الأهداف الناجحة هي التي تحمل خطة زمنية محددة، لها نقطة انطلاق ونقطة انتهاء.
وكل هدف ليس له زمن محدد يكون عشوائيًا غير منضبط، فمثلًا: من أراد حفظ كتاب الله تعالى فلابد أن يضع لنفسه خطة زمنية مرسومة يومية وأسبوعية وشهرية، وهكذا كل مشروع لابد له من خطة زمنية ليحقق هدفه. ومن يتأمل في سيرة النبيّ - ﷺ - يلمس ذلك بوضوح، فمنه:
قوله - ﷺ -:"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا " (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٦ باسناد صحيح.
(٢) أخرجه مسلم ٤/ ١٢٩ (٣٣٨٤)،وغيره.
(٣) أخرجه أحمد ١/ ٣٥٥، من حديث ابن عباس - ﵁ - باسناد صحيح.
[ ١١ ]
فالهجرة على عضم منزلتها في الإسلام، حتى قال تعالى في فضلهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ التوبة٢٠
وقال النبيّ - ﷺ - في فضل الهجرة:" لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار " (١).
وقد أمر النبيّ - ﷺ - أصحابه بالهجرة بيدأن لها زمنًا محددًا، فكانت الهجرة فرض عين ثم نسخت بهذا الحديث (٢)، فالنبيّ - ﷺ - رسم لها خطة زمنية محددة، ابتدأت في ساعة وانتهت في ساعة.
قال الحافظ في الفتح:" وإنما كان كذلك؛ لأنّ مكة بعد الفتح صارت دار إسلام فالذي يهاجر منها للمدينة إنما يهاجر لطلب العلم أو الجهاد لا للفرار بدينه بخلاف ما قبل الفتح" (٣).
ومن ذلك أنّ الله تعالى شرع لنبيه - ﷺ - إعطاء سهم من أسهم الزكاة لمن يريد أن يتالفه للإسلام، فكان النبيّ - ﷺ - يعطي الرجل الغني من مال الزكاة والخمس؛ ليقربه من الدين ويتألفه حتى يقوى عوده في الإسلام ويعايش كبار المسلمين فيقوى ويصلب في الدين، فعن أنس - ﵁ -، قال: قال النبيّ - ﷺ -: "إني أعطي قريشا أتألفهم، لأنهم حديث عهد بجاهلية" (٤).ومن هؤلآء صفوان بن أمية، فأخرج مسلم من حديث صفوان أنّه قال: «والله لقد أعطاني رسول الله - ﷺ - ما أعطاني، وإنه لأبغض النّاس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب النّاس إليّ" (٥).
فالهدف من هذا السهم هو تأليف القلوب للإسلام في فترة من الفترات الزمنية المحددة، وينتهي زمنه بقوة الدين في نفوس النّاس، لذا فإن عمر بن الخطاب - ﵁ - أوقف هذا السهم.
قال ابن تيمية:"وما شرعه النبيّ - ﷺ - شرعًا معلقًا بسبب إنما يكون مشروعًا عند وجود السبب: كإعطاء المؤلفة قلوبهم؛ فإنه ثابت بالكتاب والسنة. وبعض النّاس ظنَّ أنَّ هذا نسخ، لما روي عن عمر - ﵁ -: أنه ذكر أن الله أغنى عن التألف، ﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ الكهف٢٩، وهذا الظن غلط؛ ولكن عمر استغنى في زمنه عن إعطاء المؤلفة قلوبهم، فترك ذلك لعدم الحاجة إليه؛ لا لنسخه" (٦).
_________________
(١) أخرجه بتمامه البخاري (٧٢٤٤)،وغيره.
(٢) ينظر: فتح الباري، ابن حجر ٧/ ٢٥٩.
(٣) المصدر نفسه ١٠/ ١٨٥.
(٤) أخرجه البخاري (٢٩٧٧)،ومسلم ٢/ ٧٣٣ (١٠٥٩)،وغيرهما.
(٥) صحيح مسلم ٤/ ٠٦٨ «٢٣١٣).
(٦) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٦٠.
[ ١٢ ]
ثم إنّ وعي كثير منا بالوقت ضعيف، ولذا فإن استخدامنا له في حل مشكلاتنا محدود، والزمن عنصر في تكوين الأهداف وتراكمها، وطريقة حلها، ووجود هدف في حياة الواحد منا يجعل وعيه بقيمة الزمن أعظم، ويساعده هذا الوعي على استخدامه في تغيير أوضاعه. وأتساءل ماذا بإمكاننا أن نفعل تجاه جهلنا بعلم من العلوم المعاصرة؟ فإننا سنجد أنّه في الوقت الحاضر لا نستطيع أن نفعل أي شيء يذكر تجاه ذلك، أما إذا احترمنا الزمن وخططنا لخمس سنين-مثلًا- فسنجد أننا نستطيع فعل الكثير؛ وذلك بسبب وجود خطة، واستهداف للمعالجة، وهما يعتمدان على عنصر الزمن. فكثير من الخلل المنهجي في تصور أحوالنا، وحل أزماتنا، يعود إلى ضيق مساحة الرؤية، ومساحة الفعل معًا، وذلك كله بسبب فقد النظر البعيد المدى (١).