نبذل كل الاسباب أحيانًا لتحقيق الهدف، لكنّ خللًا ما أو ربما بتقدير من الله يمنع تحقيق هذا الهدف حتى بعد بذل الأسباب، أو أحيانا تقصر طاقة الإنسان عن تحقيق هدفٍ بعينه، وهذا لا يعد فشلا في الوصول إلى الهدف، وصاحب المشروع الفطن يتوجب عليه ايجاد البدائل المناسبة التي تعوض هذا الهدف المطلوب، وكل عمل على مستوى الفرد أو المؤسسة إذا لم تجعل في حساباتها بدائل ممكنة عن الأهداف فالنتيجة الفشل والانهيار.
ومن يتتبع السنة النبوية يجد أمثلة رائعة توضح هذا المفهوم، من ذلك: ما أخرجه أحمد بسند صحيح من حديث عبد الله بن جعفر قال: بعث رسول الله - ﷺ - جيشا استعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال:" فإن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر، فإنْ قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة".فلقوا العدو فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه وأتى خبرهم النبيّ - ﷺ - فخرج إلى النّاس فحمد الله وأثنى عليه وقال:"إنّ إخوانكم لقوا العدو وإنّ زيدًا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبى طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد، ففتح الله عليه الحديث " (٣).
_________________
(١) فتح الباري ١/ ٢٠٩.
(٢) أخرجه البخاري (٥٢٣٦) ومسلم ٣/ ١٥٥٢ (١٩٦١) -واللفظ له-
(٣) أخرجه أحمد ١/ ٢٠٤، وأبو داود (٤١٩٢) والنسائي ٨/ ١٢٨.
[ ٢١ ]
وهنا يظهر بوضوح البدائل التي وضعها رسول الله - ﷺ - للجيش فهم في معركة شرسة مع ثاني أقوى دولة في الأرض (الروم)،وأرض المعركة بعيدة عن مركز القيادة في المدينة المنورة، لأنّ المعركة دارت في أرض الشام، فلابد من وضع بدائل مناسبة وإلا فالهدف لن يتحقق، فجاء الأمر كما قال رسول الله - ﷺ - فقتل الثلاثة، ولعل السبب في عدم جعل خالد بن الوليد في البدائل، أن إسلامه كان قريبًا، وربما لو وُضع في البدائل حدثت بلبلة في وسط الجند، لاسيما أنها أوّل معركة يخوضها خالد - ﵁ - مع المسلمين فترك النبيّ - ﷺ - الأمر على حاله، وجاء دور أبي سليمان خالد بن الوليد وظهر بمظهره المناسب، إذ جاء ترشيحه للقيادة برأي الجند -أنفسهم- في ساحة المعركة مع شدة الوطيس واستنان البيض.
فانظر إلى البدائل التي وضعها رسول الله - ﷺ - في هذه المعركة، ثم انظر إلى فطنة أصحاب رسول الله - ﷺ - في اختيار خالد بن الوليد - ﵁ -.
ومن الأمثلة الجلية على أهمية البدائل في الأهداف، أنّ النبيّ - ﷺ - كان مما يوصي أمرآءه في الحرب فيقول:"ذاإ لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله، ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" (١).
وتأمل في قوله - ﷺ -:" فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم .. ": فكان - ﷺ - يضع للقائد خيارات وبدائل للوصول إلى هدفه، فالإسلام أولًا، وإذا قبلوا به فهم أمام خيرين إما الهجرة أو البقاء في أرضهم ولكل واحدة أحكامها، وإذا رفضوا الدخول في الاسلام، فانتقل إلى الخيار الثاني وهو الجزية، فإن قبلوا فاقبل منهم، وإن رفضوا فانتقل إلى البديل الأخير: وهو القتال.
_________________
(١) أخرجه مسلم ٣/ ١٣٥٧ (١٣٧١)،وغيره.
[ ٢٢ ]
فـ"للوصول لأهدافك يحب عليك أنْ تكون على دراية مقدمًا بما يمكن أن يواجهك لتحقيق ذلك، ومن الواجب أن تجد الحل مقدمًا .. فلو أنك قلت لنفسك يكفي أن أفكر بطريقة ايجابية وسيكون كل شيء على ما يرام فإنك ستنهار عند أوّل تحد يواجهك في حياتك، ذلك لأنك لم تقم بتحصين نفسك ضد العقبات التي يمكن أن تقابلها، فلابد أن تتعلم وتكون مستعدًا لتعديل خطتك، وكما قال مارشال:"الحياة بدون دراسة لا تستحق أن نعيشها" (١).
لذا يجب أن يكون الهدف مرنًا، فيه أكثر من بديل، فإن قصرت همة صاحبه عن الحدود العليا فسيتمكن من تحقيق الدنيا، وهذه المرونة تخفف من ضغط الأهداف علينا؛ لأن الإنسان في الغالب يشعر حيال كثير من أهدافه بالالتزام أكثر منه واجبًا، والالتزام بحاجة دائمًا إلى درجة من المرونة، ومن الخلل الكبير أن تتحول الأهداف إلى قيود مرهقة، وحينما يشعر الإنسان بهذا الإرهاق فستأتي النتائج عكسية، أو لا تسموا الى الطموح (٢).