ونعني به أن يكون له أثر على الواقع لا أنه خيالي غير واقعي، أو هدف لا يتحقق بأي شكلٍ من الأشكال.
ويقال: إنّ ملكًا خرج يومًا في رحلة تستغرق أيامًا في غابات مملكته الواسعة، وفي طريق عودته شعر بألم في قدميه، فقرر أن يفرش طرقات المملكة على طولها وعرضها جلدًا كي لا تتورم قدماه من جديد! وهذا عمل شاق جدًا، فقال له الوزير الفطن: يا سيدي لم لا تغطي قدميك بالجلد؟ (١) فالأهداف لابد لها من واقعية وإمكانية.
ولذا سعى النبيّ - ﷺ - لإصلاح الشباب والحفاظ على السلوك القويم فهم عصب الأمة، والشريان الحي لها، وحياة الأمم بحياة شبابها، وضياعها بانحرافهم عن القيم والثوابت.
فكان من أهم الأهداف النبوية تحصين الشباب من المزالق الفكرية والخلقية، إذن الهدف كان (حماية الشباب من الإنحراف) وهذا هدف واقعي، ليس خياليًا.
وقد تعامل النبيّ - ﷺ - بواقعية تامة مع هذا الهدف، فمثلما منعهم من الزنا، دعاهم ورغبهم في الزواج وإنشاء الأسر القويمة، ولما كان هذا الهدف واقعيًا فقد ترك اثرًا واضحًا في نفوس الشباب، وتأمل كيف عالج النبيّ - ﷺ - غريزة ذاك الشاب الذي جاءه يريد من النبيّ - ﷺ - أن يبيح له الزنا دون النّاس، فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه. فقال - ﷺ -:" أدنه فدنا منه قريبًا"، قال فجلس، قال - ﷺ -:" أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال:" ولا النّاس يحبونه لأمهاتهم". قال:" أفتحبه لابنتك"؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال:" ولا النّاس يحبونه لبناتهم". قال:" أفتحبه لأختك"؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال:" ولا النّاس يحبونه لأخواتهم". قال: "أفتحبه لعمتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال:" ولا النّاس يحبونه لعماتهم". قال:" أفتحبه لخالتك"؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك.
_________________
(١) ينظر: أفكار صغيرة لحياة كبيرة، كريم الشاذلي ص٧٩.
[ ١٠ ]
قال:" ولا النّاس يحبونه لخالاتهم". قال: فوضع يده عليه وقال:" اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه وحصن فرجه". فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء " (١).
فعالجه النبيّ - ﷺ - بواقعية تامة، وجعله يقيس الحكم على نفسه، فقال (أترضاه لأمك ..) فالمقياس واقعي، لذا جعل الشاب ينأى بنفسه عن هذا العمل القبيح.
أما إذا كان الحل (الهدف) خياليًا متقاطعًا مع الفطرة الإنسانية فإنه سيفشل حتمًا، لذا فشلت الكنيسة في تحقيق هدف (الرهبنة)، وكلنا سمع ويسمع وسيسمع بالشذوذ الجنسي والاغتصاب من قبل كثير من المترهبنين في كنائس الغرب والشرق، نسأل الله العافية.
فالمشكلة أنهم خالفوا الفطرة ونقضوا المنطق وعارضوا الواقع، فالانسان مجبول بالفطرة على الميل إلى المرأة والأسرة والأولاد، وقد زُين ذلك لهم، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ آل عمران١٤ لذا فالنبيّ - ﷺ - حث على الزواج وشجع الشاب على الانجاب، ورفض كل مظاهر الرهبنة؛ لأنها لا تمت إلى الحياة بصلة، وديننا هو دين الحياتين الدنيا والأخرة، ولهذا عنف النبيّ - ﷺ - أولائك النفر الذي استقلوا عمل النبيّ - ﷺ - وأرادوا الانحياز عن الفطرة، فأخرج مسلم وغيره من حديث أنس - ﵁ - أنّ نفرًا من أصحاب النبيّ - ﷺ -، سألوا أزواج النبيّ - ﷺ - عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر، فقام - ﷺ - فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:" ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٢).