إن الله ﷿ خلق لنا من هذه الدنيا أزواجًا نسكن إليها، وجعل المودة والرحمة دوحة نستظل بها، ورغبة في تجديد ما تقادم من المعلومات، وتذكير من غفل من الإخوان والأخوات، فإن الحقوق الزوجية عظيمة ويترتب عليها أمور مهمة قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ النساء:١٩. وهذه المرأة - أخي المسلم - التي تحت يدك أمانه عندك، ومسؤول عنها يوم القيامة، هل أديت حقوقها أم فرطت وضيّعت؟!
ومن أهم حقوقها ما يلي:
_________________
(١) دار البر بالرياض بتصرف يسير
[ ١٦٠ ]
أولًا: الوصية بالنساء خيرًا امتثالًا لقول الله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وقول الرسول ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» (١) . وعنه أنه قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ» (٢) .
ثانيًا: إعطاؤها حقوقها وعدم بخسها، فعن معاوية القشيري قال: «مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ قَالَ ﷺ تُطْعِمُهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ» (٣) . وبعض الناس يأخذه الكرم والسخاء مع الأصدقاء
_________________
(١) البخاري ٤٧٨٧، ومسلم ٢٦٧١
(٢) أحمد ٩٢٨٩،وابن ماجه ٣٦٦٨، وحسن الألباني إسناده في الصحيحة ١٠١٥
(٣) أحمد ١٩١٧١، وأبو داود ١٨٣٠، وقال الألباني حسن صحيح في صحيح أبي داود
[ ١٦١ ]
وينسى حق الزوجة، مع أن المرء يؤجر على إنفاقه في بيته أعظم من غيره، كما روى ذلك أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» (١)، وآخرون اتخذوا ضرب زوجاتهم مهنة لهم فلا يرفع يده عنها، وعائشة ﵂ تقول: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (٢) . والرسول ﷺ هو القدوة والمثل. وآخرون اتخذوا الهجر عذرًا وطريقًا لأي سبب حتى وإن كان تافهًا، وربما هجر المسكينة شهورًا لا يكلمها ولا يؤانسها، وقد تكون غريبة عن أهلها أو شابة صغيرة يخشى على عقلها من الوحدة والوحشة.
_________________
(١) أحمد ٩٧٣٦، مسلم ١٦٦١
(٢) أحمد ٢٢٩٠٦، مسلم ٤٢٩٦،والدارمي ٢٢٧٣
[ ١٦٢ ]
ثالثًا: تعليمها العلم الشرعي وما تحتاج إليه من أمور العبادات وحثها وتشجيعها على ذلك، يقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الأحزاب:٣٤، وقالت أم المؤمنين عائشة ﵂ وعن أبيها: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (١) . وعلى الزوج أن يتابع تعليمها القرآن الكريم والسنة المطهرة ويشجعها ويعينها على الطاعة والعبادة، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ طه:١٣٢، قال: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ» (٢)
_________________
(١) مسلم ٥٠٠، وأبو داود ٢٧٠، وابن ماجه ٦٣٤
(٢) أبو داود ١١١٣، والنسائي ١٥٩٢، وابن ماجه ١٣٢٦، وقال الألباني حسن صحيح في صحيح أبي داود
[ ١٦٣ ]
رابعًا: معاملتها المعاملة الحسنة والمحافظة على شعورها وتطييب خاطرها، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
ومن أهم الأمور التي انتشرت في أوساط بعض الأسر المسلمة من المخالفات في تلك المعاملة الحسنة التي أُمرنا بها: بذاءة اللسان، وتقبيح المرأة خِلقةً أو خُلقًا، أو التأفف من أهلها وذكر نقائصهم، وكذلك سب المرأة وشتمها ومناداتها بالأسماء والألقاب القبيحة، ومن ذلك إظهار النفور والإشمئزاز منها.
ومن ذلك أيضًا تجريحها بذكر محاسن نساء أخر، وأنهن أجمل وأفضل، فإن ذلك يكدر خاطرها في أمر ليس لها يد فيه.
ومن المحافظة على شعورها وإكرامها، مناداتها بأحب الأسماء إليها، وإلقاء السلام عليها حين دخول المنزل، والتودد إليها بالهدية والكلمة الطيبة، ومن حسن الخلق وطيب العشرة عدم تصيد أخطائها ومتابعة زلاتها، بل العفو والصفح والتغاضي خاصة في أمور تجتهد فيها
[ ١٦٤ ]
وقد لا توفق. وتأمّل في حديث الرسول ﷺ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا» (١) .
خامسًا: المحافظة عليها من الفساد ومن مواطن الشبه، وإظهار الغيرة عليها، وحثها على القرار في البيت، وإبعادها عن رفيقات السوء، والحرص على أن لا تذهب إلى الأسواق بكثرة وإن ذهبت فاذهب معها، وأن لا تدعها تسافر بدون محرم، واستشعر أن هذه أمانة عندك مسؤول عنها يوم القيامة كما قال الرسول ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (٢)
سادسًا: إعفافها وتلبية حاجاتها، فإن ذلك يحفظها ويغنيها عن التطلع إلى غيرك، واحرص على إشباع حاجاتها العاطفية بالكلمة الطيبة،
_________________
(١) الترمذي ١٠٨٢ وقال حسن صحيح، وأحمد ٧٠٩٥، وحسنه الألباني في الصحيحة ٢٨٤
(٢) البخاري ٦٦٠٥
[ ١٦٥ ]
والثناء الحميد، واقتطع من وقتك لها، واجعل لبيتك نصيبًا من بشاشتك، ودماثة خلقك، روى عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله قال: «يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» (١) . وفي الحديث عن النبي ﷺ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا» (٢) .
سابعًا: التأسي بخير الأزواج في مؤانسة الزوجة وحسن العشرة وإدخال السرور على قلبها، روى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه
_________________
(١) البخاري ١٨٣٩
(٢) مسلم ١٦٧٤
[ ١٦٦ ]
وسلم قال: «لَيْسَ اللَّهْوُ إِلَّا فِي ثَلَاثَةٍ تَأْدِيبِ الرَّجُلِ فَرَسَهُ وَمُلَاعَبَتِهِ امْرَأَتَهُ وَرَمْيِهِ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ» (١) .
ومن أحق منك بحسن الخلق وطيب المعشر، ممن تخدمك وتطبخ لك، وتنظف ثوبك، وتفرح بدخولك، وتربي أبناءك، وتقوم بشؤونك طوال حياتك؟! ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فقد كان ﵊ يسابق عائشة (٢)؛ إدخالًا للسرور على قلبها، ويناديها بيا عائشُ (٣)؛ تقربًا إلى قلبها، وكان ﵊ يؤانسها بالحديث ويروي لها بعض القصص، ويشاور زوجاته في بعض الأمور مثلما شاور أم سلمة في صلح الحديبية (٤)
_________________
(١) أحمد ١٦٦٦٢، والنسائي ٣٥٢٢، وابن ماجه ٢٨٠١، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني ٣١٥
(٢) أبو داود ٢٢١٤
(٣) البخاري ٣٤٨٤، ومسلم ١٦١٩، والنسائي ٣٩٠١، والدارمي ٢٦٩٤
(٤) البخاري ٢٥٢٩، وأحمد ١٨١٥٢، ١٨١٦٦
[ ١٦٧ ]
ثامنًا: تحمّل أذاها والصبر عليها، فإن طول الحياة وكثرة أمور الدنيا لابد أن توجد على الشخص ما يبغض عليه من زوجه، كأي إنسان خلق الله فيه الضعف والقصور. فيجب تحمل الأذى إلا أن يكون في أمر الآخرة: من تأخر الصلاة، أو ترك الصيام، فهذا أمر لا يُحتمل، ولكن المراد ما يعترض طريق الزوج وخاصة الأيام التي تكون فيها الزوجة مضطربة، وتمر بظرف شهري معروف، وقد كان نساء النبي ﷺ يراجعنه، ويقع منهن تصرفات تستوجب الحلم والعفو.
تاسعًا: المحافظة على مالها وعدم التعرض له إلا بإذنها، فقد يكون لها مال من إرث أو عطية أو راتب شهري تأخذه من عملها، فاحذر التعرض له لا تصريحًا ولا تلميحًا ولا وعدًا ولا وعيدًا إلا برضاها، قال الله تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ النساء:٤، وقد كان رسول الله ﷺ أمينًا على مال زوجته خديجة فلم يأخذ إلا حقه ولم يساومها ولم يظهر الغضب والحنق حتى ترضيه بمالها! قال تعالى محذرًا عن أخذ المهر
[ ١٦٨ ]
الذي هو مظنة الطمع وهو من مال الزوج أصلًا: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ النساء:٢٠،٢١. فما بالك بأموال زوجتك، فأخذ المال منها ينافي قيامك بأمر القوامة، ووجوب النفقة عليها حتى وإن كانت أغنى منك، وليحذر الذين يتعدون على أموال زوجاتهم ببناء مسكن أو استثمار ثم يضع مالها باسمه ويبدأ يستقطعه، فإنه مال حرام وأخذ مال بدون وجه حق، إلا بإذن صاحبه.
عاشرًا: من حقوق الزوجة التي عدّد زوجها، العدل بين الزوجات في البقاء والمكث مع كل زوجة والتسوية في المبيت والنفقة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ النحل:٩٠. وقد مال كثير من المعددين، والرسول ﷺ يقول: «مَنْ كَانَتْ لَهُ
[ ١٦٩ ]
امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (١)،و«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» (٢)، وكان ﵊ يراعي العدل وهو في مرض موته حتى أذن له زوجاته فكان في بيت عائشة (٣)
_________________
(١) أبو داود ١٨٢١، وصححه الألباني في صحيح أبي داود
(٢) البخاري ٢٤٠٤، ومسلم ٤٩٧٤
(٣) البخاري ٤٠٩٥،٤٨١٦، وأحمد ٢٢٩٧٤
[ ١٧٠ ]