وقال ﷺ: (إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار؛ الأعمال بالخواتيم) (^١).
فـ" العمل السابق ليس بمعتبر، وإنما المعتبر العمل الذي ختم به، وهذا فيه حث على المواظبة على الطاعات ومحافظة الأوقات عن المعاصي؛ خوفًا من أن يكون ذلك آخر عمله، كما فيه زجر عن العجب والتفرح بالأعمال؛ فإنه لا يدري ماذا يصيبه في العاقبة" (^٢).
وقال رسول الله ﷺ: (إنما الأعمال بخواتيمها، كالوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله) (^٣).
وقوله: (إنما الأعمال بخواتيمها) يعني: "إنَّ صلاحَها وفسادَها وقَبُولَها وعدمَه بحسب الخاتمة" (^٤).
"قال المهلب: قوله ﷺ: (إنما الأعمال بالخواتيم) هو حكم الله في عباده في الخير والشر، فيغفر الكفر وأعماله بكلمة الحق يقولها العبد قبل الموت قبل المعاينة لملائكة العذاب، وكذلك يحبط عمل المؤمن إذا ختم له بالكفر. ثم كذلك هذا الحكم موجود في الشرع كله كقوله: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح) فكذلك في العصر، فجعله مدركًا لفضل الوقت بإدراك الخاتمة، وإن كان لم يدرك منه إلا أقله، وكذلك من أدرك ليلة عرفة الوقوف بها قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، وتم له ما فاته من مقدماته، كما عهد الذى لم يعمل خيرًا قط أن يحرَّق ويذرى، فكانت خاتمة سوء عمله خشية أدركته لربه
_________________
(١) رواه البخاري (٦/ ٢٤٣٦).
(٢) مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح، للتبريزي (١/ ٤١٩).
(٣) رواه ابن حبان (٢/ ٥١)، وهو حسن.
(٤) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٣/ ١٠).
[ ٤٤٤ ]
تلافاه الله بها فغفر له سوء عمله طول عمره، هذا فعل من لا تضره الذنوب، ولا تنفعه العبادة، وإنما تنفع وتضر المكتسب لها الدائم عليها إلى أن يموت" (^١).
الصالحون والخاتمة:
إن المتقين من الخاتمة في خوف شديد مع حسن عملهم، وإن العصاة المصرِّين في أمن فسيح مع سوء عملهم! قال ابن القيم: ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين، وكأن المسيئين الظالمين قد أخذوا توقيعًا بالأيمان ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٣٩، ٤٠].
يا آمنًا معْ قبيحِ الفعل يصنعُهُ … أَقدْ أتاك أمانٌ أنت تملكهُ؟!
جمعتَ شيئينِ: أمنًا واتباعَ هوى … وواحدٌ منهما للمرء يهلكه
والمحسنون على درب المخاوف قدْ … ساروا وذلك دربٌ لستَ تسلكه! (^٢).
فلا يأمنن أحد انقلاب الحال من طاعة إلى معصية، أو من معصية إلى طاعة، فكلا الحالين متوقعة، "يروى أن رجلًا أسيرًا مسلمًا، وكان حافظًا للقرآن، خُص بخدمة راهبين، فحفظا منه آيات كثيرة؛ لكثرة تلاوته، فأسلم الراهبان وتنصر المسلم، وقيل له: ارجع إلى دينك؛ فلا حاجة لنا فيمن لم يحفظ دينه، فقال: لا أرجع إليه أبدًا، فقُتل" (^٣).
ومهما كان عند الإنسان من عمل صالح، وقربات كثيرة فمن الذي يضمن له الموت على ذلك؛ ولهذا
"قال العلماء: وإذا كانت الهداية إلى الله مصروفة، والاستقامة على مشيئته موقوفة،
_________________
(١) شرح صحيح البخاري - لابن بطال (١٠/ ٣٠٦).
(٢) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ٦٢).
(٣) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، للقرطبي (١/ ٤٦).
[ ٤٤٥ ]
والعاقبة مغيّبة، والإرادة غير مغالبة، فلا تعجب بإيمانك وعملك وصلاتك وصومك وجميع قُربك؛ فإن ذلك وإن كان من كسبك فإنه من خلق ربك وفضله، فمهما افتخرت بذلك كنت كالمفتخر بمتاع غيره، وربما سلب عنك فعاد قلبك من الخير أخلى من جوف البعير، فكم من روضة أمست وزهرُها يانع عميم، فأصبحت وزهرها يابس هشيم، إذ هبّت عليها الريح العقيم، كذلك العبد يمسي وقلبُه بطاعة الله مشرق سليم، فيصبح وهو بمعصية مظلم سقيم! " (^١).
إن القلوب سريعة التقلب كثيرة التحول لا تقر على قرار إلا أن يشاء الله، وهي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، يعني: " يصرفها أسرع من مر الريح على اختلاف في القبول والرد، والإرادة والكراهية وغير ذلك من الأوصاف" (^٢).
"ومن هنا كان الصحابة ومَنْ بعدهم منَ السَّلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق ويشتد قلقهم وجزَعُهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاقَ الأصغرَ، ويخاف أنْ يغلب ذلك عليه عندَ الخاتمة، فيخرجه إلى النفاق الأكبر، فدسائس السوء الخفية تُوجِبُ سُوءَ الخاتمة" (^٣).
ولهذا كان رسول الله يكثر الدعاء بتثبيت القلب، فعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب، ثبِّتْ قلبي على دينك). قال: فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: فقال: (نعم؛ إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله ﷿ يقلبها كما يشاء" (^٤).
وعن أم سلمة ﵂: قالت كان أكثر دعائه: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي
_________________
(١) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، للقرطبي (١/ ٤٥).
(٢) المرجع السابق.
(٣) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٦/ ٣٢).
(٤) رواه أحمد (١٩/ ١٦٠)، والترمذي (٤/ ٤٤٨)، وهو صحيح.
[ ٤٤٦ ]
على دينك، قالت: فقلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، قال: (يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ) (^١).
قال ابن حجر: (وفي دعائه ﷺ: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء، ورفع توهم من يتوهم أنهم يُستثنون من ذلك، وخص نفسه بالذكر إعلامًا بأن نفسه الزكية إذا كانت مفتقرة إلى أن تلجأ إلى الله سبحانه فافتقار غيرها ممن هو دونه أحق بذلك" (^٢).
وقال أيضًا في شرح حديث: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين؛ فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم): "ووجه هذه الخشية: أن البكاء يبعثه على التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله تعالى على أولئك بالكفر مع تمكينه لهم في الأرض وإمهالهم مدة طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه، وهو سبحانه مقلب القلوب فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك. والتفكر أيضًا في مقابلة أولئك نعمة الله بالكفر وإهمالهم إعمال عقولهم فيما يوجب الإيمان به والطاعة له، فمن مر عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتبارًا بأحوالهم فقد شابههم في الإهمال، ودل على قساوة قلبه وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم" (^٣).
لقد كان السلف الصالحون يعظِّمون أمر الخاتمة، ويخشون تقلب الأحوال في نهاية الحياة والانتقال إلى الدار الآخرة؛ لهذا كانوا ينظرون إلى الخاتمة بعين الاهتمام والاعتناء؛ خشية أن يتخبطهم الشيطان في أعقاب حياتهم، وقبيل غروب شمس أيامهم فلذلك ظلوا
_________________
(١) رواه أحمد (٤٤/ ٢٧٨)، والترمذي (٥/ ٥٣٨)، وهو صحيح.
(٢) فتح الباري لابن حجر (٢٠/ ٤٦٤).
(٣) المرجع السابق (٢/ ١٥٧).
[ ٤٤٧ ]
عاملين خائفين، مدركين أن النفس أمارة بالسوء تتربص بالإنسان دوائر الشر، وفتن الشبهات والشهوات كثيرة تقف على كل طريق، والناجون من ذلك قليل والهالكون كثير.
فالإنسان" لا يدري أيسلم له الإيمان عند الموت أم لا؛ فإن ختم له بالكفر حبط عمله السابق؛ لأنه موقوف على سلامة الآخر، ولو سئل الصائم ضحوة النهار عن صحة صومه فقال: أنا صائم قطعًا، فلو أفطر في أثناء نهاره بعد ذلك لتبين كذبه؛ إذ كانت الصحة موقوفة على التمام إلى غروب الشمس من آخر النهار (^١). وكما أن النهار ميقات تمام الصوم فالعمر ميقات تمام صحة الإيمان، ووصفه بالصحة قبل آخره بناء على الاستصحاب وهو مشكوك فيه والعاقبة مخوفة؛ ولهذا كان بكاء أكثر الخائفين لأجل أنها ثمرة القضية السابقة والمشيئة الأزلية التي لا تظهر إلا بظهور المقضي به، ولا مطلع عليه لأحد من البشر، فخوف الخاتمة كخوف السابقة، وربما يظهر في الحال ما سبقت الكلمة بنقيضه فمن الذي يدري أنه من الذين سبقت لهم من الله الحسنى؟ وقيل في معنى قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]. أي: بالسابقة يعني: أظهرتها …، وكان أبو الدرداء ﵁ يحلف بالله ما من أحد يأمن أن يُسلب إيمانُه إلا سُلِبه، وقيل: من الذنوب ذنوب عقوبتها سوء الخاتمة، نعوذ بالله من ذلك" (^٢).
قال وهب بن منبه في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. قال: "إنما يوزن من الأعمال خواتيمها، وإذا أراد الله بعبد خيرًا ختم له بخير عمله، وإذا أراد به شرًا ختم له بشر عمله" (^٣).
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: "إذا رأيتم أخاكم قارف ذنبًا فلا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه، تقولوا: اللهم اخزه، اللهم العنه، ولكن سلوا الله العافية؛ فإنا
_________________
(١) "وما فسد قبل الغروب لا يبرئ الذمة فيخرج عن كونه صومًا، فكذلك الإيمان". إحياء علوم الدين، للغزالي (١/ ١٢٥).
(٢) إحياء علوم الدين، للغزالي (١/ ١٢٤).
(٣) حلية الأولياء، لأبي نعيم (٤/ ٣٣).
[ ٤٤٨ ]
أصحابَ محمد ﷺ كنا لا نقول في أحد شيئًا حتى نعلم علام يموت؛ فإن ختم له بخير علمنا أنه قد أصاب خيرًا، وان ختم له بشر خفنا عليه" (^١).
كما أن المسلم لا ييئس عاصيًا لمعصيته كذلك لا يعجب بعمل عامل حتى ينظر بما يُختم له، ومصداق هذا حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: (لا تعجبوا بأحد حتى تنظروا بماذا يختم له؛ فإن العامل يعمل زمانًا من عمره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه لدخل الجنة، ثم يتحول ليعمل سيئًا، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملًا صالحًا. وإذا أراد الله ﵎ بعبد خيرًا استعمله قبل موته). قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعمله؟ قال: (يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه) (^٢).
وقال إسحاق بن خالد: "ليس شيء أقطع لظهر إبليس من قول ابن آدم: ليت شعري بماذا يختم لي! قال: يئس عندها إبليس ويقول: متى هذا يعجب بعمله؟! فحدثت به مضاء بن عيسى فقال: يا أحمد، عند الخاتمة فظع بالقوم، فحدثت به أبا عبد الله الساجي فقال: واخطراه! " (^٣).
"وقال بعض العارفين لو عرضت علي الشهادة عند باب الدار، والموت على التوحيد عند باب الحجرة؛ لاخترت الموت على التوحيد عند باب الحجرة؛ لأني لا أدري ما يعرض لقلبي من التغيير عن التوحيد إلى باب الدار، وقال بعضهم: لو عرفت واحدًا بالتوحيد خمسين سنة، ثم حال بيني وبينه سارية ومات لم أحكم أنه مات على التوحيد" (^٤).
"فعياذًا بالله من سوء العاقبة، وشؤم الخاتمة، ولقد بكى سفيان الثوري ليلة إلى
_________________
(١) المرجع السابق (٤/ ٢٠٥).
(٢) رواه أحمد (١٩/ ٢٤٦)، وأبو يعلى (٦/ ٤٠١)، والطبراني المعجم الكبير (٨/ ٢٦٤)، وهو صحيح.
(٣) حلية الأولياء، لأبي نعيم (٩/ ٣١١).
(٤) إحياء علوم الدين، للغزالي (١/ ١٢٤).
[ ٤٤٩ ]
الصباح، فلما أصبح قيل له: أكلَّ هذا خوفًا من الذنوب؟! فأخذ تبنة من الأرض وقال: الذنوب أهون من هذه، وإنما أبكي خوفًا من الخاتمة. وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تَخْذُلَهُ ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى. وقد ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء أنه لما احتُضِر جعل يُغمى عليه ثم يُفيق ويقرأ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. فمن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابًا بينهم وبين الخاتمة الحسنى.
قال سهل التستري: خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطرة، وعند كل حركة، وهم الذين وصفهم الله تعالى إذ قال: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]. ولما احتضر سفيان جعل يبكي ويجزع فقيل له: يا أبا عبد الله، عليك بالرجاء؛ فإن عفو الله أعظم من ذنوبك، فقال: أوَ على ذنوبي أبكي؟! لو علمت أني أموت على التوحيد لم أبالِ بأن ألقى الله بأمثال الجبال من الخطايا" (^١).
قال ابن رجب: "وفي الجملة: فالخواتيم ميراثُ السوابق، وكلُّ ذلك سبق في الكتاب السابق، ومن هنا كان يشتدُّ خوف السَّلف من سُوءِ الخواتيم، ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق، وقد قيل: إنَّ قلوب الأبرار معلقةٌ بالخواتيم، يقولون: بماذا يختم لنا؟ وقلوب المقرَّبين معلقة بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا؟. وبكى بعضُ الصحابة عند موته، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنَّ الله تعالى قبضَ خلقَهُ قبضتين، فقال: هؤلاء في الجنَّةِ، وهؤلاء في النار)، ولا أدري في أيِّ القبضتين كنت؟. قال بعض السَّلف: ما أبكى العيونَ ما أبكاها الكتاب السابق! وقال سفيانُ لبعض الصالحين: هل أبكاك قطُّ علمُ الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل: تركتني لا أفرحُ أبدًا. وكان سفيان يشتدُّ قلقُهُ من السوابق والخواتم، فكان يبكي ويقول: أخاف أنْ أكون في أمِّ
_________________
(١) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ١١٧).
[ ٤٥٠ ]
الكتاب شقيًا، ويبكي ويقول: أخافُ أنْ أُسلبَ الإيمانَ عند الموت" (^١). و"هذا لعلمهم بسرعة تقلّب القلوب، في قدرة علام الغيوب" (^٢).
قال الغزالي: "فإن كان خوف العارفين مع رسوخ أقدامهم وقوة إيمانهم من سوء الخاتمة فكيف لا يخافه الضعفاء؟! " (^٣).
علامات حسن الخاتمة (^٤):
إن الشارع الحكيم قد جعل علامات بينات يستدل بها على حسن الخاتمة. -كتبها الله تعالى لنا بفضله ومنه- فأيما امرئ مات بإحداها كانت بشارة له، ويا لها من بشارة.
الأولى: نطق المرء بالشهادة عند الموت، قال رسول الله ﷺ: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) (^٥).
الثانية: الموت برشح الجبين، قال رسول الله ﷺ: (موت المؤمن بعرق الجبين) (^٦).
الثالثة: الموت ليلة الجمعة أو نهارها، قال ﷺ: (ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر) (^٧).
الرابعة: الاستشهاد في ساحة القتال في سبيل الله، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٦/ ٣١).
(٢) قوت القلوب، لأبي طالب المكي (١/ ٣٧٩).
(٣) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ١٧٢).
(٤) استفدت هذه العلامات من كتاب: " أحكام الجنائز" للشيخ الألباني، ﵀، من (ص: ٣٤) وما بعدها.
(٥) رواه الحاكم (١/ ٥٠٣)، وهو حسن.
(٦) رواه أحمد (٣٨/ ١٢٩) والترمذي (٣/ ٣١٠)، والنسائي (٤/ ٥)، وهو صحيح.
(٧) رواه أحمد (١١/ ١٤٧)، والترمذي (٣/ ٣٨٦)، وهو حسن.
[ ٤٥١ ]
فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١].
قال رسول الله ﷺ: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه) (^١).
الخامسة: الموت غازيًا في سبيل الله، قال رسول الله ﷺ: (ما تعدون الشهيد فيكم؟) قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد قال: (إن شهداء أمتي إذًا لقليل) قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: (من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد) (^٢).
السادسة: الموت بالطاعون، قال النبي ﷺ: (الطاعون شهادة لكل مسلم) (^٣).
السابعة: الموت بداء البطن، للحديث السابق: (ومن مات في البطن فهو شهيد) (^٤).
الثامنة والتاسعة: الموت بالغرق والهدم، قال رسول الله ﷺ: (الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله) (^٥).
العاشرة: موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها، عاد رسول الله ﷺ
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢/ ٩٣٥)، وهو صحيح.
(٢) رواه مسلم (٣/ ١٥٢١).
(٣) رواه البخاري (٣/ ١٠٤١) ومسلم (٣/ ١٥٢٢).
(٤) رواه مسلم (٣/ ١٥٢١).
(٥) رواه البخاري (٣/ ١٠٤١) ومسلم (٣/ ١٥٢١).
[ ٤٥٢ ]
عبد الله بن رواحة، فقال: (أتدرون من شهداء أمتي)؟ قالوا: قتل المسلم شهادة، قال: (إن شهداء أمتي إذًا لقليل، قتل المسلم شهادة، والطاعون شهادة، والمرأة يقتلها ولدها جمعًا) (^١).
الحادية عشرة، والثانية عشرة: الموت بالحرق، وذات الجنب (^٢)، قال رسول الله ﷺ: (الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرِق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمع (^٣) شهيدة) (^٤).
الثالثة عشرة: الموت بداء السل، قال رسول الله ﷺ: (ما تعدون الشهيد فيكم)؟ قالوا: الذي يقتل في سبيل الله، قال: (إن شهداء أمتي إذن لقليل، القتل في سبيل الله شهادة، والطاعون شهادة، والنفساء شهادة، والحرق شهادة، والغرق شهادة، والسل شهادة، والبطن شهادة) (^٥).
الرابعة عشرة: الموت في سبيل الدفاع عن المال (المراد غصبه)، قال رسول الله صلى الله عله وسلم: (من قُتل دون ماله فهو شهيد) (^٦).
_________________
(١) رواه أحمد (٢٩/ ٣٣٣)، وهو صحيح.
(٢) قال ابن القيم: وذات الجنب عند الأطباء نوعان: حقيقي وغير حقيقي فالحقيقي: ورم حار يعرض في نواحي الجنب في الغشاء المستبطن للأضلاع. وغير الحقيقي: ألم يشبهه يعرض في نواحي الجنب عن رياح غليظة مؤذية تحتقن بين الصفاقات فتحدث وجعًا قريبا من وجع ذات الجنب الحقيقي إلا أن الوجع في هذا القسم ممدود وفي الحقيقي ناخس. زاد المعاد، لابن القيم (٤/ ٧٤).
(٣) قال ابن الأثير: أي: تَمُوت وفي بَطْنِها وَلَد، وقيل: الَّتي تمُوت بِكْرًا، والجُمْع بالضَّم: بمعْنى المَجْمُوع كالذُّخْر بمعْنى المَذْخُور وكسَر الكسائي الجيم والمعنَى: أنَّها ماتَتْ مع شيء مَجْموع فيها غَيْر مُنْفَصِل عنها من حَمْل أو بَكارَة. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ٨١١).
(٤) رواه أبو داود (٣/ ١٥٦) والنسائي (٤/ ١٣)، وهو صحيح.
(٥) رواه الطبراني المعجم الكبير (٦/ ٢٤٧)، وهو حسن.
(٦) رواه البخاري (٢/ ٨٧٧) ومسلم (١/ ١٢٤).
[ ٤٥٣ ]
الخامسة عشرة، والسادسة عشرة: الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس، قال النبي ﷺ: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله، أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد) (^١).
السابعة عشرة: الموت مرابطًا في سبيل الله، قال رسول الله ﷺ: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان) (^٢).
الثامنة عشرة: الموت على عمل صالح، قال رسول الله ﷺ: (من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها؛ دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله ختم له به دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة) (^٣).
ما أحسنها من خاتمة!
= أبو الحسن النساج لما حضره الموت غشي عليه عند صلاة المغرب، ثم أفاق ودعا بماء فتوضأ للصلاة ثم صلى ثم تمدد وغمض عينيه وتشهد ومات (^٤).
= ابن أبي مريم الغساني لم يفطر من صيامه مع أنه كان في النزع الأخير، وظل صائمًا، فقال له من حوله: لو جرعت جرعة ماء، فقال بيده: لا، فلما دخل المغرب قال: أذّن؟ قالوا: نعم، فقطروا في فمه قطرة ماء، ثم مات (^٥).
= أبو ثعلبة الخشني ومجاهد بن جبر ماتا وهما ساجدان لله تعالى (^٦).
_________________
(١) رواه أبو داود (٤/ ٣٩١) والترمذي (٤/ ٣٠)، وهو صحيح.
(٢) رواه مسلم (٣/ ١٥٢٠).
(٣) رواه أحمد (٣٨/ ٣٥٠)، وهو صحيح.
(٤) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ١١٨).
(٥) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ١١٨).
(٦) الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر (٧/ ٥٩)، الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ١١٨).
[ ٤٥٤ ]
=عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يخرج من بيته إلى المسجد فيصلي وينام وتقبض روحه في المسجد (^١).
=يحيى بن عمار يموت وهو يفسر سورة القيامة (^٢).
= عامر بن ثابت بن عبد الله بن الزبير كان إذا صلى رفع يديه قائلًا: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، قال أبناؤه: وما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني وأنا ساجد. فقام وصلى، فقبض الله روحه وهو ساجد (^٣).
=قال أبو بكر بن عبدويه: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الساوي وراق أبي زرعة يقول: حضرت أبا زرعة بماشهران وكان في السَّوْق-يعني: الاحتضار- وعنده أبو حاتم ومحمد بن مسلم بن واراه والمنذر بن شاذان وجماعة من العلماء فذكروا قول النبي ﷺ: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) فاستحيوا من أبي زرعة، وقالوا: تعالوا نذكر الحديث، فقال أبو عبد الله بن واراه: حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم قال ثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح، ولم يجاوز، والباقون سكتوا، فقال أبو زرعة- وهو في السَّوْق-: ثنا بندار قال ثنا أبو عاصم قال ثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح ابن أبي عريب عن كثير بن مرة الحضرمي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) ومات ﵀ (^٤).
=ذكر ابن أبي الدنيا بإسناد له أن رجلًا من ملوك البصرة كان قد تنسك ثم مال إلى الدنيا والشيطان، فبنى دارًا وشيدها وأمر بها ففرشت له ونجدت واتخذ مأدبة وصنع طعامًا ودعا الناس فجعلوا يدخلون فيأكلون ويشربون وينظرون إلى بنائه ويعجبون منه،
_________________
(١) سير أعلام النبلاء، للذهبي (٥/ ١٠).
(٢) سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ٤٨٢).
(٣) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ١١٨).
(٤) معرفة علوم الحديث، للحاكم (ص: ١٢٥).
[ ٤٥٥ ]
ويدعون له ويتفرقون، فمكث بذلك أيامًا حتى فرغ من أمر الناس، ثم جلس في نفر من خاصة إخوانه فقال: قد ترون سروري بداري هذه وقد حدثت نفسي أن أتخذ لكل واحد من ولدي مثلها، فأقيموا عندي أيامًا أستمتع بحديثكم وأشاوركم فيما أريد من هذا لولدي، فأقاموا عنده أيامًا يلهون ويلعبون ويشاورهم كيف يبني لولده وكيف يريد أن يصنع فبينما هم ذات ليلة في لهوهم إذا سمعوا قائلًا يقول من أقاصي الدار:
يا أيها البانيّ الناسيْ منيَّته … لا تأمننَّ فإن الموت مكتوبُ
على الخلائق إن سُرُّوا وإن فرحوا … فالموتُ حتفٌ لذي الآمال منصوبُ
لا تبنينَّ ديارًا لستَ تسكنُها … وراجعِ النُّسْك كيما يغفر الحُوبُ
قال: ففزع لذلك وفزع أصحابه فزعًا شديدًا وراعهم ما سمعوا من ذلك فقال لأصحابه: هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم، قال: فهل تجدون ما أجد؟ قالوا: وما تجد؟ قال: أجد والله مسكة على قلبي ما أراها إلا علة الموت، قالوا: كلا، بل البقاء والعافية. قال: فبكى وقال: أنتم أخلائي وإخواني فما لي عندكم؟ قالوا: مرنا بما أحببت، قال: فأمر بالشراب فأهريق، وبالملاهي فأخرجت، ثم قال: اللهم إني أشهدك ومن حضر من عبادك أني تائب إليك من جميع ذنوبي، نادم على ما فرطت أيام مهلتي، وإياك أسأل إن أقلتني أن تتم علي نعمتك بالإنابة إلى طاعتك، وإن أنت قبضتني إليك أن تغفر لي ذنوبي تفضلًا منك علي. واشتد به الأمر فلم يزل يقول: الموت والله، الموت والله، حتى خرجت روحه. وكان الفقهاء يرون أنه مات على توبته (^١).
قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]. اللهم اجعلنا ممن ثبتهم.
_________________
(١) العاقبة في ذكر الموت، للإشبيلي (ص: ١٨٠).
[ ٤٥٦ ]
الطريق إلى الخاتمة الحسنة:
أولًا: الإخلاص لله تعالى في العبادة، فمن عبد الله تعالى وأخلص له في ذلك وفقه الله لحسن الخاتمة، ومن كان في قلبه نفاق أو رياء تخبط به الشيطان في أعقاب حياته، وإنما يتعثر من لم يخلص.
قال ﷺ: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة) (^١).
قال ابن حجر في الرجل الأول: "وهو محمول على المنافق والمرائي" (^٢).
ثانيًا: تصفية القلب من كل عقيدة فاسدة من كفر ونفاق وبدعة، قال رسول الله ﷺ: (من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار) (^٣).
قال الغزالي: "ولسوء الخاتمة أسباب تتقدم على الموت مثل: البدعة والنفاق والكبر وجملة من الصفات المذمومة" (^٤).
ثالثًا: المداومة على العمل الصالح وتركِ العمل الطالح، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢]. قال ابن كثير: " أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه؛ فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن
_________________
(١) رواه البخاري (٣/ ١٠٦١)، ومسلم (١/ ١٠٦).
(٢) فتح الباري (١١/ ٤٨٧).
(٣) رواه مسلم (١/ ٩٤).
(٤) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ١٧٢).
[ ٤٥٧ ]
مات على شيء بعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك" (^١).
رابعًا: دوام ذكر الخاتمة والخوف من سوئها والخشية من الانحراف بعد الاستقامة، فإن من كانت الخاتمة غير منسية عنده اهتم بالعمل وخاف الانتكاسة عن الطريق فبقي بذلك على الجادة. وقد كان رسول الله ﷺ يستعيذ من (الحَوْر بعد الكَور) (^٢).
ومعناه: الرجوع من شيء إلى شيء من الشر، والمراد الاستعاذة من: الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، ومن الاستقامة أو الزيادة إلى النقص" (^٣).
خامسًا: تجديد التوبة في كل حين، فمن استقام على الطريق فهفا فعمل معصية: فإن كان موفقًا بادر إلى التوبة منها، ولم يسوف ويؤجل الرجوع إلى ربه، فمن كلما أحدث ذنبًا سارع إلى التوبة رزق حسن الخاتمة، وربما قبض على توبته.
"قال لقمان لابنه: يا بني، لا تؤخر التوبة؛ فإن الموت يأتي بغتة، وقال بعض الحكماء: لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الأمل" (^٤).
سادسًا: الدعاء بحسن الخاتمة وبثبات القلب على دين الله وطاعته، وما أعظمه من طريق!
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران ٨].
كان ﵊ يدعو فيقول: (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها،
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٤٧٦).
(٢) رواه مسلم (٢/ ٩٧٩).
(٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١١١).
(٤) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٣٧٠).
[ ٤٥٨ ]
وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة) (^١).
وكان النبي ﷺ يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب، ثبِّتْ قلبي على دينك) (^٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء) (^٣).
قال ابن بطال: " (ودرك الشقاء) ينقسم قسمين: فيكون في أمور الدنيا، وفى أمور الآخرة، وكذلك (سوء القضاء) وهو عام أيضًا في النفس والمال والأهل والخاتمة والمعاد" (^٤).
وقال السيوطي: " (درك الشقاء) -بفتح الراء والمعجمة والمد-: أي: لحاقه، والمراد به: سوء الخاتمة، نعوذ بالله منه" (^٥).
كان عامر بن ثابت بن عبد الله بن الزبير إذا صلى رفع يديه قائلًا: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، قال أبناؤه: وما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني وأنا ساجد. فقام وصلى، فقبض الله روحه وهو ساجد (^٦).
سابعًا: التوفيق من الله تعالى، وهذا ليس بيد الإنسان وإنما هو بيد الله، ولكن يدعو العبد بأن يرزق هذا التوفيق.
قال رسول الله ﷺ: (إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله) قالوا:
_________________
(١) رواه أحمد (٢٩/ ١٧١)، وابن حبان (٣/ ٢٢٩)، وهو حسن.
(٢) رواه أحمد (١٩/ ١٦٠)، والترمذي (٤/ ٤٤٨)، وهو صحيح.
(٣) رواه البخاري (٥/ ٢٣٣٦)، ومسلم (٤/ ٢٠٨٠).
(٤) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ١١٠).
(٥) شرح السيوطي لسنن النسائي (٨/ ٢٦٨).
(٦) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ١١٨).
[ ٤٥٩ ]
وكيف يستعمله؟ قال: (يوفقه لعمل صالح قبل موته) (^١).
قال ابن رجب: " وهؤلاء منهم: من يوقظ قبل موته بمدة يتمكن فيها من التزود بعمل صالح يختم به عمره، ومنهم: من يوقظ عند حضور الموت فيوفق لتوبة نصوح يموت عليها" (^٢).
وعن عبد الله بن عمرو قال: "من تاب قبل موته عامًا تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، حتى قال: يومًا، حتى قال: ساعة، حتى قال: فُواقًا (^٣)، قال: قال الرجل: أرأيت إن كان مشركًا أسلم؟ قال: إنما أحدثكم كما سمعت من رسول الله ﷺ" (^٤).
سوء الخاتمة-نعوذ بالله منها-:
إن سوء الخاتمة أمر يستجيش دموع المؤمنين، ويخيف قلوب الصادقين؛ ذلك أن الإنسان لا يدري ما خاتمته وما كُتب له عند الله حين فراقه للدنيا؛ فلذلك يعمل صادقو الإيمان ما يوصلهم إلى هذا الأمر المخوف، والمصرع المهلك.
قال أبو محمد الإشبيلي: "اعلم رحمك الله أن هذا أمر إذا ذكر حقيقة ذكره انفطرت له القلوب، وتشققت وانصدعت له الأكباد وتقطعت، ولولا أن الآجال محدودة، والأنفاس معدودة فلا يتجاوز ذلك المحدود ولا يزاد على ذلك المعدود؛ لزهقت الأنفس عند أول ذكره زهوقًا، لا تجد لسرعته طعم وفاة، بل تكاد تنعدم معه انعدامًا لا تعود معه إلى وجود ولا حياة، ولكنها مربوبة مدبرة مقهورة مصرفة، تخرج إذا أذن لها في الخروج، وتلج إذا أذن لها في الولوج، وقد كتب عليها الوجود والبقاء فلا انعدام ولا مطمع لها في ذلك ولا مرام.
_________________
(١) رواه أحمد (١٩/ ٩٤)، وأبو يعلى (٦/ ٤٠١)، وهو صحيح.
(٢) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٣٧٠).
(٣) الفُوَاقُ" بضم الفاء وفتحها: الزمان الذي بين الحلْبتين. المصباح المنير، للفيومي (ص: ٢٥٠).
(٤) رواه أحمد (١١/ ٥١٧)، وهو حسن.
[ ٤٦٠ ]
وما يمنع القلوبَ -رحمك الله- من الانشقاق والانصداع والانفطار والانقطاع؛ والذي يلقى المختوم له بهذه الخاتمة عذاب لا تقوم السموات والأرض لشدته ولا آخر لمدته، وما منا أحد إلا ويخاف أن يكون هو، وما الذي أمّنه منه، وما الذي حاد به عنه، والخاتمة مغيبة، والعاقبة مستورة، والأقدار غالبة، والنفس كما تدري، والشيطان منها بحيث تدري، وهي مصغية إليه، ملتفتة نحوه مقبلة عليه؟! " (^١).
وقال أيضًا: "فانظر -رحمك الله- كيف تقر عينُ عاقل في هذه الدار، وكيف يستقر به فيها قرار مع هذه الحال، وتوقع هذا المآل، واشتغال هذا الخاطر وتقسم هذا البال، كلا لا حلول له ولا قرار، ولا ريع ولا دار، ولا قلب إلا مستطار، ولا نوم ينامه إلا غرار، حتى يدري أين مسقط رأسه، ومحط رجله، وما المورد والمنهل، وفي أي المحال يحل، وفي أي المنازل بعد الموت ينزل، كما قال الأول:
وكيف تنامُ العينُ وهي قريرةٌ … ولم تدرِ في أيِّ المنازل تنزلُ!
وقد بكى أولو الألباب على هذا فأكثروا، وسهروا من أجله الليالي الطويلة وأسهروا، ورام عاذلوهم كفهم عما هم فيه فلم يقدروا، وكلموهم في الإقصار فلم يقصروا، ولم يسمعوا ولم يبصروا، وذلك للعلم الذي لاح لهم، والتأييد الذي شملهم، والتوفيق الذي قطع عنهم ما صدهم عن طريق الله ﷿ وشغلهم، وربما هبّت عليهم نفحات الرجاء فاستبشروا وسكنوا من ذلك الهيجان وفتروا، ثم ذكروا ما هم معرضون له فعادوا لما كانوا عليه من الاجتهاد وربما زادوا عليه وأكثروا، ومع هذا فإنهم لشدة خوفهم وكثرة جزعهم يحسبون كل صيحة عليهم ويظنون كل إشارة إنما يشار بها إليهم،
وبكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح فقيل له: أبكاؤك هذا على الذنوب؟! فأخذ تبنة من الأرض وقال: الذنوب أهون من هذه إنما أبكي خوف الخاتمة.
وبكى سفيان وغير سفيان؛ لأنه الأمر الذي يبكى عليه، ويصرف الاهتمام كله إليه،
_________________
(١) العاقبة في ذكر الموت، للإشبيلي (ص: ١٧١).
[ ٤٦١ ]
وقال القائل:
والذي أبكى الجفونَ دمًا … فغدتْ من ذاك في عُذرِ
سابقٌ لم يدرِ كيف جرى … في القضاء الحتم والقَدَرِ
وأمور في الورى خفيتْ … عن ذوي الألباب والنظر
فدعِ الأنفاسَ صاعدةً … ودموعَ العين تنحدرِ
وابكِ لا جفّتْ دموعُك ما … ضاع من أيامك الغُرر" (^١).
خاتمة سيئة:
= يروى أنه كان بمصر رجل يلزم مسجدًا للأذان والصلاة فيه، وعليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة، فرقي يومًا المنارة على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لذميٍّ نصراني فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار فافتتن بها، فترك الأذان ونزل إليها ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك وما تريد؟ فقال: أنت أريد. قالت: لماذا؟ قال لها: قد سلبت لبي، وأخذت بمجامع قلبي، قالت له: لا أجيبك إلى ريبة. قال لها: أتزوجك، قالت: أنت مسلم وأنا نصرانية وأبي لا يزوجني منك، قال لها: أتنصر، قالت: إن فعلت أفعل، فتنصر الرجل ليتزوجها، وأقام معهم في الدار، فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات، فلا هو بها اتصل، ولا هو بدينه حصل، فنعوذ بالله ثم نعوذ بالله (^٢).
= يروى أن بعض رجال الناصر بن علناس نزل به الموت فجعل ابنه يقول له: قل: لا إله إلا الله، فقال: الناصرُ يا مولاي، فأعاد عليه فأعاد هو، ثم أصابته غشية فلما أفاق قال: الناصر يا مولاي، ثم قال لابنه: يا فلان، الناصر إنما يعرفك بسيفك، فالقتل ثم القتل. ثم مات (^٣).
_________________
(١) العاقبة في ذكر الموت، للإشبيلي (ص: ١٧٣).
(٢) المرجع السابق (ص: ١٨١).
(٣) المرجع السابق (ص: ١٧٨).
[ ٤٦٢ ]
= وقيل لآخر وقد نزل به الموت: قل: لا إله إلا الله، فقال: الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا، والجنان الفلاني افعلوا فيه كذا (^١).
= ونزل الموت برجل فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول بالفارسية: ده يازده دوازده. -تفسيره: عشرة أحد عشر اثنا عشر- كان هذا الرجل من أهل العمل والديوان، فغلب عليه الحساب والميزان (^٢).
= روي أن رجلًا نزل به الموت فقيل له: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ (^٣).
= وقيل لبعضهم قل: لا إله إلا الله، فقال: آه! آه! لا أستطيع أن أقولها! (^٤).
= وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاتا .. ننتنتا .. حتى قضى!! (^٥).
= وقيل لآخر ذلك، فقال: ما ينفعني ما تقول؛ ولم أدع معصية إلا ركبتها! ثم قضى ولم يقلها! (^٦).
= وقيل لآخر ذلك، فقال: وما يغني عني؛ وما أعلم أني صليت لله تعالى صلاة، ثم قضى ولم يقلها!!! (^٧).
= وقيل لآخر ذلك، فقال: هو كافر بما تقول!! وقضى! (^٨).
_________________
(١) العاقبة في ذكر الموت، للإشبيلي (ص: ١٧٩).
(٢) المرجع السابق.
(٣) المرجع السابق.
(٤) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ٦٢).
(٥) المرجع السابق.
(٦) المرجع السابق.
(٧) المرجع السابق.
(٨) المرجع السابق.
[ ٤٦٣ ]
= وقيل لآخر ذلك، فقال: كلما أردت أن أقولها فلساني يمسك عنها!! (^١).
تعليق ابن القيم:
"وسبحان الله كم شاهد الناس من هذا عبرًا، والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم، وإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان واستعمله بما يريده من المعاصي، وقد أغفل قلبه عن ذكر الله تعالى، وعطل لسانه من ذكره وجوارحه عن طاعته؛ فكيف الظن به عند سقوط قواه واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع، وجمع الشيطان له كل قوته وهمته، وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرصته، فإن ذلك آخر العمل، فأقوى ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت، وأضعف ما يكون هو في تلك الحالة. فمن ترى يسلم على ذلك؟
فهناك: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]. فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا، فبعيد مَنْ قلبه بعيد من الله تعالى غافل عنه، متعبد لهواه أسير لشهواته، ولسانُه يابس من ذكره، وجوارحه معطلة من طاعته، مشتغلة بمعصية الله؛ أن يوفق لحسن الخاتمة" (^٢)؟!.
أسباب سوء الخاتمة (^٣):
للنهاية الشقية-أعاذنا الله منها- أسباب توصل إليها، نذكرها للتحذير منها، فمنها:
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ٦٢).
(٣) تنبيه: من ختم له من المسلمين بمعصية غير الكفر أو بفعل مباح شغل قلبه في الحياة كالتجارة والزراعة ونحوهما فإن ذلك لا يعني خلوده في النار وحرمانه الجنة، بل إن لم تغفر له خطاياه فإنه يعذب بقدر ذنوبه ثم يصير إلى الجنة ما دام أنه من الموحدين. ولكن شتان بين من مات على عمل صالح يبعث عليه وبين من لم يكن كذلك، والله أعلم.
[ ٤٦٤ ]
فساد العقيدة والنية، الإصرار على عظائم الذنوب، الاستمرار على كثرة الخطايا من غير توبة، الإقبال الكثير على الدنيا والغفلة عن الآخرة.
وتفصيل ذلك من كلام أهل العلم كالآتي:
قال أبو محمد الإشبيلي: " واعلم رحمك الله أن لسوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- أسبابًا، ولها طرق وأبواب: أعظمها: الإكباب على الدنيا والإعراض عن الأخرى، والإقدام بالمعصية على الله تعالى.
وربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة ونوع من المعصية، وجانب من الإعراض ونصيب من الافتراء، فملك قلبه وسبى عقله، وأطفأ نوره، وأرسل عليه حجبه، فلم تنفع فيه تذكرة، ولا نجعت فيه موعظة، فربما جاءه الموت على ذلك، فسمع النداء من مكان بعيد فلم يتبين المراد، ولا علم ما أراد وأن أعاد عليه وأعاد.
واعلم أن سوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- لا يكون لمن استقام ظاهره، وصلح باطنه، وإنما يكون ذلك لمن كان له فساد في العقل، وإصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة، ويثب عليه قبل الإنابة، ويأخذه قبل إصلاح الطوية، فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة، والعياذ بالله ثم العياذ بالله أن يكون لمن كان مستقيمًا لم يتغير عن حاله ويخرج عن سنته، ويأخذ في غير طريقه فيكون ذلك سببا لسوء الخاتمة وشؤم العاقبة، والعياذ بالله ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١].
وقد سمعت بقصة بلعام بن باعوراء وما كان آتاه الله من آياته وأطلعه عليه من بيناته، وما أراه من عجائب ملكوته، أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فسلبه الله سبحانه جميع ما أعطاه، وتركه مع من استماله وأغواه" (^١) (^٢).
_________________
(١) العاقبة في ذكر الموت، للإشبيلي (ص: ١٧٨).
(٢) قال ابن حجر في شرح حديث ابن مسعود: (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة …): " وفيه الحث على الاستعاذة بالله تعالى من سوء الخاتمة، وقد عمل به جمع جم من السلف وأئمة الخلف، وأما ما قال عبد الحق في " كتاب العاقبة ": إن سوء الخاتمة لا يقع لمن استقام باطنه وصلح ظاهره، وإنما يقع لمن في طويته فساد أو ارتياب، ويكثر وقوعه للمصر على الكبائر والمجترئ على العظائم فيهجم عليه الموت بغتة فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة، فقد يكون ذلك سببًا لسوء الخاتمة نسأل الله السلامة؛ فهو محمول على الأكثر الأغلب". فتح الباري لابن حجر (١٨/ ٤٣٧).
[ ٤٦٥ ]
وقال ابن القيم-وهو يتكلم عن آثار المعاصي-: "وثَم أمرٌ أخوف من ذلك وأدهي وأمرّ وهو: أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد الناس كثيرًا من المحتضرين أصابهم ذلك" (^١)، وقال أيضًا: " وإذا نظرت إلى حال كثير من المحتضرين وجدتهم يحال بينهم وبين حسن الخاتمة عقوبة لهم على أعمالهم السيئة" (^٢).
وقال أبو طالب المكي: " وأكثر ما يقع سوء الخاتمة لثلاث طوائف من الناس: أهل البدع والزيغ في الدين؛ لأن إيمانهم مرتبط بالمعقول، والطبقة الثانية: أهل الكبر والإنكار، والطبقة الثالثة: ثلاثة أصناف: متفرقون متفاوتون في سوء الخاتمة، وجميعهم دون تينك الطائفتين في سوء الخاتمة؛ لأن سوء الختم على مقامات أيضًا كمقامات اليقين والشك في عمر الحياة: منهم المدعي المتظاهر الذي لم يزل إلى نفسه وعمله ناظرًا، والفاسق المعلن، والمصرّ المدمن. فهذه الأسباب تجلب الخوف وتقطع قلوب ذوي الألباب (^٣).
وقال صديق حسن خان: " باب في سوء الخاتمة وبيان الخوف والرجاء، قال في مجالس الأبرار: وله أسباب يجب على المؤمن أن يحترز عنها، منها:
الفساد في الاعتقاد، وإن كان مع كمال الزهد والصلاح؛ فإن كان له فساد في اعتقاده مع كونه قاطعًا به متيقنًا له غير ظان أنه أخطأ فيه قد ينكشف له في حال سكرات الموت
_________________
(١) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ٦٢).
(٢) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ١١٦).
(٣) قوت القلوب، لأبي طالب المكي (١/ ٣٧٨).
[ ٤٦٦ ]
بطلان ما اعتقده من الاعتقادات الحقة، فيكون انكشاف بطلان بعض اعتقاداته سببا لزوال بقية اعتقاداته … فإن كل من اعتقد شيئًا على خلاف ما هو عليه فهو واقع في هذا الخطر ولا يدفعه الزهد والصلاح وإنما يدفعه الاعتقاد الصحيح المطابق لكتاب الله وسنة رسوله … ومنها الإصرار على المعاصي؛ فإن من له إصرار عليها يحصل في قلبه إلفها، وجميع ما ألفه الإنسان في عمره يعود ذكره عند موته، فإن كان ميله إلى الطاعات أكثر يكون أكثر ما يحضره عند الموت ذكر الطاعات، وإن كان ميله إلى المعاصي أكثر يكون أكثر ما يحضره عند الموت ذكر المعاصي .. ومنها العدول عن الاستقامة؛ فإن من كان مستقيمًا في ابتدائه ثم تغير عن حاله وخرج مما كان عليه في ابتدائه يكون سببًا لسوء خاتمته" (^١).
وقال ابن رجب: "وقوله: ﴿فيما يبدو للناس﴾ إشارةٌ إلى أنَّ باطنَ الأمر يكونُ بخلافِ ذلك، وإنَّ خاتمة السُّوءِ تكونُ بسبب دسيسةٍ باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سُوءَ الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجلُ عملَ أهل النَّارِ وفي باطنه خصلةٌ خفيةٌ من خصال الخير، فتغلب عليه تلكَ الخصلةُ في آخر عمره، فتوجب له حسنَ الخاتمة. قال عبد العزيز بن أبي روَّاد: حضرت رجلًا عند الموت يُلَقَّنُ لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافرٌ بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألتُ عنه، فإذا هو مدمنُ خمرٍ. فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب؛، فإنَّها هي التي أوقعته" (^٢).
اللهم إنا نسألك الخاتمة الحسنة، ونعوذ بك من الخاتمة السيئة بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
_________________
(١) يقظة أولي الاعتبار (ص: ٢١١).
(٢) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٦/ ٣٠).
[ ٤٦٧ ]
دارُ الجحيم
-أعاذنا الله منها-
خلق الله تعالى الإنس والجن ليعبدوه وحده لا شريك له، وأخبرهم أن من حاد عن هذا الطريق وهو من المكلَّفين فإن مصيره في الآخرة إلى نار عظيمة يلقى فيها العذاب الأليم.
التخويف من النار والأمر باتقائها:
إن الله تعالى رحيم بعباده حليم عليهم، لا يريد تعذيبهم، وإنما هم الذين يسعون إلى تعذيب أنفسهم، قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].
قال سفيان بن عيينة: "خُلقت النار رحمةً يخوِّف بها عباده لينتهوا" (^١).
فلأجل هذا أنذر الله عباده النار؛ كي يبتعدوا عن سبل الوصول إليها، وبيّن لهم أن ذلك العذاب قريب لا بعيد مهما امتدت بهم الأعمار، فقال سبحانه: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤].
"أي: تتقد وتتلهب تلهبًا هو في غاية الشدة من غير كلفة فيه على موقدها أصلًا ولا أحد من خزنتها" (^٢).
"قرأ عمر بن عبد العزيز ليلة في صلاته سورة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ فلما بلغ قوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]. بكى فلم يستطع أن يجاوزها، ثم عاد فتلا السورة
_________________
(١) حلية الأولياء، لأبي نعيم (٧/ ٢٧٥).
(٢) نظم الدرر، للبقاعي (٨/ ٦٧٠).
[ ٤٦٨ ]
حتى بلغ الآية فلم يستطع أن يجاوزها مرتين أو ثلاثًا، ثم قرأ سورة أخرى غيرها! " (^١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠]. " والعذاب عذاب الآخرة، وكل ما هو آت فهو قريب، وقد قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] " (^٢).
وكذلك أمر ﷾ باتقاء النار قبل القدوم على دار القرار، فقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
ولما وقع هذا الإنذار والتخويف من النار موقعه العظيم من قلوب العقلاء أقبلوا على ربهم مسارعين إلى طاعته، مبتعدين عن معصيته، وصحبهم الخوف من عذابه حتى صاروا زاهدين صالحين.
كان الحسن يقول: "إن المؤمنين قوم ذلت والله منهم الأسماع والأبصار والأبدان، حتى حسبهم الجاهل مرضى وهم والله أصحاب القلوب ألا تراه يقول: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]. والله لقد كابدوا في الدنيا حزنًا شديدًا، وجرى عليهم ما جرى على من كان قبلهم، والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولكن أبكاهم وأحزنهم الخوفُ من النار" (^٣).
قال العباس بن الوليد عن أبيه: "كان الأوزاعي إذا ذكر النار لم يقطع ذكرها، ولم يقدر أحد أن يسأله عن شيء حتى يسكت، فأقول بيني وبين نفسي: ترى بقي أحد في المجلس لم يتقطع حسرات"؟! (^٤).
_________________
(١) التخويف من النار، لابن رجب (ص: ١٠٦).
(٢) تفسير القرطبي (١٩/ ١٨٨).
(٣) التخويف من النار، لابن رجب (ص: ٣٤).
(٤) المرجع السابق.
[ ٤٦٩ ]