قال الشيخ العلامة ابن عثيمين (٢)
كل ما يُحْدِث الندم فإنّ الشرع يأمرنا بالابتعاد عنه، ولهذا أيضا أصول منها: أن الله ﷾ قال: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ المجادلة:١٠، والله تعالى إنما أخبرنا بذلك من أجل أن نتجنب هذا الشيء، ليس مجرد إخبار أن الشيطان يريد إحزاننا، لا؛ المراد: أن نبتعد عن كل ما يحزن، ولهذا قال النبي ﷺ: «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» (٣)؛ فكل ما يجلب الحزن للإنسان فهو منهي عنه، ثانيا:
_________________
(١) المنبر الإسلامي
(٢) شرح بلوغ المرام - كتاب البيوع.
(٣) الترمذي وقال حَسَنٌ صَحِيحٌ ٢٧٥١، وصححه الألباني في صحيح الترمذي
[ ٥٠٣ ]
أن الرسول ﷺ أمر من رأى رؤيا يكرهها أن يتفل عن يساره ثلاث مرات، ويستعيذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، وينقلب إلى جنبه الثاني، ولا يخبر بها أحدا، ويتوضأ ويصلي، كل هذا من أجل أن يطرد الإنسان عنه هذه الهموم التي تأتي بها هذه الأمراض، ولهذا قال الصحابة: (لقد كنا نرى الرؤيا فنمرض منها، فلما حدَّثَنا رسولُ الله ﷺ بهذا الحديث؛ يعني: استراحوا، ولم يبق لهم هم)، فكل شيء يجلب الهم والحزن والغم فإن الشارع يريد منا أن نتجنبه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ البقرة:١٧١، لأن الجدال يجعل الفرد يحتمي ويتغير فِكْرُهُ من أجل المجادلة، سيحصل له هم ويلهيه عن العبادة.
المهم اجعل هذه نصب عينيك دائما؛ أي: أن الله ﷿ يريد منك أن تكون دائما مسرورا بعيدا عن الحزن، والإنسان في الحقيقة له ثلاث حالات: حالة ماضية، وحالة حاضرة، وحالة مستقبلة
[ ٥٠٤ ]
الماضية: يتناساها الإنسان وما فيها من الهموم؛ لأنها انتهت بما هي عليه إن كانت مصيبة فقل: «اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا» (١)، وتناسى، ولهذا نهى عن النياحة، لماذا؟ لأنها تجدد الأحزان وتذكر بها.
المستقبلة: علمها عند الله ﷿، اعتمد على الله، وإذا جاءتك الأمور فاضرب لها الحل، لكن الشيء الذي أمرك الشارع بالاستعداد له فاستعد له.
_________________
(١) روى مسلم في صحيحه ١٥٢٥: «أنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ البقرة:١٥٦ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا قَالَتْ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ..»
[ ٥٠٥ ]
والحال الحاضرة هي: التي بإمكانك معالجتها، حاول أن تبتعد عن كل شيء يجلب الهم والحزن والغم، لتكون دائما مستريحا منشرح الصدر، مقبلا على الله وعلى عبادته وعلى شؤونك الدنيوية والأخروية، فإذا جربت هذا استرحت؛ أما إن أتعبت نفسك مما مضى، أو بالاهتمام بالمستقبل على وجه لم يأذن به الشرع، فاعلم أنك ستتعب ويفوتك خير كثير.
وأخيرًا أيها الزوج..ننصحك بقراءة كتاب النكاح من كتاب صحيح البخاري، فهو مفيد نافع إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين
[ ٥٠٦ ]