كل مجتمع من المجتمعات فيه الإيجابيات وفيه السلبيات، وأفراد هذا المجتمع يتعاطون معهما حسب المفاهيم والقيم التي تربوا عليها، فتصير عادة وعرفًا سليمًا موافقًا للفطرة والقيم، أو فاسدًا مخالفًا للمبادئ والقيم السليمة، ثم تتأصل فيه شيئًا فشيئًا حتى تتجذر في الأجيال، فمثلًا:
الكرم، والشجاعة، والمروءة، والنجدة، والوفاء بالعهود قيم عرف بها العرب في جاهليتهم، والشرك، والظلم، والاستعباد، ووأد البنات، .. الخ، كانت أعراف سلبية في المجتمع الجاهلي، فلمّا جاء الإسلام أقرّ الإيجابيات وهذبها، ورفض السلبيات ووضع لها الحلول الناجعة لعلاج المجتمع واستإصالها منه.
لذا فمرادنا من توافق الهدف لقيم المجتمع إنما نقصد بها القيم الإيجابية، والأعراف السليمة التي توافق المفاهيم الإسلامية، وهو واضح كما أحسب.
فالهدف الناجح هو الذي يكون متوافقًا مع القيم السامية التي يعرفها المجتمع السليم، كي يتعاطى معه، ولا ينفر منه النّاس.
أما تلك الأهداف التي تحمل في جعبتها أفكارًا دخيلة على المجتمع، مجترة من هنا أو هناك فلن يكتب لها النجاح، ولو استجاب لها ثلة قليلة فهم شواذ، نبذهم النّاس، ولذا وجدنا الأفكار الإلحادية الشيوعية لما جاءت بشعارات لأهدافها الخبيثة باسم (عدل حرية مساوة) لهث ورائها بعض الإمعات الذين
_________________
(١) المفاتيح العشرة للنجاح، د. إبراهيم الفقي ص١٢٩.
(٢) ينظر: من أجل إنتاجية أفضل أهمية رسم الأهداف، د. عبد الكريم بكار.
[ ٢٣ ]
لا يقفون على أرض ثابتة، ويركضون وراء كل ناعق، لكن غالب مجتمعنا العربي رفضها؛ لكونها لا تتوافق مع قيم المجتمع وثوابته الإسلامية.
لذا تجد الأهداف التي سعى إليها النبيّ - ﷺ - جاءت منسجمة مع القيم الرفيعة للمجتمع! نعم كانت هناك قيم كريمة في المجتمع الجاهلي، كما قال النبيّ - ﷺ -: " أية أخلاق في الجاهلية، ما أشرفها! بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض" (١).
ومن ذلك: ما أخرجه أحمد بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:" إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" (٢). فمن أهم أهداف البعثة النبوية إتمام مكارم الإخلاق التي في المجتمع وتقويم المعوج من الاعتقاد والسلوكيات.
فالأهداف التي جاء بها النبيّ - ﷺ - تتلاءم مع القيم والثوابت السامية، وهي وإن انطمس بعضها بسبب ركام الوثنية والتكبر الجاهلي، بيد أنّ القلوب الصافية والعقول النيرة سارعت إلى اعتناق هذه المبادئ والدعوة إليها والجهاد من أجل نشرها، فضحوا بالمال والنفس والأهل والوطن في سبيل الله تعالى ولنصرة مبادئ الإسلام الحنيف.
ومن عظيم خلق النبيّ - ﷺ - وكمال فطنته أنه ركز على الإيجابيات في المجتمع على ما فيه من سلبيات جمة، فلم يقل (بعث لعلاج السلبيات)، وكذا لم يقل (لأتمم صالح العقيدة)، لأن العقيدة لا تقبل القسمة بين الله وغيره، فهي إما توحيد أو شرك، والمجتمع كان في جاهلية وشرك ووثنية.
وحريّ ببعض الحركات والجماعات والمؤسسات اليوم أن تعالج أسلوبها بهذا الهدي النبوي، فهي تسعى لأهداف راقية وكبيرة، ولكنها تغافلت عن الهدف الأكبر (التوحيد)، فتحولت الثوابت إلى متغيرات، والمتغيرات إلى ثوابت، باسم المصلحة والسياسة الشرعية، والحقيقة هي أنهم سيسوا الشرع، فحريّ بإخواننا التنبه لمثل هذه المزالق الخطرة عافنا الله وإياهم منها.
ومن الأمثلة أيضًا: ما أخرجه الشيخان عن ابن عباس - ﵁ - يروي عن أبي سفيان - ﵁ -،قبل أن يسلم: "أنّ هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله - ﷺ - ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌّ؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا، فقال: أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إنّي سائل عن هذا الرجل فإنْ
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في السيرة النبوية ١/ ٩٣.
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٨١،والبخاري في الأدب المفرد (٢٧٣) بإسناد صحيح.
[ ٢٤ ]
كذبني فكذبوه، فوالله لولا الحياء من أنْ يأثروا عليّ كذبًا لكذبت عنه. ثم كان أوّل ما سألني عنه أنْ قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسبٍ. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت لا. قال: فأشراف النّاس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أنْ يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أنْ يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيء، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة ". -إلى أن قال-:"فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنّه خارج لم أكن أظن أنّه منكم فلو أني أعلم حتى أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه الحديث " (١).
فتأمل في هذا الحوار المهم بين أبي سفيان وبين هرقل! وتأمل في أسئلة هرقل وتركيزه على القيم الأخلاقية للنبي - ﷺ -، هل يكذب؟ هل يغدر؟ ثم سأل عن معالم دعوته - ﷺ -،ثم لاحظ صدق لهجة أبي سفيان فلم يكذب على النبيّ - ﷺ - ويتهمه بما ليس فيه! حتى حينما نغزه بكلمة (ولا ندري ما هو فاعل) تحرج أبو سفيان إلا أن يذكرها بعد اسلامه، لأن الكذب في موازين المجتمع آنذاك عيب كبير، على عداوته وبغضه للدين وقتئذٍ، وبين ذلك بقوله: (لولا الحياء من أنْ يأثروا علي كذبًا لكذبت عنه ..) لذا لم يظهر في مجتمع مكة منافقون! وإنما ظهر خندق النفاق والكذب في أفراد من مجتمع المدينة لاختلاطهم باليهود وتاثرهم بقيمهم المعوجة.
فهذه القيم التي جاء بها النبيّ - ﷺ - كانت سببًا لإسلام كثير من النّاس بمجرد معرفته بمعالي الأمور التي يدعو إليها النبيّ - ﷺ -، حتى آمن له كثير من النّاس قبل أن يروه، لمجرد معرفتهم بالقيم العليا، ولم يقتصر هذا التأثير على الضعفاء والفقراء، بل بلغ هرقل، حتى كاد أن يسلم، كما سبق، وكذا النجاشي ملك الحبشة الذي آمن بالنبيّ - ﷺ - ونصر دعوته، حتى صلى عليه النبيّ - ﷺ - صلاة الغائب لما بلغه موته - ﵁ -،ولم ير النبيّ - ﷺ - ولم يعرفه إلا من خلال مبادئه وقيمه التي نقلها إليه أصحابه المهاجرون ﵃ أجمعين.
فأخرج أحمد من حديث أمِّ سلمة زوج النبيّ - ﷺ - في قصتهم في هجرة الحبشة، لما أراد المشركون ارجاعهم إلى قريش، قالت: " .. فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦)،ومسلم ٣/ ١٣٩٣ (١٧٧٣)،وغيرهما.
[ ٢٥ ]
دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك: كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتى الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم، والدماء ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أنْ نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا وأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام، -قال: فعدد عليه أمور الإسلام- فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به .. الحديث " (١).فتأمل في القيم العليا التي أثرت بهذا الملك، وجعلته يسلم دون أنْ يلقى النبيّ - ﷺ - أو بسمع منه، ثم بالأسلوب الرائع والفظنة الهاشمية لجعفر - ﵁ - في اختياره هذه العبارت.