وقد اهتدى ابن آدم إلى طريق دفن الميت بفعل مخلوق أصغر منه، مما دلّه على ضعفه وعجزه؛ كي لا يتكبر على الله ويتباهى بقدراته. فقد ظل ابن آدم القاتل يطوف بأخيه المقتول لا يدري ما يفعل بجثته، حتى رأى غرابًا يبحث في التراب ليدفن غرابًا آخر. قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١].
إن الحياة البرزخية هي حياة من عالم الغيب لا يدركها أهل الدنيا، فكل من مات حصل له في القبور من النعيم أو العذاب ما كُتب له، وإن لم يرَ الأحياء ذلك، سواء دفن الميت في التراب، أم أكلته السباع، أم حُرِّق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء، أم غرق في البحر، أم حفظ في وعاء بالتحنيط، أم غير ذلك، فأي ظرف استقر فيه فهو قبره.
الاستعدادَ الاستعداد:
وحينما كان ذلك المآل لابد منه، وما فيه حقيقة صادقة لاشك فيها فإن على العاقل أن يستعد لذلك المنزل بالعمل الصالح الذي يؤنسه في قبره، فيكون له روضة من رياض الجنة لا حفرة من حفر النيران.
عن البراء ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بلَّ الثرى ثم قال: (يا إخواني، لمثل هذا فأعدوا) (^١).
قال مطرّف بن عبد اللّه بن الشّخّير: "القبر منزل بين الدّنيا والآخرة، فمن نزله بزاد ارتحل به إلى الآخرة، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشرّ" (^٢).
وقال: مالك بن مِغوَل": لا تغرّنّك الحياة، واحذر القبر؛ إنّ للقبر شأنًا" (^٣).
_________________
(١) رواه ابن ماجه سنن ابن ماجه (٢/ ١٤٠٣)، وهو حسن.
(٢) أهوال القبور، لابن رجب (ص: ٢٤٤).
(٣) المرجع السابق.
[ ٣٨١ ]
وعن سليم بن عامر قال: خرجنا في جنازة على باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهليّ فلمّا صلّى على الجنازة وأخذوا في دفنها قال أبو أمامة: "إنّكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تغنمون فيه الحسنات والسّيّئات، توشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا- يشير إلى القبر- بيت الوحشة وبيت الظّلمة وبيت الضّيق، إلّا ما وسّع اللّه، ثمّ تنتقلون منه إلى يوم القيامة) (^١).
وعن عمر بن ذرّ أنّه كان يقول في مواعظه: "لو علم أهل العافية ما تضمّنته القبور من الأجساد البالية لجدّوا واجتهدوا في أيّامهم الخالية؛ خوفًا من يوم تتقلّب فيه القلوب والأبصار" (^٢).
وقال النّضر بن المنذر لإخوانه: "زوروا الآخرة بقلوبكم، وشاهدوا الموقف بتوهّمكم، وتوسّدوا القبور بقلوبكم، واعلموا أنّ ذلك كائن لا محالة، فاختار لنفسه امرٌؤ ما أحبّ من المنافع والضّرر" (^٣).
وشهد الحسن البصري جنازة فاجتمع عليه النّاس، فقال: "اعملوا لمثل هذا اليوم- رحمكم اللّه-؛ فإنّما هم إخوانكم يَقدُمُونكم، وأنتم بالأثر، أيّها المخلَّف بعد أخيه إنّك الميّت غدًا، والباقي بعدك الميّت في أثرك أوّلًا بأوّل، حتّى توافوا جميعًا، قد عمّكم الموت واستويتم جميعًا في كربه وغصصه، ثمّ تخلّيتم إلى القبور، ثمّ تنشرون جميعًا، ثمّ تعرضون على ربّكم ﷿" (^٤).
موعظة القبر:
القبر واعظ من الواعظين، وعبرة بليغة للمعتبرين؛ فهو المنزل الذي يفارق ساكنُه
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ٤٢).
(٢) المرجع السابق (ص: ٢٣٨).
(٣) أهوال القبور، لابن رجب (ص: ٢٤٤).
(٤) المرجع السابق.
[ ٣٨٢ ]
دنياه ولذاتِه، وأهله وأقاربه وأحبابه، وهو الذي يبقى فيه المرء وحيدًا فريدًا من غير أنيس من البشر، وهو المكان الذي تتغير فيه ملامح الإنسان فيذهب عن بدنه حسنه ورونقه وجماله وقوته، وهو المكان الذي يلقى فيه المقبور أوائل جزائه الأخروي؛ فلهذا كان لذكره وقعٌ في قلوب الصالحين، ودمعٌ على خدود الناسكين، وجِدٌّ واجتهاد في عمل العاملين الصادقين؛ ولأجل تذكره حث النبي ﷺ على زيارة القبور.
قال رسول الله ﷺ: (زوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة) (^١). وعند مسلم: (فزوروا القبور؛ فإنها تذكر الموت) (^٢).
قال المناوي: " قالوا: ليس للقلوب -سيما القاسية- أنفع من زيارة القبور؛ فزيارتها وذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهون المصائب، وزيارة القبور تبلغ في دفع رَين القلب واستحكام دواعي الذنب ما لا يبلغه غيرها؛ فإنه وإن كان مشاهدة المحتضر تزعج أكثر لكنه غير ممكن في كل وقت، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في كل أسبوع بخلاف الزيارة" (^٣).
قفْ بالمقابرِ وانظرْ إنْ وقفتَ بها … للّه درّك ماذا تسترُ الحفرُ؟
ففيهمُ لك يا مغرورُ موعظةٌ … وفيهمُ لك يا مغترُّ معتبَرُ (^٤).
شيّع عمر بن عبد العزيز مرّةً جنازةً من أهله، ثمّ أقبل على أصحابه ووعظهم، فذكر الدّنيا فذمّها وذكر أهلها، وتنعّمهم فيها، وما صاروا إليه بعدها من القبور، فكان من كلامه أنّه قال: "إذا مررتَ بهم فنادِهم إن كنت مناديا، وادعهم إن كنت داعيا، ومرّ بعسكرهم، وانظر إلى تقارب منازلهم، سل غنيّهم: ما بقي من غناه؟ وسل فقيرهم: ما بقي
_________________
(١) رواه ابن ماجه (١/ ٥٠٠)، وهو صحيح.
(٢) صحيح مسلم (٢/ ٦٧١).
(٣) فيض القدير، للمناوي (٤/ ٦٧).
(٤) أهوال القبور، لابن رجب (ص: ٢٤٤).
[ ٣٨٣ ]
من فقره؟ واسألهم عن الألسن الّتي كانوا بها يتكلّمون، وعن الأعين الّتي كانوا للّذّات بها ينظرون، وسلهم عن الجلود الرّقيقة والوجوه الحسنة والأجساد النّاعمة ما صنع بها الدّيدان تحت الأكفان، وأكلت اللّحيان (^١)، وعُفِّرت الوجوه، ومُحيت المحاسن، وكُسرت الفقار، وبانت الأعضاء، ومُزِّقت الأشلاء. وأين حُجَّابهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم وجمعهم وكنوزهم، وكأنّهم ما وطئوا فراشا، ولا وضعوا هنا متّكأ ولا غرسوا شجرا، ولا أنزلوهم من اللّحد قرارا، أليسوا في منازل الخلوات؟ أليس اللّيل والنّهار عليهم سواء؟ أليسوا في مدلهمّة ظلماء، قد حيل بينهم وبين العمل وفارقوا الأحبّة، وكم من ناعم وناعمة أضحوا ووجوههم بالية، وأجسادهم من أعناقهم بائنة، وأوصالهم ممزّقة، وقد سالت الحَدَق على الوجنات، وامتلأت الأفواه دمًا وصديدًا، ودبّت دوابّ الأرض في أجسادهم، ففرّقت أعضاءهم، ثمّ لم يلبثوا إلّا يسيرًا حتّى عادت العظام رميمًا، فقد فارقوا الحدائق وصاروا بعد السّعة إلى المضائق، قد تزوّجت نساؤهم، وتردّدت في الطّرق أبناؤهم، وتوّزعت القرابات ديارهم وقُراهم، فمنهم -واللّه- الموسّع له في قبره، الغضّ النّاظر فيه المتنعّم بلذّاته، يا ساكن القبر غدًا ما الّذي غرّك من الدّنيا، أين دارك الفيحاء ونهرك المطّرد؟ وأين ثمارك الينيعة؟ وأين رِقاق ثيابك؟ وأين طيبك وبخورك، وأين كسوتك لصيفك وشتائك؟ أما رأيته قد زلّ به الأمر، فما يدفع عن نفسه دخلًا وهو يرشح عرقا، ويتلمّظ عطشا، يتقلّب في سكرات الموت وغمراته، جاء الأمر من السّماء، وجاء غالب القدر والقضاء، هيهات، يا مغمض الوالد والأخ والولد، وغاسله، يا مكفّن الميّت ويا مُدخله في القبر، وراجعًا عنه، ليت شعري بأيّ خدّيك بدأ البلى؟ يا مجاور الهلكات صرت في محلّة الموت، ليت شعري ما الّذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدّنيا وما يأتيني به من رسالة ربّي". ثمّ انصرف فما عاش بعد ذلك إلّا جمعة" (^٢) ﵀.
_________________
(١) اللحيان: العظمان اللذان فيهما الأسنان. المعجم الوسيط (٢/ ٨٢٠).
(٢) أهوال القبور، لابن رجب (ص: ٢٣٨) وما بعدها.
[ ٣٨٤ ]
وروي عنه أنّه قال في آخر خطبة خطبها- رحمة اللّه عليه-: "ألا ترون أنّكم في أسلاب الهالكين (^١)، ثمّ يرثها بعدكم الباقون كذلك، حتّى تردّ إلى خير الوارثين، وفي كلّ يوم تشيّعون غاديًا ورائحًا قد قضى نحبه، فتودّعونه وتدعونه في صدع-شق- من الأرض، غير ممهّد ولا موسّد، قد فارق الأحباب، وخلع الأسباب، وسكن التّراب، وواجه الحساب، غنيًّا عمّا خلّف، فقيرًا إلى ما قدّم. وكان ينشد هذه الأبيات:
من كان حين تُصيب الشّمسُ جبهتَه … أو الغبارُ يخاف الشَّين والشّعثا
ويألف الظّلَّ كي تبقى بشاشتُه … فكيف يسكن يومًا راغمًا جَدثًا؟
في ظلِّ مُقفرةٍ غبراءَ مظلمةٍ … يُطيلُ تحت الثّرى في غمِّه اللّبثا
تجهّزي بجهازٍ تبلغين به … يا نفسُ قبل الرّدى لم تخلقي عبثا (^٢).
وعن الفضيل بن عياض قال: رأيت رجلًا يبكي، قلت: وما يبكيك؟ قال: أبكاني كلامه. قلت: ما هو؟ قال: كنّا وقوفًا في المقابر فأنشدوا:
أتيتُ القبورَ فساءلتُها … فأين المعظَّم والمحتقرْ؟
وأين المُدلُّ بسلطانه؟ … وأين القويُّ إذا ما قدرْ
تفانَوا جميعًا فما مخبر … وماتوا جميعًا ومات الخبر
فيا سائلي عن أناس مضوا … أما لك فيما ترى معتبَر؟
تروح وتغدو بناتُ الثّرى … فتمحو محاسنَ تلك الصّور (^٣).
عن الحسن البصري أنّه مرّ به شابّ، وعليه بردة له حسنة فقال: "ابنُ آدم معجب
_________________
(١) أسلاب: جمع سلب، والسلب: ما يُسلب، يقال: أخذ سلب القتيل ما معه من ثياب وسلاح ودابة. المعجم الوسيط (١/ ٤٤١).
(٢) أهوال القبور، لابن رجب (ص: ٢٣٨).
(٣) المرجع السابق (ص: ٢٢٠).
[ ٣٨٥ ]
بشبابه، معجب بجماله، كأنّ القبر قد وارى بدنك، وكأنّك لاقيت عملك، ويحك! داوِ قلبك؛ فإنّ مراد اللّه إلى عباده صلاح قلوبهم" (^١).
قال جعفر بن محمد المستملي عن أبيه: قرأت على قبر:
مَا حَالُ مَنْ سَكَنَ الثَّرى ما حَالَهُ … أمْسَى وقد قُطِعَتْ هُنَاك حِبَالُهُ
أمْسَى ولا رَوْحُ الحَيَاةِ يُصِيْبُهُ … يَوْمًا ولا لُطْفُ الحَبِيْبِ يَنَالُهُ
أمْسَى وقد دَرَسَتْ مَحَاسِنُ وَجْههِ … وتَفَرَّقَتْ في قَبرِهِ أوْصَالُهُ
واسْتَّبْدَلَتْ منْهُ الْمَجَالِسُ غيْرَهُ … وتُقُسِّمَتْ مِنْ بَعْدِهِ أمْوَالُهُ
أمْسَى وَحيْدًا مُوْحَشًا مُتَفَرِّدًا … مُتَشِتِّتًا بَعد الجَمْيعِ عِيَالُهُ
هَلْ مِنْ قبيْلٍ تَعْلَمْونَ مَكَانَهُ … سَلِمَتْ على حَدَثِ الزَّمانِ رِجَالُهُ (^٢).
وعن صدقة بن مرداس البكري قال: نظرت إلى ثلاثة أقبر على شَرف من الأرض مما يلي بلاد أنطاكية فإذا على أحدها مكتوب:
وكيف يَلذُّ العيشُ من هو عالمٌ … بأن إلهَ الخلق لا بدّ سائلُهْ
فيأخذُ منه ظلمَه لعباده … ويجزيه بالخير الذي هو فاعلُه
وإذا على القبر الثاني:
وكيف يلذ العيشُ من كان موقنًا … بأن المنايا بغتةً ستعاجلُه
فتسلبُه ملكًا عظيمًا ونخوةً … وتُسكنه البيتَ الذي هو آهلُه
وإذا على القبر الثالث إلى جنبهما:
_________________
(١) أهوال القبور، لابن رجب (ص: ٢٤٤).
(٢) العاقبة في ذكر الموت، للإشبيلي (ص: ٢٠٦).
[ ٣٨٦ ]
وكيف يلذ العيش من كان صائرًا … إلى جَدَث تُبلي الشبابَ مناهلُه
ويَذهب رسمُ الوجه من بعد صَونه … سريعًا ويبلى جسمُه ومفاصله (^١).
ووجِد على قبر مكتوبًا:
تناجيك أجداثٌ وهنَّ سكوتُ … وساكنُها تحت التّراب خفوتُ
أيا جامعَ الدّنيا لغير بلاغِهِ … لمن تجمعُ الدّنيا وأنت تموت؟! (^٢).
ووجِد على قبر مكتوبًا:
الموتُ أخرجني من بيت مملكتي … والتُربُ مُضطجعي من بعد تشريفِ
للهِ عبدٌ رأى قبري فأعبرَه … وخافَ من دهره ريبَ التصاريف (^٣).
حفرة من حفر النيران أو روضة من رياض الجنان:
فيا ويل من فارق دنياه إلى تلك الحفرة ولم يكن من أهل الإيمان، بل قَدِمها بالذنوب والعصيان، فهناك العذاب ينتظره، والأهوال تحيط به، والوحشة ترافقه، وتمني العودة إلى الدنيا للعمل الصالح يراوده.
فعذاب القبر لأهله حقٌّ كما ثبت عن رسول الله ﷺ، قال ﵊: (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت لله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ
_________________
(١) التوابين، للمقدسي (ص: ١٣٨). وللأبيات قصة.
(٢) أهوال القبور، لابن رجب (ص: ٢٤٤).
(٣) العاقبة في ذكر الموت، للإشبيلي (ص: ٢٠٦).
[ ٣٨٧ ]
بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ..) (^١).
وكان رسول الله ﷺ يدعو في الصلاة: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم) (^٢).
وأما المؤمن الذي تهيأ لقبره بالإيمان والتقوى، وباعدَ نفسَه عن أسباب العذاب والسخط، فما أسعدَه في قبره، وما أفسح مكانه فيه، وما أجمل حاله بين جنباته! وما أبعده عن عذاب القبر وعنائه! فإنه ينتقل إلى ذلك المنزل فيُذهِب الله خوفَه، ويرزقه الاطمئنان والأمان. قال رسول ﷺ: (إن الميت يصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح في قبره غيرَ فزع، ولا مشعوف (^٣) (^٤).
وعن البراء بن عازب: عن النبي ﷺ قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد ﷺ، فذلك قوله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (^٥).
قال بشر بن الحارث: "نِعم المنزلُ القبر لمن أطاع اللّه" (^٦).
وقال مسروق: "ما من بيت خير للمؤمن من لحده؛ قد استراح من أمر الدنيا، ومن
_________________
(١) رواه مسلم (٤/ ٢١٩٩).
(٢) رواه البخاري (١/ ٢٨٦)، ومسلم (١/ ٤١٢).
(٣) الشعف- بشين معجمة وعين مهملة-: شدة الفزع حتى يذهب بالقلب. حاشية السندي على ابن ماجه (٨/ ١٢٠).
(٤) رواه ابن ماجه (٢/ ١٤٢٦)، وهو صحيح.
(٥) رواه البخاري (١/ ٤٦١)، ومسلم (٤/ ٢٢٠١).
(٦) أهوال القبور، لابن رجب (ص: ٢٤٤).
[ ٣٨٨ ]
عذاب الله (^١).
ضمة القبر:
حتى ضمةُ القبر التي أخبر رسول الله ﷺ أنها كائنة في القبور على كل إنسان فإنها لا تؤذي المؤمن ولا تضره. فعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (إن للقبر ضغطة، ولو كان أحد ناجيًا منها نجا منها سعد بن معاذ) (^٢).
فضمة القبر للمؤمن ضمة رحمة ليس فيها عذاب، وإن كان فيها بعض الألم الذي يذهب سريعًا، وضمة الكافر ضمة سخط فيها عذاب.
وقال الذهبي: " قلت: هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء، بل هو أمر يجده المؤمن، كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه، وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار، ونحو ذلك، فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد، وما هي من عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه" (^٣).
حديث البراء الطويل:
وما أحسن حديث البراء ﵁ وهو يسوق رحلة الإنسان إلى أول منازل الآخرة، ويذكر ما يلقاه في هذه الرحلة، وما الذي يجده كل امرئ إذا استقر في ذلك المكان المنفرد.
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) رواه أحمد (٤٠/ ٣٢٧)، وهو صحيح.
(٣) سير أعلام النبلاء، للذهبي (١/ ٢٩٠)،
[ ٣٨٩ ]
جاء في مصنف ابن أبي شيبة (^١)، ومسند الإمام أحمد (^٢)، ومستدرك الحاكم (^٣)، وشُعَبِ الإيمان للبيهقي (^٤)، بسند صحيح عن البراء بن عازب ﵄ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يُلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، وكأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجئ ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها -يعني: على ملأ من الملائكة- إلا قالوا: ما هذا الرَّوح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيُفتح لهم، فيشيّعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة فيقول الله ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ،
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤).
(٢) مسند أحمد (٣٠/ ٤٩٩).
(٣) المستدرك (١/ ٩٣).
(٤) شعب الإيمان (١/ ٣٥٥).
[ ٣٩٠ ]
فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت، فينادي منادٍ في السماء: أنْ صدقَ عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيّب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: ربِّ أقمِ الساعة؛ حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفّود (^١) من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الرَّوح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠]، فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب، فأفرشوا له من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيَّق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول: أبشر بالذي
_________________
(١) (السفود) عود من حديد ينظم فيه اللحم ليشوى. المعجم الوسيط (١/ ٤٣٢).
[ ٣٩١ ]
يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: ربِّ لا تقم الساعة).
وقد تضمن حديث البراء هذا بعض القضايا المتعلقة بالقبر والمقبور، ومنها:
انفساح القبر وإضاءته، وهو حدث حقيقي يجده الميت، وإن لم يشعر به الأحياء؛ لأن ما في القبر هو من عالم الآخرة. ومنها: سؤال الملكين عن الأصول الثلاثة: عن الرب، وعن الرسول، وعن الدين، فيثبت الله المؤمن فيجيب الإجابة المرضية التي كان يعلمها ويعمل بها في الدنيا، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وأما الكافر فلا يستطيع الجواب عن هذه الأصول الثلاثة؛ لأنه لم يكن يعمل بها في الدنيا. عن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل) (^١).
وقال النبي ﷺ: (إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر والآخر النكير) (^٢).
ومن القضايا التي تناولها الحديث: ذهاب وحشة المؤمن في قبره، وحصول أُنسه بعمله الصالح الذي يأتيه على هيئة رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيّب الرائحة، فيقول له: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت، فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟، فيقول: أنا عملك الصالح.
ومما ذكره الحديث: حصول النعيم لأهل الإيمان في قبورهم، وكذلك العذاب لمن سواهم.
_________________
(١) رواه أبو داود (٣/ ٢٠٩)، والحاكم، (١/ ٥٢٦)، وهو صحيح.
(٢) رواه الترمذي (٣/ ٣٨٣)، وهو صحيح.
[ ٣٩٢ ]
قطوف يانعة من الحكم النافعة
من كلام ابن القيم ﵀
الإمام ابن القيم ﵀ عظيمٌ من عظماء الإسلام، الذين بقي ذكرهم في جبين الزمان مشرقًا متألقًا؛ لما بذلوا من نفيس أوقاتهم، وسنيِّ عمرهم، وزاكي علمهم في خدمة هذا الدين وأهله بما كتبه من المؤلفات الخالدة في شتى فنون العلم والمعرفة، وبقيت هذه المصنفات النافعة شاهدَ عدل على رسوخ ذلك العَلَم الفرد في العلوم، وعظيم إخلاصه لله تعالى، وشدة حرصه على نفع الخلق. ومن أعظم كتبه التي كان له فيها وقفات موَّفقة مع الروح والقلب، ومواعظ حسنة للنفس، وخواطر مشرقة للفكر والعقل؛ كتابُه القيم: " الفوائد"، ورغم صغر حجم هذا الكتاب مقارنة بغيره من كتبه، إلا أنه حيك حياكة حسنة، ودُبِّج تدبيجًا أنيقًا، فضمَّنه نصائح نافعة، ومواعظ جامعة، يحسن بنا أن نقف هنا على ذكر جملة يسيرة من حكمه الغالية، وكلماته البليغة المنيرة، وسأشرح من تلك العبارات بعون الله ما أراه يحتاج إلى شرح.
يقول ﵀:
* الذنوب جراحات، ورُبَّ جرح وقع في مَقتل.
* لو خرج عقلُك من سلطان هواك عادت الدولة له.
* دخلتَ دار الهوى فقامرتَ بعمرك.
* إذا عرضتْ نظرة لا تحل فاعلم أنها مِسْعَرُ حَرْب، فاستتر منها بحجاب: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، فقد سلمت من الأثر: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥].
[ ٣٩٣ ]