أمير المؤمنين علي ﵁:
ويقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: " خمس خذوهن عني، فلو ركبتم الفلك ما وجدتموهن إلا عندي: ألا لا يرجون أحد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستنكف العالم أن يتعلم لما ليس عنده، وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل: لا أعلم، ومنزلة الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد" (^١). فما أحسنهن من وصايا نافعة في ميدان العلم والعمل!
ويقول ضرار بن ضمرة الكناني في وصف أمير المؤمنين علي ﵁- مبينًا زهده وورعه، وعبادته وخشوعه، وعلمه وعدله، وتواضعه وقربه من الناس، وإعراضه عن الدنيا-: " كان -والله- بعيدَ المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان -والله- غزير العَبرة، طويل الفكرة، يقلِّب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب (^٢)، كان -والله- كأحدنا؛ يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظِّم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه يميل في محرابه قابضًا على لحيته، يتململ تململ السليم (^٣)، ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا يا ربنا، يتضرع إليه ثم يقول للدنيا: أبي تعرَّضْتِ، أم لي تشوَّقْتِ؟! هيهات هيهات! غُرِّي غيري، قد بنْتُك (^٤)، ثلاثًا، فعمركِ قصير، ومجلسك حقير، وخطرك يسير. آه آه من قلة الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق" (^٥).
_________________
(١) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ٨٤).
(٢) جشب: غلظ وخشن. المعجم الوسيط (١/ ١٢٣).
(٣) السليم: الملدوغ. المعجم الوسيط (١/ ٤٤٦).
(٤) بنتك: فارقتك، المعجم الوسيط (١/ ٨٠).
(٥) حلية الأولياء، لأبي نعيم (١/ ٨٤).
[ ٣٠٩ ]
عبد الله بن مسعود ﵁:
جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ كلمات جامعة، وحكم نافعة في العلم والعمل، فمنها قوله: إنكم في ممر الليل والنهار، في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن زرع خيرًا فيوشك أن يحصد رغبته، ومن زرع شرًا فيوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع. لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يُقدر له. من أُعطي خيرًا فالله أعطاه، ومن وقي شرًا فالله وقاه. المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة. لا يطولنَّ عليكم الأمد، ولا يلهينكم الأمل؛ فإن كل ما هو آت قريب. ألا إن البعيد ما ليس آتيًا، ألا وإن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. شر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة ندامة يوم القيامة، وشر الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، وخير ما أُلقي في القلب اليقين. ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا، حكيمًا حليمًا سكِينًا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيًا، ولا غافلًا ولا سَخّابًا ولا صيّاحًا، ولا حديدًا. إن الله بقسطه وحلمه وعدله جعل الرَّوح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. ما دمتَ في صلاة فأنت تقرع باب الملك، ومن يقرع باب الملك يفتح له. إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها. كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى، أحلاس البيوت (^١)، سُرُج الليل، جُدد القلوب، تعرفون في السماء، وتخفون على أهل الأرض. إن للقلوب شهوة وإدبارًا، فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند تفرقها وإدبارها. ليس العلم بكثرة الرواية،
_________________
(١) يعني: ملازمين لها. المعجم الوسيط (١/ ١٩٢).
[ ٣١٠ ]
ولكن العلم الخشية. ما مُلِئ بيتٌ حبرة إلا مُلئ عَبرة. رُبّ شهوة تورث حزنًا طويلًا. ما على وجه الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان. من استطاع منكم أن يجعل كنزه في السماء حيث لا يأكله السوس، ولا يناله السُرَّاق فليفعل؛ فإن قلب الرجل مع كنزه. لا يُقلّدنّ أحدكم دِينه رجلًا فإن آمن آمن، وإن كفر كفر، وإن كنتم لا بد مقتدين فاقتدوا بالميت؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. لا يكن أحدكم إِمَّعة، قالوا: وما الإمعة؟ قال: يقول: أنا مع الناس إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت. اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة، فإن لم تجده في هذه المواطن فسلِ الله أن يمن عليك بقلب؛ فإنه لا قلب لك (^١).
أبو ذر ﵁:
كان أبو ذر ﵁ يقول للناس: "أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرًا أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا: بلى. قال: فسفرُ طريقِ القيامة أبعد، فخذوا له ما يصلحكم؛ حجوا حجة لعظائم الأمور، صوموا يومًا شديدًا حرُّه لحر يوم النشور، صلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور، تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير" (^٢).
الحسن البصري ﵀:
عن الحسن البصري ﵀ أنه كتب إلى عمر بن عبدالعزيز-محذرًا له من الدنيا- قائلًا: " اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندمَ على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما يفنى وإن كان كثيرًا يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزًا، واحتمال المؤونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مؤونة باقية، فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة الخاتلة، التي قد تزينت بخدعها، وغرت بغرورها، وقتلت أهلها
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٤٥) وما بعدها.
(٢) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٤٣).
[ ٣١١ ]
بأملها، وتشوفت لخطّابها، فأصبحت كالعروس المجلوة، العيونُ إليها ناظرة، والنفوس لها عاشقة، والقلوب إليها والهة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبِر، ولا الآخر بما رأى من الأول مزدجر، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع، ولا العارف بالله والمصدق له حين أُخبر عنها مدِّكر، فأبت القلوب لها إلا حبًّا، وأبت النفوس بها إلا ضنًّا، وما زادت لها إلا عشقًا، ومن عشق شيئًا لم يعقل غيره، ومات في طلبه، أو يظفر به، فهما عاشقان طالبان لها؛ فعاشق قد ظفر بها، واغتر وطغى، ونسي بها المبدأ والمعاد، فشغل بها لبّه، وذهل فيها عقله، حتى زلت عنها قدمُه، وجاءته أسرَّ ما كانت له مَنيّتُه، فعظمت ندامتُه وكثرت حسرته، واشتدت كُربته، مع ما عالج من سكرته واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه، وحسرةُ الموت بغُصتِه، غير موصوف ما نزل به؛ وآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته، فذهب بكربه وغمه، لم يدرك منها ما طلب، ولم يُرح نفسَه من التعب والنصب. خرجا جميعًا بغير زاد، وقدما على غير مهاد، فاحذرها الحذر كله؛ فإنها مثل الحية؛ ليِّنٌ مسُّها وسمُها يقتل، فأعرضْ عما يعجبك فيها؛ لقلة ما يصحبك منها، وضعْ عنك همومها لِما عاينتْ من فجائعها، وأيقنت به من فراقها، وكن أسرَّ ما تكون فيها أحذر ما تكون لها؛ فإنَّ صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور له أشخصته عنها بمكروه، وكلما ظفر بشيء منها وثنى رجلًا عليه انقلبت به. وُصلَ الرخاء فيها بالبلاء، وجُعل البقاء فيها إلى فناء، سرورها مشوب بالحزن، وآخرُ الحياة فيها الضعف والوهن، فانظر إليها نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر نظر العاشق الوامق (^١)، واعلم أنها تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المغرور الآمن، لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يُدرى ما هو آتٍ فيها فيُنتظر، فاحذرها؛ فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر، إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما مُنية قاضية، فلقد كدّت عليه المعيشة إن عقل، وهو من النعماء على خطر، ومن البلوى على حذر، ومن المنايا على يقين، فلو كان الخالق تعالى لم يخبر عنها بخبر ولم يضرب لها مثلًا، ولم يأمر فيها بزهد، لكانت الدار قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله تعالى عنها زاجر، وفيها
_________________
(١) الوامق: المحب.
[ ٣١٢ ]
واعظ فما لها عند الله ﷿ قدْر، ولا لها عند الله تعالى وزن من الصِّغر، ولا تزن عند الله تعالى مقدار حصاة من الحصى، ولا خَلق خلقًا فيما بلغني أبغض إليه من الدنيا، ولا نظر إليها منذ خلقها مقتًا لها، ولقد عرضت على نبينا ﷺ بمفاتيحها وخزائنها ولم ينقصه ذلك عنده جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها، وما منعه من القبول لها ولا ينقصه عند الله تعالى شيء إلا أنه علم أن الله تعالى أبغض شيئًا فأبغضه، وصغر شيئًا فصغّره، ووضع شيئا فوضعه، ولو قبلها كان الدليل على حبّه إياها قبولها، ولكنه كره أن يحب ما أبغض خالقه، وأن يرفع ما وضع مليكه، ولو لم يدله على صغر هذه الدار إلا أن الله تعالى حقرها فلم يجعل خيرها ثوابًا للمطيعين، ولا عقوبتها عذابًا للعاصين، فأخرج ثواب الطاعة منها، وأخرج عقوبة المعصية عنها، وقد يدلك على شر هذه الدار أن الله تعالى زواها عن أنبيائه وأحبائه؛ اختبارا، وبسطها لغيرهم اعتبارًا واغترارا، … ينبغي للعاقل أن لا يأخذ منها إلا قدر قُوْته وما يكفي؛ حذرَ السؤال، وكراهيةً لشدة الحساب، وإنما الدنيا إذا فكرت فيها ثلاثة أيام: يوم مضى لا ترجوه، ويوم أنت فيه ينبغي لك أن تغتنمه، ويوم يأتي لا تدري أنت من أهله أم لا، ولا تدري لعلك تموت قبله، فأما أمس فحكيم مؤدِّب، وأما اليوم فصديق مودِّع، غير أن أمس وإن كان قد فجعك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته، وإن كنت قد أضعته فقد جاءك خلفٌ منه، وقد كان عنك طويل الغَيبة وهو الآن عنك سريع الرحلة، وغدٌ أيضًا في يديك منه أمله، فخذ الثقة بالعمل، واترك الغرور بالأمل، قبل حلول الأجل، وإياك أن تدخل على اليوم همَّ غد أو هم ما بعده، فإن فعلت زدت في حزنك وتعبك، وأردت أن تجمع في يومك ما يكفيك أيامك. هيهات كثر الشغل، وزاد الحزن وعظم التعب ولئن شئت واقتصرت لأصفن لك الدنيا: ساعة بين ساعتين، ساعة ماضية وساعة آتية، وساعة أنت فيها، فأما الماضية والباقية فليس تجد لراحتهما لذة ولا لبلائهما ألمًا، وإنما الدنيا ساعة أنت فيها فخدعتك تلك الساعة عن الجنة، وصيرتك إلى النار، وإنما اليوم إن عقلت ضيفٌ نزل بك، وهو مرتحل عنك، فإن أحسنت نُزله وقِراه شهد لك، وأثنى عليك بذلك، وصدق فيك، وإن أسأت ضيافته ولم تحسن قراه جال في عينيك … فانتقدِ اليوم لنفسك، وأبصر الساعة،
[ ٣١٣ ]
واحذر الحسرة عند نزول السكرة، ولا تأمن أن تكون لهذا الكلام حجة، نفعنا الله وإياك بالموعظة، ورزقنا وإياك خير العواقب، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (^١).
ابن الجوزي ﵀:
يقول ابن الجوزي-حاثًا النفوس على التفكر في مصيرها، وتذكر حسابها، والبكاء على تقصيرها: " إخواني: لو تَفكَّرت النُّفُوسُ فِيمَا بَينَ يَدَيهَا، وَتَذَكَّرَت حِسَابهَا فيما لها وعليها، لبعث حزنُها بريدَ دمها إليها؛ أما يحق البُكاء لمن طالَ عِصيانهُ: نهاره في المعاصي، وقد طال خُسرانه، وليله في الخطايا؛ فقد خفَّ ميزانه، وبين يديه الموت الشديد فيه من العذاب ألوانُه" (^٢).
ويقول- محذرًا من قسوة القلب، وذهول العقل في الهوى، وكثرة الإقبال على الدنيا والمعاصي فيها-: " فيا قياسي القلب، هَلاَّ بكيت على قسوتك، ويا ذاهل العقل في الهوى هَلاَّ ندمت على غفلتك، ويا مقبلًا على الدنيا فكأنك في حفرتك، ويا دائم المعاصي خف من غِبِّ معصيتك؛ ويا سيئ الأعمال نُح على خطيئتك:
يا عاذلَ المُشتاق دَعهُ فَإِنَّه … يطوي عَلى الزَّفَرات غيرَ حشاكا
لَو كانَ قَلبُكَ قَلبَه ما لمتَهُ … حاشاك ممَّا عِندَهُ حاشاكا (^٣).
ويقول واصفًا الفائزين في الدنيا: " لله در أقوام أقبلوا بالقلوب على مقلِّبها، وأقاموا النفوس بين يدي مؤدبها، وسلموها إذ باعوها إلى صاحبها، وأحضروا الآخرة فنظروا إلى غائبها، وسهروا الليالي كأنهم وُكِّلوا بِرَعي كواكبها، ونادوا أنفسهم صبرًا على نار حطبها، ومقتوا الدنيا فما مالوا إلى ملاعبها، واشتاقوا إلى لقاء حبيبهم فاستطالوا مدة المقام بها" (^٤).
_________________
(١) حلية الأولياء، لأبي نعيم (٢/ ١٣٤).
(٢) مواعظ ابن الجوزي (ص: ١).
(٣) مواعظ ابن الجوزي (ص: ٢ - ٣).
(٤) مواعظ ابن الجوزي (ص: ١٤).
[ ٣١٤ ]
ابن القيم ﵀:
ومن أعلام الهدى الإمام ابن القيم ﵀، فهو طبيب من أطباء القلوب، وواعظ من أحسن الوعّاظ، وهذه جملة من مواعظه القصيرة، وحِكمه البليغة الغزيرة، يقول ﵀: " من لم ينتفع بعينه لم ينتفع بإذنه. للعبد ستر بينه وبين الله، وستر بينه وبين الناس، فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس. للعبد رب هو ملاقيه، وبيت هو ساكنه، فينبغي له أن يسترضي ربه قبل لقائه، ويعمر بيته قبل انتقاله إليه. إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها. الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة، فكيف بغم العمر؟. محبوبُ اليوم يعقب المكروه غدًا، ومكروه اليوم يعقب المحبوب غدًا. أعظمُ الربح في الدنيا أن تشغل نفسك كل وقت بما هو أولى بها وأنفع لها في معادها. كيف يكون عاقلًا من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة؟!. يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين: بكاؤه على نفسه، وثناؤه على ربه. المخلوق إذا خفته استوحشت منه وهربت منه، والرب تعالى إذا خفته أنست به، وقربت إليه. لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أحبار أهل الكتاب، ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم المنافقين. دافعِ الخطرة، فإن لم تفعل صارت فكرة، فدافع الفكرة، فإن لم تفعل صارت شهوة فحاربها، فإن لم تفعل صارت عزيمة وهِمَّة، فإن لم تدافعها صارت فعلًا، فإن لم تتداركه بضده صار عادة، فيصعب عليك الانتقال عنها" (^١).
ويقول أيضًا: " من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره ومن خلقه للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشهوات. لما طلب آدم الخلود في الجنة من جانب الشجرة عوقب بالخروج منها، ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا لبث فيه بضع سنين" (^٢).
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٣١).
(٢) الفوائد، لابن القيم (ص: ٣٢).
[ ٣١٥ ]
ويقول أيضًا: "أرض الفطرة رحبة قابلة لما يُغرس فيها، فإن غرست شجرة الإيمان والتقوى أورثت حلاوة الأبد، وإن غرست شجرة الجهل والهوى فكلُّ الثمر مُرٌّ. ارجع إلى الله واطلبه من عينك وسمعك وقلبك ولسانك، ولا تشرد عنه من هذه الأربعة، فما رجع من رجع إليه بتوفيقه إلا منها، وما شرد من شرد عنه بخذلانه إلا منها، فالموفق يسمع ويبصر ويتكلم ويبطش بمولاه، والمخذول يصدر ذلك عنه بنفسه وهواه" (^١).
ويقول أيضًا في التحذير من المعاصي: "إيّاك والمعاصي؛ فإنها أذلّت عز: ﴿اسْجُدُوا﴾ وأخرجت إقطاع ﴿اسْكُنْ﴾. يا لها من لحظة أثمرت حرارة القلق ألف سنة، ما زال يكتب بدم الندم سطور الحزن في القصص، ويرسلها مع أنفاس الأسف، حتى جاءه توقيع: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. فرح إبليس بنزول آدم من الجنة، وما علم أن هبوط الغائص في اللجة خلف الدُرِّ صعود. كم بين قوله لآدم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقوله لك: ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾. ما جرى على آدم هو المراد من وجوده: (لو لم تذنبوا ..) (^٢) يا آدم، لا تجزع من قوله لك: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فلك ولصالح ذريتك خلقتها. يا آدم، كنتَ تدخل عليّ دخول الملوك على الملوك، واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك. يا آدم، لا تجزع من قولي لك: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا ..﴾. يا آدم، لم أخرج إقطاعك إلى غيرك، إنما نحيّتك عنه لأكمل عمارته لك، وليبعث إلى العمّال نفقة: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ ..﴾ تالله ما نفعه عند معصيته عزُّ: ﴿اسْجُدُوا﴾ ولا شرف: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ ..﴾ ولا خصيصة: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ..﴾، ولا فخر: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ..﴾. وإنما انتفع بذل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا …﴾. لما لبس درع التوحيد على بدن الشكر وقع سهم العدو منه في غير مقتل فجرحه فوضع عليه جُبَار الانكسار فعاد كما كان فقام الجريح كأن لم يكن به قَلَبَةٌ. (أي: علّة) (^٣).
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٣٤).
(٢) جزء من حديث: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم" رواه مسلم (٤/ ٢١٠٦).
(٣) الفوائد، لابن القيم (ص: ٣٥).
[ ٣١٦ ]
ويقول أيضًا: " عشرة أشياء ضائعة لا يُنتفع بها: علم لا يعمل به، وعمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء، ومال لا ينفق منه فلا يستمتع به جامعه في الدنيا ولا يقدمه أمامه إلى الآخرة، وقلب فارغ من محبة الله والشوق إليه والأنس به، وبدن معطل من طاعته وخدمته، ومحبة لا تتقيد برضا المحبوب وامتثال أوامره، ووقت معطل عن استدراك فارطه أو اغتنام بر وقربة، وفكر يجول فيما لا ينفع، وخدمةُ مَنْ لا تقرِّبك خدمته إلى الله ولا تعود عليك بصلاح دنياك، وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله وهو أسير في قبضته ولا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. وأعظم هذه الإضاعات إضاعتان هما أصل كل إضاعة: إضاعة القلب، وإضاعة الوقت، فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل، فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاح كله في اتباع لهدى والاستعداد للقاء والله المستعان. العجب ممن تعرض له حاجة فيصرف رغبته وهمته فيها إلى الله ليقضيها له، ولا يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والإعراض، وشفائه من داء الشهوات والشبهات، ولكن إذا مات القلب لم يشعر بمصيبته! " (^١).
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ١١١ - ١١٢).
[ ٣١٧ ]
مطلب اللَّذة
للإنسان مطالب ورغبات يحب تحقيقها، ويسعى إلى تحصيلها، ويبذل في سبيل ذلك ما يستطيع من الأسباب التي توصله إلى مبتغاه. ولا ريب أن " اللذة" من أعلى تلك المطالب، وأسمى تلك الرغائب.
غير أن الناس متباينون في اختيار لذاتهم، وسبل الوصول إليها؛ فمن الناس من همته تحصيل اللذة بأي وسيلة كانت من غير نظر في حلها أو حرمتها، أو استقامة الطريق إليها أو حظرها، ومن دون نظر كذلك في مآلاتها التي ستعقبها وتتمخض عنها. ومن الناس من همته الوصول إلى اللذة، ولكنه يختار أعلاها وأحلها وأدومها وأسلمها من العواقب المؤلمة، ولو فوّت في سبيل الوصول إلى هذه الغاية لذات أخرى، وهذا الثاني هو أعقل الناس، وأحسنهم اختيارًا، وأسلمهم طريقة، وأكملهم لذة.
قال ابن القيم: " مقصود الحياة حصول ما يُنتفع به ويُتلذ به، والحي لا بد له من لذة أو ألم، فإذا لم تحصل له اللذة لم يحصل له مقصود الحياة، كمن هو حي في الدنيا وبه أمراض عظيمة تحول بينه وبين التنعم بما يتنعم به الأصحاء، فهو يختار الموت ويتمناه ولا يحصل له، فلا هو مع الأحياء ولا مع الأموات" (^١).
وقال أيضًا: " واللذة والبهجة والسرور وقرة العين وطيب النفس والنعيم ألفاظ متقاربة المعنى، وهي أمر مطلوب في الجملة، بل ذلك مقصود كل حي، وذلك أمر ضروري من وجوده، وذلك في المقاصد والغايات بمنزلة الحس والعلوم البديهية في المبادئ والمقدمات" (^٢).
_________________
(١) شفاء العليل، لابن القيم (ص: ١٧٤).
(٢) روضة المحبين، لابن القيم (ص: ١٥٥).
[ ٣١٨ ]