اعلم رحمك الله أن الله تعالى اذا أراد بعبد خيرا بصَّره بعيوب نفسه فمن كانت له بصيرة لم تخف عليه عيوبه واذا عرف العيوب أمكنه العلاج ولكن أكثر الناس جاهلون بعيوبهم يرى أحدهم القذي في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه فمن أراد الوقوف على عيب نفسه فله في ذلك أربع طرق..
_________________
(١) من كتاب مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة (رياضة النفس وتهذيب الخلق ومعالجة أمراض القلوب / الفصل الثالث في علامات مرض القلب وعوده إلى الصحة) بتصرف واختصار
[ ٤٤٠ ]
الطريقة الأولى: أن تجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس يعرفه عيوب نفسه وطرق علاجها وهذا قد عز في هذا الزمان وجوده فمن وقع به فقد وقع بالطبيب الحاذق فلا ينبغى أن يفارقه.
الطريقة الثانية: أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا وينصبه رقيبا على نفسه لينبهه على المكروه من أخلاقه وأفعاله، وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَهْدَى إِلَىَّ عُيُوبِى) (١)، وسأل سليمان ﵁ لما قدم عليه عن عيوبه فقال سمعت أنك جمعت بين إدامين على مائدة وأن لك حلتين حلة بالليل وحلة بالنهار فقال هل بلغك غير هذا قال لا قال أما هذا فقد كفيتها. وكان عمر ﵁ يسأل حذيفة: هل أنا من المنافقين؟ (٢)
_________________
(١) الدارمي ٦٧٤
(٢) البحر الزخار ٢٥٠٥ ونصه: عن حذيفة ﵁ قال: دعي عمر، لجنازة، فخرج فيها أو يريدها فتعلقت به فقلت: اجلس يا أمير المؤمنين، فإنه من أولئك، فقال: «نشدتك الله أنا منهم»، قال: «لا ولا أبرئ أحدا بعدك»، ومصنف ابن أبي شيبة ٣٨٥٤٥
[ ٤٤١ ]
وقد عز في هذا الزمان وجود صديق على هذه الصفة لأنه قل في الأصدقاء من يترك المداهنة فيخبر بالغيب أو يترك الحسد فلا يزيد على قدر الواجب، وقد كان السلف يحبون من ينبههم على عيوبهم ونحن الآن في الغالب أبغض الناس إلينا من يعرفنا عيوبنا. وهذا دليل على ضعف الإيمان فان الأخلاق السيئة كالعقارب ولو أن منبها نبهنا على أن تحت ثوب أحدنا عقربا لتقلدنا له منه واشتغلنا بقتلها والأخلاق الرديئة أعظم ضررا من العقرب على ما لا يخفى.
الطريقة الثالثة: أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألْسِنة أعدائه فإن عين السخط تبدي المساوئ وانتفاع الإنسان بعدو مشاجر يذكر عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يخفي عنه عيوبه.
[ ٤٤٢ ]
الطريق الرابعة: أن يخالط الناس فكل ما يراه مذموما فيما بينهم يجتنبه.
[ ٤٤٣ ]