صاحب الأهداف الدقيقة الواضحة يحدد لأهدافه خطة مرسومة يسير عليها، بجدول زمني معلوم، والمؤسسات التي تريد النجاح حري بها أن تضع لها جدولًا زمنيًا مرسومًا وواضحًا، ولو تأملنا قليلًا في قول النبيّ - ﷺ - للمثنى بن حارثة يخبره عن حال كسرى والفرس:" أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم، ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟ " (١)، فالنبيّ - ﷺ - كان يسير على جدول محدد (إذا صح التعبير) فيبدأ بالمدينة ثم مكة ثم الشام ثم فتح العراق، ثم فتح القسطنطينية، ثم قتال اليهود في أرض فلسطين.
والمؤسسات الناجحة هي التي تقوم على العمل المؤسسي لا على ارتباطها بشخص المؤسس أيًّا كان؛ لأن هذا الشخص قد يموت فتموت المشاريع معه، أما إذا كان الارتباط على أساس المشروع فسيأتي أحد بعده يكمل ما وصل إليه المؤسس، لذا فالقرآن أسس لهذه القضية المهمة، فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ آل عمران١٤٤.
فربط الأمة بحياة الرسالة لا بحياة الرسول - ﷺ -، وهذا منهج النبيّ - ﷺ - في كل حياته، كان يربط النّاس بالله تعالى ويحملهم المسؤولية في حياته لكي يستمر ابداعهم وفق الجدول المرسوم لهم بعد وفاته - ﷺ -، وكان له ما أراد - ﷺ -.فليس بالضرورة أن يكون صاحب المشروع هو من ينفذ تلك الخطوة في هذا المشروع، فالنبيّ - ﷺ - أسس وربى جيلًا أكمل ما بدأ به النبيّ - ﷺ - (عالمية الدعوة)، وعمل بمنهج النبيّ - ﷺ -، إذ كان على فراش الموت وهو ينادي:"أنفذوا جيش أسامة" (٢)،و"أخرجوا اليهود من جزيرة العرب" (٣).
_________________
(١) سبق تخريجه ص٢٥.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٩٣٧٢).
(٣) أخرجه البخاري (٢٨٨٨)،ومسلم ٣/ ١٢٧٥ (١٦٥٧)،وغيرهما.
[ ٢٨ ]
ونوضح هذا بأمثلة من السنة النبوية: فأخرج الشيخان من حديث ابن عباس - ﵁ - في إسلام أبي ذر الغفاري - ﵁ -،وفيه أنّ أبا ذر - ﵁ - دخل على النبيّ - ﷺ - فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبيّ - ﷺ -:"ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري". قال:-يعني أبو ذر- والذي نفسي بيده لأصرخنَّ بها بين ظهرانيهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أنْ لا إله إلاّ الله وأنَّ محمدًا رسول الله. ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه وأتى العباس فأكب عليه قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجاركم إلى الشأم فأنقذه منهم ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب العباس عليه " (١).
فالنبيّ - ﷺ - في أوّل دعوته وفي أوّل مرحلة من مراحلها (السرية)،وهدفه واضح لديه والجدول مرسوم عنده، فيخبر أبا ذر - ﵁ - أنه سيعلن دعوته لاحقًا وامره باللحوق به حينئذ، يالله من نبي عظيم - ﷺ -، فلتأتي الجامعات ومعاهد التنمية البشرية للتتعلم من هذا النبيّ الكريم أسس القيادة ورسم الأهداف! وكأني بالنبيّ - ﷺ - يعلم أبا ذر - ﵁ - أنّ الخط البياني للدعوة الآن في الدرجة الثانية أو الثالثة .. وحينما يبلغ الدرجة الثلاثين فالتحق بي، يعني أن الجدول البياني للهدف واضح لديه - ﷺ - وهو ينظر إليه على أنه واقع. لذا فأنت تجد النبيّ - ﷺ - يبشر النّاس في أحنك الظروف ببشارات عظيمة، فبشر سراقة بن مالك - ﵁ - بسواري كسرى يلبسهما، وطلب منه سراقة بن مالك عهدًا مكتوبًا! فأعطاه النبيّ - ﷺ - الأمان وأمر عامر بن فهيرة، فكتب له رقعة من أدم، ثم جاء سراقة بالكتاب بعدئذٍ، ووفاه النبيّ - ﷺ - ما وعده (٢).
فانظر إلى هذا التخطيط العظيم قريش تطلبه - ﷺ -، وهو متخفي مطارد من كفار قريش، ثم هو يعد سراقة بسواري كسرى، ويعطيه الأمان لقابل الأيام! خطة واضحة تمامًا.
ومثله تمامًا يوم الخندق لما حوصرت المدينة، والنبيّ - ﷺ - يحفر في الخندق فيضرب صخرة كبيرة فتبرق ثلاثة مرات في كل مرة يكبر النبيّ - ﷺ - وينادي: فتحت الشام، .. فتحت اليمن، فأخرجه أحمد من حديث البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بحفر الخندق قال: وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول قال فشكوها إلى رسول الله - ﷺ - فجاء رسول الله - ﷺ -، قال عوف- وأحسبه قال -:وضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول فقال: بسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا". ثم قال:" بسم الله وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر، فقال:" الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٦٤٨)،ومسلم ٤/ ١٩٢٤ (٢٤٧٤).
(٢) لتمام القصة ينظر: دلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٤٨٤،والشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض ١/ ٦٧٤.
[ ٢٩ ]
هذا". ثم قال:" بسم الله، وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا " (١).
فالنبيّ - ﷺ - يبشر أصحابه بهذه البشارات، كدفع معنوي قبيل المعركة، وفيه بيان للجدول المستقبلي لهذا الهدف، فأين هم الآن وأين الشام أو فارس أو اليمن؟ والحقيقة أن من أهم صفات صاحب الأهداف الناجحه أنه يرى هدفه أمامه، وهو ينظر إليه كأنه يحدث الآن، وكان النبيّ - ﷺ - ينظر إلى هذه الأهداف بهذه الطريقة، - مع تسديد الوحي له-.
وكذا كل أصحاب المشاريع والأهداف الكبيرة، "لقد رأى أديسون المصباح، والأخوان رايت الطائرة، وهنري فورد السيارة قبل أن يشرع أي منهم في خطوة واحد" (٢).
وفي إحدى إجتماعات شركة ديزني قام أحد المجتمعين متأثرًا بالانجازات، وقال: ياليت والت ديزني –مؤسس الشركة- حيّ بيننا الآن ليرى انجازاته الرائعة. فرد عليه المدير: لقد رأى ديزني هذا بالفعل قبل أن يشرع فيه، وإلا ما أصبح حقيقة قائمة اليوم (٣).
لذا فلابد من مراجعة وتدقيق في هذا الجدول الزمني المرسوم، فلعل بعد المراجعة والتدقيق والمشورة يظهر أمرٌ هو أحرى وأولى مما سبق، وقد ظهر ذلك بجلاء في صنيع النبيّ - ﷺ - في عدة مواضع، منها: ما أخرجه البخاري عن ابن عباس - ﵁ - قال: كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر، فلما كان آخر حجة حجها عمر- ونحن بمنى- أتاني عبد الرحمن بن عوف في منزلي عشيًا، فقال: لو شهدت أمير المؤمنين اليوم أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني سمعت فلانا يقول: لو قد مات أمير المؤمنين قد بايعت فلانًا. فقال عمر: إني لقائم عشية في النّاس فنحذرهم، هؤلآء الرهط الذين يريدون أنْ يغتصبوا المسلمين أمرهم. قال: فقلت يا أمير المؤمنين، إنّ الموسم يجمع رعاع النّاس وغوغاءهم، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك، وإني أخشى إنْ قلت فيهم اليوم مقالة أنْ يطيروا بها كل مطير ولا يعوها، ولا يضعوها على مواضعها، ولكن أمهل يا أمير المؤمنين حتى تقدم المدينة، فإنها دار السنة والهجرة، وتخلص بالمهاجرين والأنصار فتقول ما قلت متمكنا فيعوا مقالتك ويضعوها على مواضعها. قال: فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن به في أول مقام
_________________
(١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٠٣،والنسائي في الكبرى (٨٨٠٧)، وفي اسناده (ميمون بن أستاذ البصري)، قال ابن كثير في السيرة: ٣/ ١٩٤:" وهذا حديث غريب، تفرد به ميمون بن أستاذ هذا".وفي البخاري (٣٨٧٥) ذكر هدمه - ﷺ - الصخرة دون ذكر هذه المبشرات.
(٢) أفكار صغيرة لحياة كبيرة، كريم الشاذلي ص٦٥.
(٣) ينظر: المصدر نفسه.
[ ٣٠ ]
أقومه في المدينة " قال: فلما قدمنا المدينة وجاء الجمعة هجرت لما حدثني عبد الرحمن بن عوف، فوجدت سعيد بن زيد قد سبقني بالتهجير جالسًا إلى جنب المنبر فجلست إلى جنبه - تمس ركبتي ركبته، قال: فلما زالت الشمس خرج علينا عمر ﵀، قال: فقلت: وهو مقبل: أما والله ليقولن أمير المؤمنين على هذا المنبر مقالة لم يقل قبله، قال فغضب سعيد بن زيد، وقال: وأي مقالة يقول لم يقل قبله؟ قال: فلما ارتقى عمر المنبر أخذ المؤذن في أذانه، فلما فرغ من أذانه قام عمر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإني أريد أن أقول مقالة قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي " (١).والذي يعنينا ههنا أن عمر - ﵁ - راجع هدفه الذي أراده، وأخذ بمشورة عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - وغير خطة طريق الهدف، فاختار الزمان والمكان المناسبين للهدف، ووفقه الله تعالى في تحقيقه، فلولا هذه المراجعة –ربما- وقعت فتنة تطير لها العقول، وتشرأب لها أعناق المنافقين.