وأنواع الظلم الواقع على الزوجات عديدة وأشكالها متنوعة عند من ابتعد عن نور الهداية، ومنها هجر الرجل إحدى زوجاته لخلاف يسير دون أن يسبق هذا الهجر تحذير، وقد لا يقتصر في هجره على مجرد التأديب والتأنيب، بل يتجه في هجره إلى الإضرار بالزوجة، ثم لو قامت زوجة أخرى من زوجاته بمثل ما قامت به تلك التي هجرها لغض الطرف عنها، ولم يفعل معها ما فعل مع الأولى، فتراه يقسو مع الواحدة ويضعف أمام الأخرى.
وكذلك نرى الظلم في ترك العدل في المبيت، فقد يبيت بعض الأزواج عند بعض الزوجات أكثر مما يبيت عند الأخرى، وقد يمكث الوقت الطويل عند إحداهن ولا يأتي عند الأخرى إلا لمامًا، وقد يدعها شهورًا وربما أعوامًا وربما علقها دون أن يطلقها، أو يعاشرها بالمعروف.
[ ٢٦٥ ]
يجب على الزوج أن يساوي بين زوجاته في المبيت، فإذا بات عند إحدى زوجاته ليلة بات عند غيرها مثلها، فكذلك كان رسول الله ﷺ يقسم بين زوجاته، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ (١) «كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ يَقُولُ أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا قَالَتْ عَائِشَةُ فَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ فِي بَيْتِي فَقَبَضَهُ اللَّهُ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَحْرِي وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي ثُمَّ قَالَتْ دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْطَانِيهِ فَقَضِمْتُهُ ثُمَّ مَضَغْتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي» وقال الحافظ
_________________
(١) البخاري ٤٠٩٥، ومسلم ٤٤٧٣
[ ٢٦٦ ]
ابن حجر في شرح الحديث (١): (الْقَسْم لَهُنَّ يَسْقُط بِإِذْنِهِنَّ فِي ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُنَّ وَهَبْنَ أَيَّامهنَّ تِلْكَ لِلَّتِي هُوَ فِي بَيْتهَا) .
وفي صورة أخرى لظلم الرجل غير العادل نراه يصطحب إحدى زوجاته في أسفاره دون أن يكون لغيرها نصيب، فإذا أراد السفر ورغب أن تصحبه إحدى زوجاته، فلابد أن يرضين كلهن، وإلا فالقرعة بينهن، ومثالنا على ذلك فعل النبي الكريم ﷺ، فقد قال النبي ﷺ «كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه» (٢) .
وأكثر ما يلاحظ في سلوك الزوج غير العادل هو المبالغة في الاهتمام بالزوجة الجديدة، وربما كان ذلك على مسمع من الأخرى بما يزيد في إغاظتها واشتداد غيرتها، دون أية مراعاة لمشاعرها، وذلك من الخطأ والجهل
_________________
(١) فتح الباري ح ٤٨١٦
(٢) البخاري ٢٤٠٤، ومسلم ٤٩٧٤
[ ٢٦٧ ]
وكذلك نرى أن الزوج غير العادل يميل في الهبة لإحدى زوجاته الكثير من أمواله، ويحنو كثيرًا على أولاده منها، بينما يهمل الأخرى ويحرمها مما يعطيه لغيرها، وقد يقسو على أولاده منها، إذ لابد من العدل في النفقة والكسوة والعطية وغيرها، فيعدل بينهن من كل جهة وبكل ما استطاع وبكل ما يليق بكل منهن دون تفضيل إحداهن على الأخرى، فإذا وفى لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها والإيواء إليها لم يضره ما زاد على ذلك.
ولأجل ذلك كله، ولرفع الضيم عن الزوجة من ظلم الزوج غير العادل شَرط الدين الإسلامي في إباحة التعدد إمكان القدرة على النفقة، والقيام بأعباء الزوجية كاملة، وقيده بقيد، هو ضرورة العدل في المعيشة والمعاشرة، إذ قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ النساء:٣. وبهذا الشرط والقيد تصان الحياة الزوجية من الفوضى والاختلال، ومن الجور والظلم وتحفظ كرامة المرأة حتى لا تتعرض للمهانة بدون ضرورة ملحة واحتياط كامل.
[ ٢٦٨ ]
العدل مشروط بالاستطاعة والعدل المشروط هنا هو العدل المادي في المعاشرة والمعاملة والنفقة وفي كل ما يمكن تحقيق العدل فيه، ويدخل تحت طاقة الإنسان وإرادته بحيث لا تبخس زوجة حقها ولا تؤثر واحدة دون الأخرى بشيء.
أما فيما يتعلق بالمشاعر والقلوب وأحاسيس النفوس فذلك خارج عن إرادة الإنسان واستطاعته، ولا يطالبه بالعدل فيه أحد، وإلى هذا المعنى جاءت الإشارة في قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ النساء:١٢٩، ومع أن نبي الإسلام ﷺ كان يعدل بين نسائه كأرفع ما يكون وأنبل ما يكون، إلا أنه مع ذلك كان يحب السيدة عائشة ﵂ أكثر منهن، فرسول الله ﷺ عدل بينهن في كل شيء، أما المحبة القلبية والميل النفسي فهذا من الله، ولا يملك فيهما شيئًا.
[ ٢٦٩ ]
والعدل الذي نفيت استطاعته في هذه الآية هو العدل المعنوي المتمثل في المحبة والميل النفسي، لذلك يقول سبحانه تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ النساء:١٢٩، وبهذا قرن الشرع العدل في الآية الكريمة بقوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي أنكم إذا لم تستطيعوا تحقيق العدل بالمحبة والميل النفسي فلا تتركوا من تكون في درجة أقل من هذه المحبة كالمعلقة، بل اعدلوا بينهن في كل شيء، وحاولوا قدر الاستطاعة في المحبة أيضاَ. والرسول الكريم ﷺ بين أن الرجل إذا مال لإحدى زوجتيه أثم، وعوقب في الدار الآخرة، حيث قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (١)، والزوج الذي يعرف واجباته الدينية تجاه زوجاته، على وعي تام بأهمية العدل بينهن، وإذا كان العدل بين الزوجات قد فرض على الزوج كأمر واجب القيام به فما ذلك إلا لأن
_________________
(١) أبو داود ١٨٢١، وصححه الألباني في صحيح أبي داود
[ ٢٧٠ ]
المسؤولية والتبعة يتحملها الرجل، الذي هو راع في بيته، والمسؤول عن رعيته، كما أنه قد افترض فيه أنه أبعد نظرًا وأوسع أفقًا، والزوج العاقل هو الذي يقوم بالعدل بين زوجاته، ويحاول دائمًا التوفيق، حتى يتهيأ لأفراد الأسرة أجواء الأمان والحماية والاستقرار والمودة، وليكونوا أعضاء أسوياء داخل المجتمع.
[ ٢٧١ ]