قال ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَىْءٍ فِى الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» . (٢)
أيها الأخوة بارك الله لكم وبارك فيكم، في بداية الوصية استوصوا بالنساء خيرا، وفي نهايتها استوصوا بالنساء خيرا.
وقال ﷺ في حجة الوداع: «أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ
_________________
(١) أبو البراء التعمري، استفدت هذا الكلام من كتاب الشيخ: أبو إسلام صالح طه تبصرة الأنام بالحقوق في الإسلام. وكتاب الشيخ: محمد موسى نصر النبي ﷺ في بيته
(٢) البخاري ٣٠٨٤، ومسلم ٢٦٧١
[ ٥٤ ]
فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» . (١)، وقال ﷺ وهو في فراش الموت «الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى مَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ» . (٢)
أيها الأخوة في الله وللزوجة على زوجها حقوق كثيرة جدا منها:
أولًا:أن يعاشرها بالمعروف
استجابة لقوله تعالى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ النساء: ١٩،ولقوله ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (٣)
_________________
(١) الترمذي ١٠٨٣ وقال حسن صحيخ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي
(٢) ابن ماجة ١٦١٤، وصححه الألباني في الإرواء ٧ / ٢٣٨
(٣) الترمذي ٣٨٣٠ وقال حسن غريب صحيح، وابن ماجه ١٩٦٧، وصححه الألباني في الصحيحة ٢٨٥
[ ٥٥ ]
والخيرية للمرأة ليست بالأثاث الفاخر والمنزل الكبير والسيارة الفاخرة!! لا، إنما أن تؤدي لها حقها.
فرسولنا ﷺ من خير الناس لنسائه، ومع ذلك كانت عائشة ﵂ تنام مع رسول الله ﷺ في غرفة ضيقة، فكان ﷺ (١) إذا سجد بالليل وهو يصلي غمز عائشة حتى يتمكن من أن يسجد فإذا قام من سجوده مدت رجلها.
لقد ضرب لنا النبي ﷺ مثلا أعلى في حسن معاملة زوجاته ﵅ فتعالوا بنا لندخل بيت رسول الله ﷺ ولنرى ماذا كان يجري بين تلك الجدران المباركة.
كان النبي ﷺ من أكثر الناس نساءً، فقد أباح الله له أن يتزوج ما شاء من النساء (٢)، ولم يبح الله لأحد سوى نبيه صلى
_________________
(١) البخاري ٦٣٩، ومسلم ٧٩٦
(٢) لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الأحزاب:٥٠
[ ٥٦ ]
الله عليه وسلم أن يتجاوز الأربع من الحرائر، وقد كان يتعامل ﷺ مع زوجاته بالعدل والإنصاف ويقسم بالسوية ولا يميل نحو هذه دون تلك، وقد ضرب أروع الأمثلة للأزواج في العدل بين نسائهم.
الرجل اليوم إذا كان عنده امرأة واحدة قلما يعطيها حقها كاملا بسبب قلة الدين والغفلة والجهل وحب الهوى وحب الذات وقلة ذات اليد وكثرة المتطلبات المعيشية، فكيف إذا كان عند الرجل أربع نساء، لا شك أنه أبعد ما يكون من العدل، إلا من رحم الله.
نبينا ﵊ كان عنده تسع نساء، ويقسم بينهن بالسوية في النفقة والكسوة، وفي الطعام، وفي المبيت، ويقرع بينهن إذا أراد أن يسافر، فأيها خرج سهمها خرجت معه، وكلهن يرضين بهذه القرعة من غير اعتراض.
[ ٥٧ ]
وبلغ من معاشرته ﵊ لنسائه، أنه كان يداعب عائشة، وكان يناديها يا عائش على سبيل الترخيم والمداعبة، وبلغ منه ﵇ أنه يضع فمه في موضع فيها في الشرب من الإناء، بل أنه «كَانَ يَأْخُذُ الْعَرْقَ (١) فَيُقْسِمُ عَلَيَّ فِيهِ فَأَعْتَرِقُ مِنْهُ ثُمَّ أَضَعُهُ فَيَأْخُذُهُ فَيَعْتَرِقُ مِنْهُ وَيَضَعُ فَمَهُ حَيْثُ وَضَعْتُ فَمِي مِنْ الْعَرْقِ وَيَدْعُو بِالشَّرَابِ فَيُقْسِمُ عَلَيَّ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ فَآخُذُهُ فَأَشْرَبُ مِنْهُ ثُمَّ أَضَعُهُ فَيَأْخُذُهُ فَيَشْرَبُ مِنْهُ وَيَضَعُ فَمَهُ حَيْثُ وَضَعْتُ فَمِي مِنْ الْقَدَحِ» (٢) .
بل أنه ﵊ بلغ من تواضعه ومداعبته أهله والتحبب إليها، أنه سابقها يوما في أول الزواج فسبقته، ثم إنه بعدُ تسابق
_________________
(١) وهو اللحم أو لحم الذراع
(٢) النسائي، وصحح الألباني إسناده في الإرواء ١٩٧٢
[ ٥٨ ]
معها بعدما حملت اللحم - يعني أصبحت سمينة - فسبقها ﵇، وقال لها «هَذِهِ بِتِلْكَ» (١) .
وكان ﷺ يحزنه ما يحزن نساءه، ويسره ما يسرهن، فلما رأى عائشة في حجة الوداع قد حاضت ورجع الناس بحجة، فحزنت لذلك، أمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج بها إلى التنعيم لتأتي بعمرة تطييبا لخاطرها (٢) .
وكان النبي ﷺ في بيته عاملا مشاركا معينا لأهله، لا يفعل كما يفعل كثير من الأزواج اليوم، بقول: هذه زوجتي وهي مأمورة بخدمتي ولا علي، وإنما يجلس في بيته يضع رجلا على رجل يصدر الأوامر هات كذا، اذهبي، تعالي، افعلي كذا، ليس عنده شغل في البيت إلا إصدار الأوامر، لا يتحمل شيئا من المسؤوليات ولا التبعات.
_________________
(١) أبو داود ٢٢١٤ ونصه: «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ قَالَتْ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ»
(٢) البخاري ١٤٥٩، مسلم ٢١١٥
[ ٥٩ ]
غير أن النبي ﷺ كما تقول عائشة «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ» (١)، أو يقوم في مهنة أهله، يعني ربما قام بالعمل الممتهن، وقد ثبت أنه ﵇ كان يعين أهله، ولا عيب على الرجل أن يعين أهله، إذا دخلت بيتك ووجدت أهلك مشغولة في عمل ما فتطلب الأمر منك مثلا - أن تعد رضاعة الحليب للبنت أو للطفل، ما الذي يضرك من ذلك؟ أو أن تحضر الطعام، فلا حرج في ذلك، ففي رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة.
ولقد ضرب النبي ﷺ المثل الأكمل والأمثل في عدله بين نسائه، ففي البيت كان يقسم الأيام بينهن، ويعطي كل ذي حق حقه. فصلوات ربي وسلامه عليه.
ثانيا: ومن حق الزوجة على زوجها أن يُطعمها، ويكسوها من الحلال، ويؤدبها كما أمره الله إذا رأى منها نشوزًا.
_________________
(١) البخاري ٦٣٥، ٤٩٤٤، ٥٥٧٩
[ ٦٠ ]
قال ﷺ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ» (١)، وقال ﷺ «أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» (٢) .
وأما نشوز المرأة - ويا للأسف أيها الأخوة ففي هذه الأيام إذا نشزت المرأة لم يحسن الزوج التعامل معها فتراه أما أن يضربها ضربا مبرحا أو أن يقوم بتطليقها وللأسف الشديد وذلك جهلا منه وعدم معرفة -.
فتعالوا لنرى كيف عالج النبي ﷺ نشوز المرأة: كان ﵇ رفيقا، لم يثبت عنه ﵇ أنه ضرب زوجة أو
_________________
(١) أبو داود ١٨٣٠، وقال الألباني حسن صحيح - صحيح سنن أبي داود
(٢) الترمذي ١٠٨٣ وقال حسن صحيح، وابن ماجة ١٨٤١، وحسنه الألباني في الإرواء ١٩٩٧ و٢٠٣٠
[ ٦١ ]
خادما أبدا، وقال ﵇ يوما «لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ» (١) .
وقد أباح الشرع للرجل ضرب زوجته أحيانا عند الحاجة والضرورة، وبشروط وحالات خاصة، وعلى مراحل، فلا يصار ولا يلجأ إلى الضرب، من أول مرة، وهناك صفة لهذا الضرب وهو: أن يكون ضربا غير مبرح لا يكسر ولا يورم ولا يجرح ولا يدمي، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ النساء: ٣٤، فجعل الضرب في المرحلة الثالثة، وقبل الضرب أباح الشرع للرجل أن يعلق السوط أو العصا ليرهب أهله (٢)، ليريهم أن العصا حاضرة، وأنه ممكن أن يلجأ إليها في بعض
_________________
(١) أبو داود ١٨٣٤، وصححه الألباني في صحيح أبي داود
(٢) «عَلِّقُوا السَّوْطَ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ لَهُمْ أَدَب» .الطبراني في الكبير ١٠٥٢١ و١٠٥٢٢ و١٠٥٢٣، وفي الأوسط ٤٥٣٥،وعبد الرزاق ١٧٩٦٣ و٢٠١٢٣، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، و«أمر بتعليق السوط في البيت» الأدب المفرد ١٢٧٠ وصححه الألباني
[ ٦٢ ]
الأحوال حين يقتضي الأمر ذلك. وقدم الوعظ والإرشاد والزجر على الضرب. والهجر في المضجع يكون بأن يبيت معها في الفراش ويليها ظهره، وهذا أشد إيلاما من الضرب خصوصا للمرأة التي اعتادت زوجها وأحبته وتعلق قلبها به، فضرب النساء ليس بطولة.
وقد حدثني أحدهم عن رجل ضرب زوجته فكان يلكمها وكأنه في حلبة للملاكمة فكانت إذا أغمي عليها جاء برأس من البصل فيضعه على أنفها لتستيقظ ومن ثم يعاود ضربها؛ فبئس الزوج هذا الذي يضرب زوجته ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثالثا: ومن حق الزوجة على زوجها أن يعطيها حقها في الفراش.
قال الله تعالى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: ٢٢٨، قال ابن عباس ﵄: (إنِّي أُحِبّ أَنْ أَتَزَيَّن لِلْمَرْأَةِ، كَمَا أُحِبّ أَنْ تَتَزَيَّن لِي) (١)، و«آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي
_________________
(١) الطبري ١٧٦٥، وابن أبي حاتم ٢٣٣٥، البيهقي ١٥١٢٥، وابن أبي شيبة ٤ / ١٨٣
[ ٦٣ ]
الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُكِ قَالَتْ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ كُلْ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ قَالَ فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قَالَ نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ قُمْ الْآنَ فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَ سَلْمَانُ» (١) .
رابعا: ومن حق الزوجة على زوجها أن يحفظ سرها عامة، وسر الفراش خاصة.
وهذا أيها الأخوة والله ما عاد الرجل يرقب فيه إلّا ولا ذمة لا سيما أن الذمم قد ضعفت في هذه الأيام فترى الرجل ما أن يتزوج حتى
_________________
(١) البخاري ١٨٣٢، ٥٦٧٣
[ ٦٤ ]
يخبر أصدقاءه بما فعل في تلك الليلة، إلا من رحم ربي ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول النبي ﷺ «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» (١)
خامسا: الصبر على أذى النساء.
فقد كان ﵊ يصبر على أذى النساء وربما كانت نساؤه يراجعنه في الأمر، وفي الحديث عن النبي ﷺ «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» . (٢)
المرأة هي المرأة خلقت هكذا، فيها اعوجاج، فيها خير وفيها شر، فعليك يا مسلم يا عبد الله أن تستمتع بها وأن ترفق بها، إذا ابتغيت امرأة
_________________
(١) مسلم ٢٥٩٧
(٢) البخاري ٣٠٨٤، مسلم ٢٦٧١
[ ٦٥ ]
كاملة الأوصاف فلن تجد وهيهات هيهات، قال ﷺ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (١)
ويحسن بنا أن نختم هذا الموضوع بما ذكره الإمام ابن حزم من بيان مجمل لأخلاق النبي ﷺ، قال ﵀ (٢): (كان رسول الله ﷺ على خلقٍ عظيم، كما وصفه ربه تعالى. وكان صلوات الله عليه وسلامه أحلم الناس، وأشجع الناس، وأعدل الناس، وأعف الناس، لم تمس قط يده امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها أو تكون ذات محرمٍ منه. وكان ﵊ أسخى الناس، لا يثبت عنده دينار ولا درهم، فإن فضل، ولم يجد من يعطيه ويجنه الليل، لم يأو منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه الله تعالى إلا قوت عامه فقط، من أيسر ما يجد من الشعير والتمر،
_________________
(١) مسلم ٢٦٧٢، لا يفرك أي: لا يبغض
(٢) جوامع السيرة ص٤٠ وما بعدها
[ ٦٦ ]
ويضع سائر ذلك في سبيل الله تعالى. لا يسأل لله شيئًا إلا أعطاه، ثم يعود على قوت عامه فيؤثر منه حتى يحتاج قبل انقضاء العام.
يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويقطع اللحم معهن. أشد الناس حياء، لا يثبت بصره في وجه أحد، يجيب دعوة العبد والحر، ويقبل الهدايا ولو أنها جرعة لبن أو فخذ أرنب، ويكافئ عليها ويأكلها. ولا يقبل الصدقة ولا يأكلها، تستعتبه الأمة والمسكين، فيتبعها حيث دعواه، ولا يغضب لنفسه، ويغضب لربه، وينفذ الحق وإن عاد ذلك بالضرر عليه وعلى أصحابه، يعصب الحجر على بطنه من الجوع، ومرة يأكل ما وجد، لا يرد ما حضر، ولا يتكلف ما لم يحضر، ولا يتورع عن مطعم حلال، إن وجد تمرًا دون خبز أكله، وإن وجد شواء أكله، وإن وجد خبز بر أكله، وإن وجد حلواء أو عسلًا أكله، وإن وجد لبنًا دون خبز اكتفى به، وإن وجد بطيخًا أو رطبًا أكله.
لا يأكل متئكًا ولا على خوان، منديله باطن قدميه، لم يشبع من خبز بر ثلاثًا تباعًا حتى لقي الله تعالى، إيثارًا على نفسه، لا فقرًا، ولا بخلًا. يجيب الوليمة، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز. يمشي وحده بين
[ ٦٧ ]
يدي أعدائه بلا حارس. أشد الناس تواضعًا، وأسكتهم في غير كبر، وأبلغهم في غير تطويل، وأحسنهم بشرًا. لا يهوله شيء من أمور الدنيا. ويلبس ما وجد، فمرة شملة، ومرة برد حبرة يمانيًا، ومرة جبة صوف، ما وجد من المباح، لبس خاتم فضة، فصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن، وربما في الأيسر.
يردف خلفه عبده أو غيره. يركب ما أمكنه، مرة فرسًا، ومرة بعيرًا، ومرة حمارًا، ومرة بغلة شهباء، ومرة راجلًا حافيًا بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة. يعود كذلك المرضى في أقصى المدينة. يحب الطيب، ويكره الريح الرديئة. يجالس الفقراء، ويواكل المساكين، ويلزم أهل في أخلاقهم، ويستألف أهل الشرف بالبر لهم. يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم، لا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر. يمزح ولا يقول إلا حقًا، يضحك في غير قهقة، ويرى اللعب المباح فلا ينكره. ويسابق أهله على الأقدام، ويرفع الأصوات عليه فيصبر.
[ ٦٨ ]
له لقاح (١) وغنم، يتقوت هو أهله من ألبانها. وله عبيد وإماء، لا يتفضل عليهم في مأكل ولا ملبس. ولا يمضي له وقت في غير عمل لله تعالى، أو فيما لابد له من صلاح نفسه. يخرج إلى بساتين أصحابه، ويقبل البر اليسير، ويشرب النبيذ الحلو. ولا يحقر مسكينًا لفقره وزمانته، ولا يهاب ملكًا لملكه، يدعو هذا وهذا إلى الله تعالى مستويًا.
أُطعم السم، وسحر، فلم يقتل من سمه، ولا من سحره، إذ لم ير عليهما قتلًا، ولو وجب ذلك عليها لما تركهما. قد جمع الله له السيرة الفاضلة، والسياسة التامة. وهو ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب، ونشأ في بلاد الجهل والصحارى، في بلد فقر، وذي رعية غنم. ورباه الله تعالى محفوفًا باللطف، يتيمًا لا أب له، ولا أم، فعلمه الله جميع محاسن الأخلاق، والطرق الحميدة. وأوحى إليه جل وعلا أخبار الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز في الآخرة، والغبطة والخلاص في الدنيا، ولزوم الواجب، وترك الفضول من كل شيء. وفقنا الله تعالى
_________________
(١) لقاح: إبل، جمع لقحة ولقوح
[ ٦٩ ]
لطاعته ﵊ في أمره، والتأسي به في فعله، إلا فيما يخص به، آمين) ا. هـ
[ ٧٠ ]