قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا﴾
ففي هذه الآية الكريمة الأمر باجتناب كثير من الظنِّ، وأنَّ منه إثمًا، والنهي عن التجسُّس، والتجسُّسُ هو التنقيب عن عيوب الناس، وهو إنَّما يحصل تَبَعًا لإساءة الظنِّ.
وقال ﷺ: "إيَّاكم والظنَّ؛ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا" رواه البخاري (٦٠٦٤)، ومسلم (٢٥٦٣) .
وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "ولا تظنَّنَّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلاَّ خيرًا، وأنت تجد لها في الخير مَحملًا" ذكره ابن
[ ٢٤ ]
كثير في تفسير آية سورة الحجرات.
وقال بكر بن عبد الله المزني كما في ترجمته من تهذيب التهذيب: "إيَّاك من الكلام ما إن أصبتَ فيه لَم تُؤجَر، وإن أخطأت فيه أثمت، وهو سوء الظنِّ بأخيك".
وقال أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي كما في الحلية لأبي نعيم (٢/٢٨٥): "إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له العذر جهدك؛ فإن لم تجد له عذرًا فقل في نفسك: لعلَّ لأخي عذرًا لا أعلمه".
وقال سفيان بن حسين: "ذكرت رجلًا بسوء عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي، وقال: أغزوتَ الرومَ؟ قلت: لا، قال: فالسِّند والهند والترك؟ قلت: لا، قال: أفَتسلَم منك الروم والسِّند والهند والترك، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم؟! قال:
[ ٢٥ ]
فلَم أعُد بعدها". البداية والنهاية لابن كثير (١٣/١٢١) .
أقول: ما أحسن هذا الجواب من إياس بن معاوية الذي كان مشهورًا بالذكاء، وهذا الجواب نموذجٌ من ذكائه.
وقال أبو حاتم بن حبان البستي في روضة العقلاء (ص:١٣١): "الواجبُ على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه؛ فإنَّ من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنَه ولم يُتعب قلبَه، فكلَّما اطَّلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، وإنَّ من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه وتعب بدنه وتعذَّر عليه ترك عيوب نفسه".
وقال (ص:١٣٣): "التجسُّس من شعب
[ ٢٦ ]
النفاق، كما أنَّ حسنَ الظنِّ من شعب الإيمان، والعاقل يحسن الظنَّ بإخوانه، وينفرد بغمومه وأحزانه، كما أنَّ الجاهلَ يُسيء الظنَّ بإخوانه، ولا يُفكِّر في جناياته وأشجانه".
[ ٢٧ ]