إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدًا عبده ورسوله - ﷺ -،وبعد:
إنّ الأزمة الحقيقة التي يعيشها المسلمون اليوم هي افتقارهم إلى الأهداف الاستراتيجية التي تجعلهم يندمجون مع التطور الكبير الذي يشهده العالم، والسباق العلمي الذي يتنافس عليه غيرهم.
والحقيقة أنّ للعالم عقلًا وقلبًا ومعدة، ودورنا اليوم هو دور المعدة التي تستهلك الصناعات والتكنلوجيا فقط!، فنحن نأكل ما لا نزرع، ونلبس ما لا نصنع! فالدول العربية اليوم تشهد نهمًا كبيرًا في استهلاك ما يصنعه الغرب والشرق، فإذا كان الشرق والغرب يتسابقون إلى من يصنع أحدث تكنلوجيا في الطائرات -مثلًا-،فنحن نتفاخر في أول من يشتريها، وبين ذين فرق! وما لم نتدارك أنفسنا فسيأتي يوم قريب نعجز عن ركوب هذه الطائرة ناهيك عن شرائها.
فتحول العرب والمسلمون من محرِك للإحداث في العالم إلى محرَك، ومن مؤثِر إلى متأثِر، والسبب الرئيس في هذه الأزمة الحقيقية هي أزمة حضور في هذا العصر، فالأمة اليوم مغيبة بقدر كبير جدًا عن شهود هذه النهضة في العالم.
ومن أهم الأسباب التي تقف وراء هذا النكوض الحضاري هو الأبتعاد عن جوهر الكتاب والسنة، واقتصار قرائتنا لهما على نية البركة والأجر حسب، دون الوقوف على مقصودهما وتدبر ما فيهما، فصار مثلنا اليوم:
كالعيس في البيداء يقتلها الضمأ والماء فوق ظهورها محمول
صار حالنا هكذا بعد ردح من التاريخ كنا فيه قادة، وللناس سادة، وكنا آنذاك روّاد حضارة، في وقت كان العالم كله يغط في نومه، وخيرهم من يمني نفسه أن يصل إلى معشار ما وصلت إليه الأمة المسلمة وقتئذٍ.
أنا لا أريد جلد الذات -كما يقال- ولكن الحساب بقدر المسؤولية، وأمتنا ليست أمعة بين الأمم، ولم تكن في سلفها - ولا في لاحقها إن شاء الله تعالى- ذَنَبًا لحضارة من الحضارات، بل هي الأمة الرائدة القائدة التي تحمل مسؤولية إصلاح الارض وتمكين دين الله تعالى بالحكمة والموعضة الحسنة، فهي الأمة
[ ٢ ]
الوسط، خير الأمم والشاهدة عليها، لذا فلزامًا علينا أنْ رسم الخطط، ونضع الرؤى والأهداف، ولزامنًا على أفراد هذه الأمة ومن يحمل همومها أن يحركوا الماء الراكد، ولو بحجر صغير -كبحثنا هذا-.
فالتخطيط لرسم الأهداف هي المرحلة الأولى لبدء المشوار، وكل أمة لا ترسم أهدافًا جزئية آنية، وستراتيجية مستقبلية، هي أمة خاملة، ومن لم يكن له مشروع صار مشروعًا لغيره!
فرجعة إلى كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - لنتفحص الآيات والأحاديث بقرآءة جديدة، قراءة يملؤها الأمل، والطموح لنستخرج الدرر الكامنة فيهما، ونحول (المسطور) في كتاب ربنا وسنة نبينا - ﷺ - إلى (منظور) في أرض الواقع، وهكذا حاولت في هذه الدراسة الموجزة أن نضع لنا بصمة في هذا الطريق الطويل عسى أن تكون الخطوة في الألف ميل.
وأقول بكل ثقة إنّ في كتاب ربنا وسنة نبينا - ﷺ - من القواعد والثوابت التي يزعم الغربيون وكثير من الشرقيين أنهم مَنْ سجّل السابقة في ذلك، والحقيقة الصارخة أنّ للإسلام قصب السبق في ذلك، كما تبين في طيات هذا البحث، فالنبيّ - ﷺ - كان يخطط لأهدافه بأعلى مستويات التخطيط الدقيق، ووضع لنفسه أهدافًا قريبة، وأخرى بعيدة، ومن تأمل جيدًا في سيرته - ﷺ - يجد فيها أنواع فنون الإدارة، وأعلى مستويات القيادة، وأدق أنواع التخطيط ورسم الأهداف.
وحاولت في هذه الدراسة - المتواضعة - تسليط الضوء على جزيئة مهمة وهي (رسم الأهداف) من خلال الحديث النبوي، موضحًا ماهية الأهداف، ومواصفاتها الجيدة، والقواعد العامة لتحديدها، ومن هم الشركاء في صناعتها.
ومن أهم ما أنبه عليه ههنا: أنّ الأمثلة التي نذكرها ههنا هي ليست أمثلة جامدة في حقبة زمنية معينة، وليست خاصة بالنبي - ﷺ - بل هي دورس حيّة، سارية المفعول في كل زمان ومكان، وتخص كل أفراد الأمة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الأحزاب٢١.
والأمة مأمورة باتباع النبي - ﷺ - في سنته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ آل عمران٣١.
فهذا أمر من الله تعالى لنا باتباع النبيِّ - ﷺ - لا أنْ نقلده، وبينهما فرق كبير، فالاتباع هو اللحاق بالأول بعلم وفهم (١)، بخلاف التقليد الذي يعني: متابعة الإنسان لغيره فيما يقوله أو يفعله من غير نظر وتأمل في الدليل، كأن المتبع جعل قول الغير أو فعله قلادة في عنقه (٢).
_________________
(١) ينظر: الوقوف على مهمات التعاريف ص٣٧.
(٢) المصدر نفسه ص١٠٦.
[ ٣ ]
فالاتباع مظنة الأبداع، والتقليد مظنة الجمود (١).
ولذا فالمطلوب هنا هو التأمل في سنة النبي - ﷺ - وسيرته العطرة، وتوظيف النصوص بطريقة تلائم حاجات الأمة ومتطلبات المرحلة، وتعالج الخمول الذي خيم على مجتمعنا اليوم، ولاسيما أن الله تعالى يسّر لنا ما كان يحلم به غيرنا في سالف الأزمان، فوسائل التواصل وسبل الاتصال مبذولة لطلبة العلم اليوم.
ولا يفوتني التنويه إلى شحة الدراسات التي تعرضت للتخطيط ورسم الأهداف من خلال السنة النبوية، وكل من كتب في الأهداف -في حدود اطلاعي- فإنما تعرّض إليها ضمنًا لا أصلًا، وبطريقة إدارية بحتة، وغالب الأمثلة مكررة وتدور على حديث أو حديثين.
لذا اجتهدت قدر المستطاع في توجيه النصوص حسب الخطة المرسومة، فجاء بهذا الشكل، فبحثي هذا إن كتب له القبول إنْ شاء الله يكون أوّلًا في بابه، وقد يكون نقطة انطلاق لرسالة علمية متخصصة في رسم الأهداف، والفضل بعد فضل الله تعالى يعود لـ (ندوة الحديث الشريف) المباركة في فتح هذه الأفاق الجديدة الإبداعية كما تعودنا عليها منذ انطلاقتها، وفق الله القائمين عليها، وجعله في ميزان حسناتهم.
وقد اختصرت الكلام بغير اخلال فيه، ليتوافق مع الشروط المقررة في هذه الندوة، وحاولت الاقتصار على الأحاديث الصحيحة، إلاّ إذا لم يكن في الباب غيره، فأذكره وأنبه عليه في موضعه.
وأخيرًا فهذه بضاعتنا مزجاة بين أيديكم، نسأل الله الكريم أنْ يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، وأن يوفق أخوتي الباحثين للإستفادة منه وتطويره بالشكل الذي يحقق النفع الأكبر، وما كان فيه من صواب فمن توفيق الله وحده، وما كان فيه من خلل وقصور فمن ضعفي وقلة حيلتي.
والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) محاضرات في العقيدة الاسلامية، د. عبد القادر المحمدي ص١٥.
[ ٤ ]