العلم بدين الله تعالى وظيفة شريفة، ومنزلة في الفضل مُنيفة؛ فهو النور الذي ينير لصاحبه الطريق إلى ربه، فيعرِّفه الحلال ليأتيه، والحرام ليجتنبه. وهو الدليل الذي يرشد حامله إلى محاسن الأخلاق والأعمال بين الخلق، فيتعامل معهم وفق ما يرضي خالقه ﷾. وهو المنادي الحاثُّ على المسارعة إلى العبادة، والمبيّن للسبيل الصالح في أدائها. وهو الموئل الأمين الذي يرجع إليه ذو العلم فيعرف من خلاله تفسير الأمور والحكم عليها، والفصل في أحداث الحياة وموقفه منها.
فضل العلم وأهله:
فمما يدل على فضل العلم بشريعة الله تعالى:
أولًا: أن الله لم يأمر بطلب الزيادة إلا من العلم، فقال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
قال ابن حجر: "وقوله ﷿: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ واضح الدلالة في فضل العلم؛ لأن الله تعالى لم يأمر نبيه ﷺ بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم، والمراد بالعلم: العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، وتنزيهه عن النقائض، ومدارُ ذلك على التفسير والحديث والفقه" (^١).
ثانيًا: أنه طريق إلى الجنة؛ قال رسول الله ﷺ: (مَنْ سلك طريقا
_________________
(١) فتح الباري (١/ ١٤١).
[ ٤٢ ]
يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة) (^١). "أي: من مشى إلى تحصيل علم شرعي قاصدًا به وجه الله تعالى، جازاه الله عليه بأن يوصله إلى الجنة مسلَّما مكرمًا" (^٢).
أما أهله الحاملون له، العاملون به فلهمْ بسببه فضل عظيم، وشرف كبير، ومما يدل على ذلك: قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]. قال ابن القيم: " وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه: أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر، والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته، والثالث: اقترانها بشهادة ملائكته، والرابع: أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم؛ فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول … " (^٣). وذكر﵀- وجوهًا أخرى.
ومما يدل على فضلهم: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. قال الشوكاني: " في الدنيا والآخرة بتوفير نصيبهم فيهما ﴿والذين أوتوا العلم درجات﴾ أي: ويرفع الذين أوتوا العلم منكم درجات عالية في الكرامة في الدنيا، والثواب في الآخرة، ومعنى الآية: أنه يرفع الذين آمنوا على من لم يؤمن درجات، ويرفع الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا درجات، فمن جمع بين الإيمان والعلم رفعه الله بإيمانه درجات، ثم رفعه بعلمه درجات" (^٤).
ومما يدل على شرف أهله: ما جاء عن كثير بن قيس قال: كنت جالسًا مع أبى الدرداء في مسجد دمشق، فجاءه رجل فقال: يا أبا الدرداء، إني جئتك من مدينة الرسول صلى الله
_________________
(١) رواه مسلم (٤/ ٢٠٧٤).
(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢٢/ ٤٤).
(٣) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ٤٨).
(٤) فتح القدير، للشوكاني (٥/ ٢٦٦).
[ ٤٣ ]
عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ، ما جئت لحاجة. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) (^١).
ومما يدل على فضل أهله أيضًا: قوله ﵊: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) (^٢).
قال ابن حجر: ومفهوم الحديث: أن من لم يتفقه في الدين - أي: يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع - فقد حُرم الخير، ومن لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أُريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم" (^٣).
ثمرة الغرس:
وأما فضله على صاحبه في واقع الحياة فمن ذلك ما ذكره ابن الجوزي حيث يقول: "فأمّا من أنفق عصر الشّباب في العلم فإنّه في زمن الشّيخوخة يحمد جنى ما غرس، ويلتذّ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذّات البدن شيئًا بالإضافة إلى ما يناله من لذّات العلم. هذا مع وجود لذّاته في الطّلب الّذي كان يأمل به إدراك المطلوب، وربّما كانت تلك الأعمال أطيب ممّا نيل منها، كما قال الشّاعر:
_________________
(١) رواه أبو داود (٣/ ٣٥٤)، وابن ماجه (١/ ٨١)، وابن حبان، (١/ ٢٨٩)، وهو صحيح.
(٢) رواه البخاري (١/ ٣٩)، ومسلم (٢/ ٧١٨).
(٣) فتح الباري (١/ ١٦٥).
[ ٤٤ ]
أهتزّ عند تمنّي وصلِها طربًا … وربَّ أمنيّةٍ أحلى من الظّفرِ
ولقد تأمّلت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الّذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدّنيا، وأنفقت زمن الصّبوة والشّباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني ممّا نالوه إلّا ما لو حصل لي ندمت عليه، ثمّ تأمّلت حالي فإذا عيشي في الدّنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين النّاس أعلى من جاههم، وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم. فقال لي إبليس: ونسيت تعبك وسهرك، فقلت له: أيّها الجاهل، تقطيع الأيدي لا وقع له عند رؤية يوسف، وما طالت طريق، أدّت إلى صديق:
جزى اللّهُ المسيرَ إليه خيرًا … وإنْ تركَ المطايا كالمزادِ
ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشّدائد ما هو عندي أحلى من العسل؛ لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمان الصّبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلّا عند الماء، فكلّما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همّتي لا ترى إلّا لذّة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أنّي عُرفت بكثرة سماعي لحديث الرّسول ﷺ وأحواله وآدابه وأحوال أصحابه وتابعيهم" (^١).
العمل بالعلم:
غير أن هذا العلم لا يصل بصاحبه إلى هذا الفضل، ولا يبلغ به إلى هذه الرتبة، ولا يُنيله هذا الشرف إلا بالعمل به، والانتفاع بما يرشد إليه. قال أبو الدرداء: (لا تكونُ عالمًا حتى تكون بالعلم عاملًا) (^٢).
وعن أبيّ بن كعب قال: "تعلموا العلم واعملوا به، ولا تتعلموه لتتجملوا به؛ فإنه
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ١٧٧).
(٢) أخلاق العلماء للآجري (ص: ٦٥).
[ ٤٥ ]
يوشك إن طال بكم زمان أن يتجمل بالعلم كما يتجمل الرجل بثوبه" (^١).
فليس كل من حمل العلم نائلًا ما جاء في مدحه، والثناء على أهله، بل هناك بعضٌ مِنْ حملته لا ينتفعون به؛ ولهذا استعاذ رسول الله ﷺ من علم لا ينفع، فعن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع …) (^٢).
وأخبر ﵊ عن حصول سؤال العبد يوم القيامة عن علمه ماذا عمل به، فقال ﷺ: (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة عند ربه حتى يسأل عن خمس: عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم" (^٣).
وذلك أن هذا العلم قد يتعلمه من سيعمل به، وقد يتعلمه من لا يعمل به، ولا يستفيد من نوره وهُداه، قال ابن القيم: " العلماء ثلاثة: عالم استنار بنوره واستنار به الناس، فهذا من خلفاء الرسل، وورثة الأنبياء، وعالم استنار بنوره ولم يستنر به غيره، فهذا إن لم يفرط كان نفعه قاصرًا على نفسه، فبينه وبين الأول ما بينهما، وعالم لم يستنر بنوره ولا استنار به غيره، فهذا علمه وبال عليه، وبسطته للناس فتنة لهم، وبسطة الأول رحمة لهم" (^٤).
إن المتعلمين لهذا العلم كثير، ولكن المنتفعين به عملًا وسلوكًا قليل، فقد يوجد المرائي بهذا العلم، المتباهي بما نال من معلوماته، وقد يتعلمه من يطلب من ورائه عرضًا من الدنيا؛ ولهذا حذر النبي ﷺ من هذين المزلقين الخطرين في العلم،
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (٢/ ٦).
(٢) رواه مسلم (٤/ ٢٠٨٨).
(٣) رواه الترمذي (٤/ ٦١٢)، والطبراني، المعجم الكبير (١٠/ ٨)، وهو: حسن.
(٤) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٣٠٢).
[ ٤٦ ]
فقال ﷺ: (من تعلم علمًا -مما يُبتغى به وجه الله - لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة -يعني: ريحها-) (^١). وقال ﵊: (لا تَعلَّموا العلم لتباهوا به العلماء، أو تماروا به السفهاء، ولا لتجترئوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنارَ النار) (^٢).
فماذا سيربح من يعلِّم الناس الخير ليعملوه وهو لا يعمله؟ إن مَثَل من كان هذا حاله هو كما قال رسول الله ﷺ: (مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه) (^٣).
أو كما قال الشاعر:
وغيرُ تقيٍّ يأمرُ الناسَ بالتقى … طبيبٌ يداوي الناس وهو عليل (^٤)
أو كما قال الآخر:
يا أيها الرجل المعلِّمُ غيرَه … هلّا لنفسِك كان ذا التعليمُ؟
تصفُ الدواءَ لذي السقام وذي الضنا … كيما يصحّ به وأنت سقيمُ
ما زلتَ تلقحُ بالرشاد عقولَنا … صفةً وأنت من الرشاد عديمُ
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها … فإن انتهتْ عنه فأنت حكيم
فهناك يُقبل ما تقول ويُقتدى … بالرأي منك وينفع التعليم
لا تنهَ عن خُلقٍ وتأتيَ مثله … عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ! (^٥)
_________________
(١) رواه أحمد (٢/ ٣٣٨)، وأبو داود (٣/ ٣٦١)، وابن ماجه (١/ ٩٢)، وابن حبان/ (١/ ٢٧٩)، وهو صحيح.
(٢) رواه ابن ماجه (١/ ٩٣)، وابن حبان (١/ ٢٧٨). وهو صحيح.
(٣) رواه الطبراني، المعجم الكبير (٢/ ١٦٥)، وهو صحيح.
(٤) لآلئ اللآلي، أبو عدي (ص: ٢٢).
(٥) سراج الملوك، للطرطوشي (ص: ٩٥).
[ ٤٧ ]
أمَا يخاف متعلم أو عالم لا يعمل بعلمه فيما وجب وفيما حرُم ما يكون عليه حاله بين يدي ربه يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، ما لك؟! ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه) (^١).
إن العمل بالعلم أمرٌ حثّ عليه الشارع الحكيم، ودعا إليه أهل العلم العاملون؛ لأنه ثمرة العلم، وبرهان صدق صاحبه. قال ابن عبد البر: "قد ذم الله في كتابه قومًا كانوا يأمرون الناس بأعمال البر ولا يعملون بها، ذمًّا وبخهم الله به توبيخًا يُتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة، فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. قال أبو العتاهية:
وصفتَ التُقى حتى كأنك ذو تقى … وريحُ الخطايا من ثيابك تَسطعُ! " (^٢)
قال رسول الله ﷺ: (مررت ليلة أُسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت من هؤلاء؟ قالوا: خطباء من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون) (^٣).
وقال ابن مسعود ﵁: "تعلموا، فإذا علمتم فاعملوا" (^٤). وكان أبو الدرداء ﵁ يقول: "إنما أخشى من ربي يوم القيامة أن يدعوني على رؤوس الخلائق فيقول لي: يا عويمر، فأقول: لبيك ربّ، فيقول: ما عملت فيما علمت؟ " (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري (٣/ ١١٩١)، ومسلم (٤/ ٢٢٩٠).
(٢) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (١/ ١٩٤).
(٣) رواه أحمد (١٩/ ٢٤٤)، وابن حبان (١/ ٢٤٩)، وهو صحيح.
(٤) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (٢/ ٩).
(٥) المصدر السابق (٢/ ٣).
[ ٤٨ ]
وقال الخطيب البغدادي: " ثم إني موصيك يا طالب العلم، بإخلاص النية في طلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه؛ فإن العلم شجرة والعمل ثمرة، وليس يعد عالمًا من لم يكن بعلمه عاملًا، وقيل: العلم والد والعمل مولود، والعلم مع العمل، والرواية مع الدراية، فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشًا من العلم، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصرًا في العمل، ولكن اجمع بينهما، وإن قل نصيبك منهما، وما شيء أضعف من عالم ترك الناس علمه لفساد طريقته، وجاهل أخذ الناس بجهله لنظرهم إلى عبادته" (^١).
وقال ابن الجوزي في "السر المصون: " من علم أن الدنيا دار سباق وتحصيل للفضائل، وأنه كلما علت مرتبته في علم وعمل، زادت المرتبة في دار الجزاء، انْتَهَبَ الزمانَ ولم يُضَيِّع لحظة، ولم يترك فضيلة تمكنه إلا حَصَّلَهَا. مَنْ وُفِّقَ لهذا، فليبكر زمانه بالعلم، وليصابر كلَّ محنة وفقر، إلى أن يحصل له ما يريد؛ وليكن مخلصًا في طلب العلم عاملًا به حافظًا له، فأما أن يفوته الإخلاص، فذلك تضييع زمان وخسران الجزاء، وإما أن يفوته العمل به فذاك يقوي الحجة عليه والعقاب له" (^٢).
المنتفع بالعلم:
وقال ابن القيم: "لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أحبار أهل الكتاب، ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم المنافقين" (^٣).
إن المنتفع بالعلم هو الذي صنع منه العلم مؤمنًا يظهر على سلوكه تعظيم الله وإجلاله، وخشيته وتقواه، ومراقبته في السر والعلن، وإيثار مرضاته على رضا كل أحد، وتقديم نصوص الوحي على كل قول ورأي من البشر.
والمنتفع بالعلم هو الذي يرُى مسارعًا إلى الطاعات، متجنبًا المعاصي والسيئات،
_________________
(١) اقتضاء العلم العمل، للخطيب البغدادي (ص: ١٤).
(٢) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٢/ ١٩٣).
(٣) الفوائد، لابن القيم (ص: ٣١).
[ ٤٩ ]
داعيًا إلى الخير وهو مسابق إليه، ومحذرًا من الشر وهو غير مقيم عليه. قال تعالى عن شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
قال الحسن البصري: " لقد أدركت أقوامًا كانوا أأمر الناس بالمعروف وآخذهم به، وأنهى الناس عن منكر وأتركهم له، ولقد بقينا في أقوام أأمر الناس بالمعروف وأبعدهم منه، وأنهى الناس عن المنكر وأوقعهم فيه، فكيف الحياة مع هؤلاء؟! " (^١).
والمنتفع بالعلم هو الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، الذي لا تأسره أعراض الدنيا ومتاعها الزائل، ولا تستهويه رئاساتها وجاهها، وقد ضرب الله لنا في القرآن مثلينِ لمن حمل العلم النافع ولكنه لم يعمل به، حرصًا على الدنيا وشهواتها.
المثال الأول: قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] (^٢).
المثال الثاني: قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥].
والمنتفع بالعلم هو الذي يحوِّل معلومات علمه إلى واقع وسلوك يعيشه مع الناس، فمن رآه وعاشره قال: هذا شرع الله؛ لأنه لا يصدر عنه إلا ما يوافق شريعة الله تعالى.
غير المنتفع بالعلم:
فأما رجل قرأ العلم وتعلمه وعلّمه، وأحاط بمسائله ومعلوماته، ولكنه غير عامل به
_________________
(١) حلية الأولياء، لأبي نعيم (٢/ ١٥٥).
(٢) لابن القيم كلام عظيم عن هذه الآيات تجده في كتابه: الفوائد (ص: ١٠١)، وما بعدها.
[ ٥٠ ]
فإن علمه الذي تعلمه وبالٌ عليه وحجة عليه. قال الزرنوجي: "وإنما شرف العلم بكونه وسيلة إلى البر والتقوى الذي يستحق بها المرء الكرامة عند الله، والسعادة الأبدية .. فينبغي للإنسان ألا يغفل عن نفسه ما ينفعها وما يضرها في أولها وآخرها، ويستجلب ما ينفعها، ويجتنب ما يضرها؛ كي لا يكون عقله وعلمه حجة عليه، فيزداد عقوبة، نعوذ بالله من سخطه وعقابه" (^١).
وليس بمنتفع بالعلم من تعلمه لغرض دنيوي خالص؛ ينال به حظًا عاجلًا بين الناس؛ من منزلة ورتبة، أو وظيفة ورئاسة وشهرة بتميزٍ يفوق به غيره.
قال الماوردي: " ومما أنذرك به من حالي أنني صنفت في البيوع كتابًا جمعت فيه ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه نفسي وكددت فيه خاطري، حتى إذا تهذب واستكمل وكدت أعجب به وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعًا بعلمه، حضرني- وأنا في مجلسي- أعرابيان، فسألاني عن بيع عقداه في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل لم أعرف لواحدة منهن جوابًا، فأطرقت مفكرا، وبحالي وحالهما معتبرا، فقالا: ما عندك فيما سألناك جواب، وأنت زعيم هذه الجماعة؟ فقلت: لا. فقالا: واهًا لك، وانصرفا.
ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي فسألاه، فأجابهما مسرعًا بما أقنعهما وانصرفا عنه راضيين بجوابه، حامدين لعلمه. فبقيت مرتبكًا، وبحالهما وحالي معتبرًا. وإني لعلى ما كنت عليه من المسائل إلى وقتي، فكان ذلك زاجرَ نصيحةٍ ونذير عظة، تَذلل بها قيادُ النفس، وانخفض لها جناح العُجب، توفيقًا مُنِحتُه، ورشدًا أُوتيته" (^٢).
وليس بمنتفع بالعلم من لم يزده العلم خشية لربه وتوقيرًا، وإجلالًا وتعظيمًا، وطلبًا لرضاه وإن سخط الخلق كلهم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. قال عبد الله بن مسعود: "ليس العلم عن كثرة الحديث، إنما العلم خشية
_________________
(١) تعليم المتعلم طريق التعلم، للزرنوجى (ص: ١٥).
(٢) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ٨٢).
[ ٥١ ]
الله" (^١). وقال ابن رجب: "وكان الإمام أحمد ﵀ يقول عن معروف: معه أصل العلم: خشية اللَه. فأصل العلم باللَه الذي يوجب خشيته ومحبته والقرب منه والأنس به والشوق إليه. ثم يتلوه العلم بأحكام اللَه وما يحبه ويرضاه من العبد من قول أو عمل أو حال أو اعتقاد. فمن تحقق بهذين العلمين كان علمه علمًا نافعًا، وحصل له العلم النافع، والقلب الخاشع، والنفس القانعة، والدعاء المسموع. ومن فاته هذا العلم النافع وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي صلي الله عليه وسلم، وصار علمه وبالًا وحجة عليه، فلم ينتفع به؛ لأنه لم يخشع قلبه لربه، ولم تشبع نفسه من الدنيا، بل ازداد عليها حرصًا ولها طلبًا، ولم يسمع دعاؤه؛ لعدم امتثاله لأوامر ربه، وعدم اجتنابه لما يسخطه ويكرهه" (^٢).
وليس بمنتفع بالعلم من مال إلى زهرة الدنيا فنافس أهلها، والتهى بها، وانشغل بزينتها عن الآخرة، وغيّر فكره ورؤيته ومواقفه وفتاواه؛ حسب المصالح العاجلة؛ رغبة في حطام الدنيا، وخوفًا من زوال متاعها عنه. يقول ابن القيم عن علماء السوء: " كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه، وفي خبره وإلزامه؛ لأن أحكام الرب سبحانه كثيرًا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيما أهل الرياسة، والذين يتبعون الشهوات؛ فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرًا، فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق، ولا سيما إذا قامت لهما شبهة، فتتفق الشبهة والشهوة ويثور الهوى فيخفى الصواب وينطمس وجه الحق، وإن كان الحق ظاهرًا لا خفاء به ولا شبهة فيه، أقدم على مخالفته وقال: لي مخرج بالتوبة. وفى هؤلاء وأشباههم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٩].
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (٢/ ٢٥).
(٢) فضل علم السلف على الخلف، لابن رجب (ص: ٨).
[ ٥٢ ]
فأخبر سبحانه أنهم أخذوا العَرض الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم، وقالوا: سيغفر لنا، وإن عرض لهم عرض آخر أخذوه، فهم مصرون على ذلك وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحق، فيقولون: هذا حكمه وشرعه ودينه، وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلاف ذلك. أو لا يعلمون أن ذلك دينه وشرعه وحكمه، فتارة يقولون على الله مالا يعلمون، وتارة يقولون عليه ما يعلمون بطلانه.
وأما الذين يتقون فيعلمون أن الدار الآخرة خير من الدنيا فلا يحملهم حب الرياسة والشهوة على أن يؤثروا الدنيا على الآخرة، وطريق ذلك أن يتمسكوا بالكتاب والسنة، ويستعينوا بالصبر والصلاة ويتفكروا في الدنيا وزوالها وخستها، والآخرة وإقبالها ودوامها، وهؤلاء لا بد أن يبتدعوا في الدين مع الفجور في العمل، فيجتمع لهم الأمران؛ فإن اتباع الهوى يعمي عين القلب، فلا يميز بين السنة والبدعة، أو ينكسه فيرى البدعة سنة والسنة بدعة. فهذه آفة العلماء إذا آثروا الدنيا واتبعوا الرياسات والشهوات" (^١).
وقال ذو النون المصري: "كان الرجل من أهل العلم يزداد بعلمه بغضًا للدنيا وتركًا لها، فاليوم يزداد الرجل بعلمه للدنيا حبًا ولها طلبًا، وكان الرجل ينفق ماله على العلم، واليوم يكتسب الرجل بعلمه مالًا، وكان يرى على طالب العلم زيادة إصلاح في باطنه وظاهره، فاليوم ترى على كثير من أهل العلم فساد الباطن والظاهر (^٢).
وليس بمنتفع بالعلم من كان علمه لا يهديه الاستقامة والهَدي الصالح، ولا يغير من أخلاقه المعوجّة وسلوكه المنحرف، ولا يجعله قدوة حسنة بين الناس، يظهر أثر العلم عليه. قال ابن القيم: " علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم؛ فلو كان ما دعوا إليه حقًا كانوا أول المستجيبين له. فهم في الصورة أدلَّاء، وفي
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٠٠).
(٢) المدخل لابن الحاج (٢/ ١٢٦).
[ ٥٣ ]
الحقيقة قطاع الطرق" (^١).
وقال الماوردي: " وقال علي بن أبي طالب: إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم … وكان يقال: خير من القول فاعله، وخير من الصواب قائله، وخير من العلم حامله، وقيل في منثور الحكم: لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به، وقال بعض العلماء: ثمرة العلم أن يعمل به، وثمرة العمل أن يؤجر عليه، وقال بعض الصلحاء: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه أقام وإلا ارتحل، وقال بعض العلماء: خير العلم ما نفع، وخير القول ما ردع، وقال بعض الأدباء: ثمرة العلوم العمل بالعلوم، وقال بعض البلغاء: من تمام العلم استعماله، ومن تمام العمل استقلاله، فمن استعمل علمه لم يخل من رشاد، ومن استقل عمله لم يقصر عن مراد، وقال حاتم الطائي:
وَلَمْ يَحْمَدُوا مِنْ عَالِمٍ غَيْرِ عَامِلٍ … خِلَافًا وَلَا مِنْ عَامِلٍ غَيْرِ عَالِمِ
رَأَوْا طُرُقَاتِ الْمَجْدِ عُوَجًا قَطِيعَةً … وَأَفْظَعُ عَجْزٍ عِنْدَهُمْ عَجْزُ حَازِمِ
لأنه لما كان علمه حجة على من أخذ عنه واقتبسه منه حتى يلزمه العمل به والمصير إليه؛ كان عليه أحج وله ألزم؛ لأن مرتبة العلم قبل مرتبة القول، كما أن مرتبة العلم قبل مرتبة العمل" (^٢).
وليس بمنتفع بالعلم من تعامل مع الخلق على خلاف ما لديه من نصوص علم الشريعة، بحيث يحصل عنده مباينة بين ما تعلم وما يعامل الناس به.
وليس بمنتفع بالعلم من لم يهذب العلم أخلاقه، ويجعله من المخلصين فيه، المبتغين به وجه الله، حتى يغدو محبًا لمن أخذ بهذا العلم ونفع الناس به، فلا يحسد ذا علم لكونه فاقه، ونال ما لم ينله، فإن وجد في نفسه عداء ونفرة من ذلك العالم أو المتعلم الذي بزّه وعلاه في الرتبة فليراجع نيته.
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٦١).
(٢) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ٨٨).
[ ٥٤ ]
قال ابن الجوزي: " تأملت التحاسد بين العلماء، فرأيت منشأه من حب الدنيا؛ فإن علماء الآخرة يتوادون ولا يتحاسدون، كما قال ﷿: ﴿ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُو رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. وقد كان أبو الدرداء يدعو كل ليلة لإخوانه، وقال الإمام أحمد بن حنبل لولد الشافعي: أبوك من الستة الذين أدعو لهم كل ليلة وقت السحر. والأمر الفارق بين الفئتين: أن علماء الدنيا ينظرون إلى الرياسة فيها، ويحبون كثرة الجمع والثناء، وعلماء الآخرة بمعزل من إيثار ذلك، وقد كانوا يتخوفونه، ويرحمون من بلي به .. وكان بعضهم إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام عنهم، وكانوا يتدافعون الفتوى. ويحبون الخمول. فمثل القوم كمثل راكب البحر وقد خبَّ- أي: هاجَ واضطربَتْ الأمواج- فعنده شُغْلٌ إلى أن يُوقِنَ بالنجاة. وإنما كان بعضهم يدعو لبعض، ويستفيد منه؛ لأنهم ركب تصاحبوا فتوادوا، فالأيام والليالي مراحلهم إلى سفر الجنة" (^١).
نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، ويجعل العلم حجة لنا لا علينا.
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٥).
[ ٥٥ ]