺ -: ﴿إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا﴾ الأحزاب٥، ثم نهض رسول الله - ﷺ - قابضا على يد أبي بكر وهو يقول: يا أبا بكر أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض" (٢).
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد ٣/ ٣٩٠،والدارمي (٣٣٥٤)،وابن ماجه (٢٠١)،وابو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٥)،وقال:"حسن صحيح". والنسائي في الكبرى (٧٦٨٠).
(٢) السيرة النبوية ١/ ٩٣.
[ ٢٧ ]
فهدف النبيّ - ﷺ - كان النصرة والأمان له ولأتباعه - ﷺ - وعلاقة هذا الهدف الجزئي بالدعوة المباركة هي أن الدعوة لن تنتشر إلاّ بأرض تمكين ومنعة من الأضطهاد والتعذيب، لذا فالسؤال واضح: ما المنعة فيكم؟ وكم عدد فرسانكم؟ كيف أنتم في القتال؟ الهدف واضح، ولم يسأله أحد من النّاس ما حاجتك الى الحرب؟ لأن العلاقة واضحة بين الهدف من طلب المنعة والنصرة والأيواء والقتال وبين تبليغ دعوة الله، لأن الملوك والمتكبرين يكرهون مثل هذه الدعوة كما قال المثنى بن الحارث الشيباني في جوابه. وتأمل في ردّ النبيّ - ﷺ - النصرة المجتزءة، والمنعة الناقصة لما قال المثنى (ننصرك مما يلي مياه العرب) فقط، فقال:"إن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه الله بجميع جوانبه".وتأمل الربط بين إيواء النبيّ - ﷺ - ونصرته وبين القضية الأساس (تبليغ دين الله).