إن من أسباب سعادة الزوجين قيام كل منهما بما يجب عليه نحو صاحبه، فقيام الزوج بالواجب عليه، وقيام المرأة بالواجب عليها، يكفل للبيت السعادة والهناء بتوفيق من الله.
والله جل وعلا في كتابه العزيز قد بين للزوجين الواجب على كل منهما فقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة:٢٢٨، فأخبر تعالى أن للزوجة حقًا كما أن عليها واجبًا، وللزوج حق كما أن عليه واجبًا.
_________________
(١) من خطبة للشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ في جامع الإمام تركي بن عبد الله بعنوان الحقوق الزوجية بتاريخ ١٨/١١/١٤٢٢ هـ بإختصار
[ ٤٢٢ ]
فالحق الواجب على الزوج نحو امرأته الإنفاق عليها، كسوتها، التعامل معها بالمعروف، كفُّ الأذى، حسن العشرة، وقد سأل رجل النبي ﷺ: «ما حق امرأة الرجل عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طمعت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبِّح، ولا تهجر إلا في الفراش» (١) .
فهذه خمس خصال: أولًا: أمره أن يطعمها إذا طعم، فيوفر لها الطعام، وأمره أن يوفِّر لها الكسوة، ثم نهاه عن ضربها في الوجه، لأن الضرب في الوجه فيه إهانة وإذلال، ووجه الإنسان أشرف أعضائه الظاهرة، فلا يجوز تشويهه بضربه، ويمكن الأدب في غير ذلك، ونهاه أن يقبِّح أي: أن يقول كلمة قبيحة، نحو: قبَّحكِ الله أو غيره من الألفاظ
_________________
(١) أحمد ٤/٤٤٧، وأبو داود، وابن ماجه ١٨٥٠، والنسائي في الكبرى ٩١٧١،وصححه الألباني في الإرواء ٢٠٣٣
[ ٤٢٣ ]
البذيئة، فإن الألفاظ السيئة تجرح القلب أعظم من الضرب، ولذا يقول الله جل وعلا: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ الإسراء:٥٣، ونهاه عن الهجران إلا في الفراش، بمعنى: إذا أراد هجْرها هجَرها بترك المبيت معها، وأما هجرٌ بترك الكلام والمحادثة فهذا نهى عنه النبي ﷺ، فبقاؤها معه من دون حديث صاحبهما للآخر يزيد في الجفاء، ويبعد كلًا منهما عن الآخر، فإن الأحاديث الودية مما يُكسب القلب محبة ومودة من كل منهما لصاحبه، وأما إذا دخل وخرج، لا يكلمها ولا يلتفت إليها، لا يسمع منها قولًا، ولا يُسمعها قولًا، فهذا أمر نهى عنه النبي ﷺ، لأنه يحدث تصدُّعًا في الحياة الزوجية، وبعد كلٍ منهما عن الآخر، والله تعالى يقول أيضًا: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بالْمَعْرُوفِ﴾ النساء:١٩، وقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ وَمَن
[ ٤٢٤ ]
يَفْعَلْ ذالِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ البقرة:٢٣١، فانظر إلى أن ربنا جل وعلا أرشد الزوج إذا طلق المرأة، وأراد العود إليها، فليكن بقصد الإصلاح، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن انقطاع العدة، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ بمعنى: استرجعوها لتكون الرجعة بالمعروف أي: ناويًا العشرة بالمعروف، لا جاعلًا الرجعة سببًا للعذاب والألم، ﴿أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فدعها تنقضي عدتها، ولعل الله أن يعوضها خيرًا ويعوضك خيرًا، وأما إمساك لأجل الإضرار والظلم والعدوان، فهذا نهى الله عنه بقوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ﴾ أي: لا تمسكوهن وتراجعوا المرأة ضرارًا لأجل أن تعتدي عليها، أو أن تظلمها وتسيء إليها، فذاك محرم في شريعة الإسلام، والعدوان قد نهى الله عنه، ولا يحلّ للرجل أن يعتدي عليها بالإيذاء والإضرار، فذاك أمر لا يليق بالمسلم السامع والمطيع لله ورسوله.
[ ٤٢٥ ]
ونبينا ﷺ قد أرشد الأزواج أيضًا، أرشد الزوج إلى المعاملة الحسنة مع المرأة، فأخبرهم ﷺ أن من كمال الإيمان حسن الخلق، فقال: «أكمل المؤمنين إيمان أحسنهم خلقًا، وخيركم خيركم لنسائه» (١)، فإن حسن الخلق وحسن التعامل يدلّ على كمال الإيمان وقوته، وسوء العشرة وسوء المعاملة وعدم الوفاء يدل على نقص في الإيمان، ولذا قال نبينا ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا»، ثم قال: «وخيركم خيركم لنسائه»، وخير الناس من كان خيره لنسائه، التعامل الحسن، والقيام بالواجب، والبعد عن كل ما يكدّر صفو العشرة وينغصها.
ويبين ﷺ في موضع آخر أن الرجل يجب أن يكون المستحمل للأخطاء، ويجب أن يكون الصبر والتحمل من أخلاقه،
_________________
(١) أحمد ٢/٢٥٠، والترمذي ١١٦٢ وقال حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في الصحيحة ٢٨٤
[ ٤٢٦ ]
فهو أقوى من المرأة تحملًا، والمرأة ضعيفة، وقد يكون منها الخطأ، لكن تحمّلُ الرجل وصبره هو المطلوب منه، فإنه القيّم عليها، وما دام القيم فلا بد من صبر وتحمل، فيقول ﷺ: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» (١)، لا يبغضها ويكرهها فإن أخلاقها قد يكون فيها خلق غير مناسب، ولكنها تشتمل على خلق طيب أيضًا، وهكذا حال الإنسان، فالكمال في المخلوق غير ممكن، لا من الرجل ولا من المرأة، فإن كرهت منها خلقا من الأخلاق فلا بد أن ترتضي منها خلقا غيره، وأما إذا كنت تعاتب على كل نقص، وتريد الكمال في كل الأحوال، فذاك طلب المستحيل، ومن كثر عتابه قلّ أصحابه.
_________________
(١) مسلم ١٤٦٩
[ ٤٢٧ ]
ويبين ﷺ أيضًا ذلك بوضوح جلي فيقول فيما ترويه عائشة ﵂: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (١)، فنبينا محمد ﷺ خير الناس لأهله، صبرًا وتحملا وإكرامًا ومعاملة بالحسنى، آلى شهرًا منهن لما حصل منهن ما حصل، ومع هذا كان يعاملهن بالحسنى ﷺ، وتخبر عائشة لما سئلت: ماذا كان يفعل في بيته؟ قالت: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِه» (٢)، فهو من أحسن الناس خلقًا، وأحسنهم تعاملًا صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين.
وهو ﷺ أرشد الأزواج إلى أمر عظيم، وهو أن المرأة من طبيعتها الضعف وقلة القيام بالواجب المطلوب، إن من
_________________
(١) الترمذي ٣٨٣٠ وقال حسن غريب صحيح، وابن ماجه ١٩٦٧، وصححه الألباني في الصحيحة ٢٨٥
(٢) البخاري ٦٧٦، ٤٩٤٤
[ ٤٢٨ ]
طبيعتها الضعف فقال ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» (١)، فهذا توجيه للرجل أنه لُفِت نظره إلى تركيبة المرأة الضعيفة، وربما يكون منها سوءٌ في شيء من الأخلاق، أو قلة قيام بواجب، فلا تنظر إليها إلا نظر من يعرف وضعها وحالها، وأنك إذا أردت أن تقيم الاعوجاج فإن ذلك يستحيل عليك.
وأخبر ﷺ يبين أيضًا أن المرأة خلقت من ضلع (٢)، وأنها لا تستقيم لك على طريقة واحدة، إذا تعوِّد نفسك على الصبر والتحمل وعدم الضجر مما عسى أن تجده من بعض أخلاقها،
_________________
(١) البخاري ٣٣٣١ واللفظ له، ومسلم ١٤٦٨
(٢) البخاري ٣٠٨٤، ومسلم ٢٦٧١
[ ٤٢٩ ]
لتنتظم الحياة الزوجية، ويتربى الأطفال في حضن الأبوين، في محبة ومودة وقيام بالواجب.
[ ٤٣٠ ]