ارتوت من نهر الحب الصادق والحنان المتدفق، فأورقت حبًا على حب وصفاءً على صفاء. لما أقبل العيد أرادت أن تكتسي حلة ملابس فوق حلة الإيمان فقالت لزوجها: لابد أن تذهب معي، فلن أذهب بدون محرم، لا أريد رجلًا غيرك يسمع صوتي! وأدنت على وجهها حجابًا سميكًا مستجيبة لأمر الله ﷿، متبعة في ذلك أمهات المؤمنين، فحرمت على الرجل الأجنبي أن يرى منها ظفرًا أو خصلة شعر، وقالت: هي حل لك، حرام عليهم. سارت بجواره خائفة وجلة أن تقع عليها أعين الرجال ونظراتهم! ولما خرجت من السوق فإذا العرق يتساقط من جبينها الوضاء، فقال وهو يتمنى أن يمسح تلك القطرات بيده: تلك يا زوجتي حبات الحياء خرجت! ولو انهملت مرة بعد أخرى
_________________
(١) قافلة سحاب
[ ١٤٥ ]
وتطاولت بها الأيام لجدبت وغارت فلا تنحدر! أما رأيت الحياء كيف يسقط مرة تلو الأخرى فلا يبقى منه إلا ما يواري السوء! وحين أقبل النهار بساعاته الطويلة لتستقبل الزوج العائد مختبئة خلف الباب، مرحبة بأجمل عبارات الشوق، وكأن الحبيب عائد من سفر سنوات وليس فراق ساعات! وأدنت له من المأكل والمشرب ما لذ وطاب. حدا بها الشوق لتبوح مكنون النفس بكلمات تقدمها ابتسامة صادقة لتلامس قلبه قبل أذنيه.. وعندما استقر به المقام جلست بين يديه تتلهف كلمة يقولها أو همسة من طرف لتجيب بنعم! تنتقل نظراتها إلى ما يجب.. ولما تعثر صغيرهما وهو يجري بخطوات صغيرة أزجت التربية دعاءً مسموعًا: هذا يا زوجي أعده لأمة محمد ﷺ ليكون علمًا من أعلامها وداعية من دعاتها، أقر الله عينك به شهيدًا في سبيل الله مقبلًا غير مدبر! سابق الفرح الأب سنوات قادمة، فإذا به يرى الدعاء حقيقة والأمنية راية يرفعها الصغير علمًا وجهادًا.. لا تسل عن الفرحة وكأنها أهدته
[ ١٤٦ ]
كنوز الدنيا بهذا الأمل المشرق. ولما أدركهما السكن في ليل هادئ كانت له حورية عذبة الكلمة طيبة الرائحة! إن نظر إليها أعاد وكرر فلا يمل، وإن تحدثت فنعم الحديث عذوبة ورقة، وتمنت على زوجها أن يختم يومه بقراءة جزء من القرآن، فناولته المصحف وقالت: لعلك تراجع حفظي فقد تفلت القرآن مني. فكان لها ذلك، وحين جن الليل وأظلم قامت قبل إشراقة الفجر إلى مصلاها فكبرت وأطالت القراءة وأتبعتها بركوع ثم سجود طويل، وكان يسمع الدعاء فخصته قبل نفسها ورفعت حاجته قبل حاجتها حتى سلمت يمنة ويسرة ثم التفتت إليه وقالت: أريد أن أطبق السُنة ولو مرة واحدة ونضحت ماء قليلًا مسحته على عجل بيدها حتى لا يقع على وجهه فيؤذيه ونادته للصلاة فنهض وهو يسمعها الدعاء: جعلك الله زوجتي في الجنة! هنيئًا لك أيها الزوج هذه المرأة الولود الودود، هنيئًا لك امرأة عفيفة ليس لغيرك فيها نصيب، وهنيئًا لامرأة أسلمت قلبها لله ﷿ وتعبدت ذلك طاعة وقربة! إنها
[ ١٤٧ ]
امرأة ليست ضربًا من الخيال بل هي في كثير من البيوت العامرة بالطاعة والإيمان.. لقد صفت القلوب ووقر الإيمان وقرت العين فكانت الحياة الطيبة. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ النحل:٩٧
[ ١٤٨ ]