لقد جئنا هذه الدارَ زوّارًا إلى حين، وعنها ننتقل إلى دار أخرى يكون فيها قرارنا، وحياتنا الأبدية. فنحن في دار الدنيا نزلاء من أجل هدف واحد هو عبادة الله تعالى وحده وعلى هذا التكليف الرباني يُحدَّد المنزل في دار الآخرة: إما في الجنة وإما في النار.
فمن عقل هذه الحقيقة وآمن بهذا النبأ العظيم، وعمر قلبَه اليقينُ الجازم به؛ لم تُلهه دارُ غربته عن دار وطنه، ولم ينشغل عن التكليف الذي جاء لأجله بغيره.
ولكن هذا الصنف من الناس قليل جدًا إزاء العدد الكبير الذين أسرتهم الغفلة عن هذه الحقيقة، وقادتهم إلى الانشغال بالدنيا عن الآخرة، فصاروا غافلين عن ربهم ودينه، غافلين عن الآخرة، وعن ذهابهم عن هذه الدنيا بلا عودة.
إن داء الغفلة قد تمكن من كثير من الخلق حتى فقدوا الشّعور بما حقّه أن يُشعَر به، وسهوا حتى قلّ تحفظهم مما يُخاف منه، فصار الأمر العظيم مما يُصلح حالهم في عاجل أمرهم وآجله لا يخطر لهم على بال، فلم يدركوه مع وجود ما يقتضيه، ويدعو إلى الاستيقاظ عنده.
ما أسوأ حال من غفل عن ربه الذي خلقه ورزقه، وأنعم عليه بنعم لا تعد ولا تحصى، حيث خلا قلبه من الإيمان به وتعظيمه، وهيبته وتقديره، وإجلاله والانقياد له، وفرغ لسانه من ذكره وانشغل بذكر غيره، ولم تنشغل جوارحه بالإقبال على أوامره والانتهاء عن نواهيه، بل شغلت باللهث خلف الشهوات والانكباب على الملذات التي تخالف شرع ربه سبحانه.
فأصبح بذلك غارقًا في دنياه غافلًا عن أُخراه، فلا مشاهد الموت وعظاته تزجره،
[ ١٣٦ ]
ولا آيات الله تعالى المسطورة والمنشورة تعظه، ولا عِبر الحياة وأحداثها ترد إليه عقله ورشده، فغدا أصم السمع، أعمى البصر، محجوب القلب عما ينفعه، فشقي بذلك أيما شقاء، ولا غرو فإن شقاء الغفلة داء قتال شقي به أكثر الأحياء وندم عليه أكثر الأموات.
قال زين الدين ابن رجب: " ورُئيَ بعض الموتى في المنام فقال: ما عندكم أكثر من الغفلة، وما عندنا أكثر من الحسرة! " (^١).
وقال عمر بن عبد العزيز:
ومِن الناسِ مَنْ يَعِيشُ شَقِيًّا … جِيفةَ الليل غافِلَ اليَقَظَهْ
فإِذا كان ذا حَياءٍ ودِينٍ … راقَب اللّهَ واتَّقى الحَفَظهْ
إِنَّما الناسُ سائرٌ ومُقِيمٌ … والذي سارَ لِلْمُقِيم عِظَهْ (^٢).
وقال الغزالي: " مفتاح السعادة التيقظ والفطنة، ومنبع الشقاوة الغرور والغفلة (^٣).
وقال ابن كثير: " وقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة انطَمَسَ مِنْ قلبه بقدر تلك الغَفْلَة" (^٤).
فلهذا حذرنا الله تعالى من الغفلة والغافلين؛ فنهى تعالى في كتابه الكريم المسلمَ عن أن يكون من أهل الغفلة فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. وبيّن سبحانه صفات الغافلين حتى نحذرها ولا نكون من أهلها فقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
_________________
(١) أهوال القبور، لابن رجب (ص: ٦٤).
(٢) لسان العرب، لابن منظور (٧/ ٤٦٦).
(٣) إحياء علوم الدين، للغزالي (٣/ ٣٧٨).
(٤) تفسير ابن كثير (٢/ ١٨٥).
[ ١٣٧ ]
اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨]. وذكر تبارك تعالى كون الغفلة سببًا لبعض المعاصي فقال: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
يقول الإمام ابن الجوزي ﵀ آمرًا باليقظة ومحذرًا من الغفلة: " أيها الإنسان، -وكلنا ذلك الإنسان- استيقظْ من غفلتك، وهُبّ من رقدتك، قد آن أن يُدعى إليك الطبيب بجميع الدواء، فلا يرجى لك مما نزل بك الشفاء" (^١). وقال: "فاحذر الغفلة عن ذكر الله؛ فإنها أصل كل بلية، وجالبة كل رزية" (^٢).
وقال:
فانتبهْ من رقدة الغفلـ … ة والعمرُ قليلُ
واطّرحْ سوف وحتـ … ى فهما داء دخيل (^٣).
وقال:
ودَعَتْنا المنونُ في سِنة الغفلة … هبّوا واستيقظوا يا أنامُ (^٤).
وقال ﵀ في بيان صفة الغافل: " ما أعجبَ أمرك يا من يوقن بأمر ثم ينساه، ويتحقق ضرر حال ثم يغشاه! وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه، تغلبك نفسك على ما تظن، ولا تغلبها على ما تستيقن. أعجب العجائب سرورك بغرورك، وسهوك في لهوك عما
_________________
(١) بتان الواعظين ورياض السامعين، لابن الجوزي (ص: ١٦٠).
(٢) التذكرة في الوعظ، لابن الجوزي (ص: ٦٦).
(٣) المدهش، لابن الجوزي (ص: ٥٣٤).
(٤) المرجع السابق (ص: ١٦٣).
[ ١٣٨ ]
قد خُبِئ لك، تغتر بصحتك وتنسى دنو السقم، وتفرح بعافيتك غافلًا عن قرب الألم، لقد أراك مصرعُ غيرك مصرعَك، وأبدى مضجعُ سواك قبل الممات مضجعك، وقد شغلك نيل لذّاتك عن ذكر خراب ذاتك.
كأنك لم تسمع بأخبار مَنْ مضى … ولم ترَ في الباقين ما يصنعُ الدهرُ
فإن كنتَ لا تدري فتلك ديارُهم … محاها مجالُ الريح بعدك والقطر
كم رأيتَ صاحب منزل ما نزل لحدَه حتى نزل! وكم شاهدت والي قصر وليه عدوه لما عُزل! فيا مَنْ كلُّ لحظة إلى هذا يسري، وفعلُه فعل من لا يفهم ولا يدري.
وكيف تنامُ العينُ وهي قريرة … ولم تدر من أيّ المحلين تنزل؟ " (^١)
أسباب الغفلة:
إن الغفلة عن الله وعن دينه وعن العمل للدار الآخرة مرض له أسباب توصل إليه، فمن ذلك:
أولًا: الجهل بالله تعالى، وقلة المعرفة بشرعه، فمن كان عالمًا بالله تعالى عظم في قلبه قدره، واتسع فيه جلاله وهيبته، فذكره بأمره ونهيه، وخشي أن يكون في غفلة عنه، فإذا خلا القلب من أنوار هذه المعرفة حلّ فيه ظلام الغفلة. والعلم بشريعة الله يدعو إلى اليقظة إلى عمل الآخرة والاستعداد للقاء الله فيها، فمن جهل ذلك استغرق حياته في العمل لدنياه وغفل عن العمل لآخرته. قال ابن القيم: " والمقصود أن الغفلة والكسل اللذين هما أصل الحرمان سببهما عدم العلم، فعاد النقص كله إلى عدم العلم والعزيمة، والكمال كله إلى العلم والعزيمة" (^٢).
ثانيًا: طول الأمل وقلة التفكر في فجأة الأجل، فمن طال أمله عاش في كنف الغفلة
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٢).
(٢) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ١١٤).
[ ١٣٩ ]
ساهيًا لاهيًا، باحثًا عن الظفر بلذاته العاجلة، فساء منه العمل، ولم يستعد بزاد النجاة ليوم المعاد.
قال محمود الوراق:
قائدُ الغفلةِ الأمَلْ … والهَوَى قائدُ الزَّلَلْ
قتلَ الجهلُ أهلَهُ … ونَجَا كلُّ مَنْ عَقَلْ (^١).
ثالثًا: التعلق بالدنيا والافتتان بزخارفها، فمن أسرته شهوات الدنيا وجاهها وأموالها ولهوها قيدته الغفلة فنسي حق ربه عليه، فجلب لنفسه الضرر العاجل والآجل. قال ابن الجوزي: " الدنيا نهر طالوت والفضائل تنادي: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ فإذا قامت الفاقة مقام ابن أم مكتوم أُبيحت لها رخصة: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ فأما أهل الغفلة فارتووا، فلما قامت حرب الهوى ثبطتهم البطنة، فنادوا بألسنة العجز: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا﴾، وأقبل مضمَّر الجد فحاز قصب السبق" (^٢).
أضرار الغفلة وآثارها:
أولًا: الغفلة حجاب عن رؤية الحق والرشد، فكم تمر بالغافل من عظات، ويرى في الحياة من آيات، ولكن حجاب الغفلة يحول دون وصول العظة إلى قلبه التي متى انقشع غيمها عنه رأى الحق فاتبعه والباطل فتركه.
قال ابن الجوزي: " لما انقشع غيم الغفلة عن عيون أهل اليقين لاح لهم هلال الهدى في صحراء اليقظة فبيتوا نية الصوم عن الهوى على عزم: (عزفتْ نفسي عن الدنيا) (^٣) " (^٤).
_________________
(١) حماسة الظرفاء، للزوزني (ص: ٩).
(٢) المدهش، لابن الجوزي (ص: ١٧٥).
(٣) جزء من حديث: عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله ﷺ فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟ قال: أصبحت مؤمنًا حقًا فقال: انظر ما تقول؟ فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال: قد عزفت نفسي عن الدنيا، وأسهرت لذلك ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. فقال: (يا حارث، عرفت فالزم) ثلاثًا. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١/ ٦٥).
(٤) العاقبة في ذكر الموت، للإشبيلي (ص: ١٧٤).
[ ١٤٠ ]
وقال أبو محمد الإشبيلي: " لكن حجاب الغفلة الذي غطى القلوب كثيف، فلا يرى ما وراءه، والوقر الذي في الآذان عظيم فلا يسمع من ناصحٍ دعاءه" (^١).
وقال ابن القيم: "وصدأ القلب الغفلة والهوى، وجلاؤه الذكر والتوبة والاستغفار" (^٢).
ثانيًا: قلة هيبة الله تعالى وكثرة الوحشة بين العبد وربه، فمع الغفلة يقل جلال الله في قلب صاحبه، ولا يجد له أنسًا معه؛ لبعده عن طاعته. قال ابن القيم: حجاب الهيبة رقيق في قلب الغافل، وقال: الغافل بينه وبين الله ﷿ وحشة لا تزول إلا بالذكر (^٣).
ثالثًا: حرمان الربح والفوز بالجنة، إذا استمر المرء في غفلته فترك عبادة ربه وعبد هواه وشهواته حتى أتاه الموت استقبله في الآخرة العذاب، وحُرِم الجنة والثواب. فأي ضرر أعظم من هذا الضرر؟!
قال ابن الجوزي: " الغفلة تحرم الربح، والمعصية توجب الخسران، والغفلة تغلق أبواب الجنة، والمعصية تفتح أبواب النار" (^٤).
علاج الغفلة:
إذا كانت الغفلة غير متمكنة من قلب الإنسان فعلاجها سهل، وتكون بمنزلة السِّنة
_________________
(١) المدهش، لابن الجوزي (ص: ٣٨٠).
(٢) الوابل الصيب، لابن القيم (ص: ٦٣).
(٣) الوابل الصيب، لابن القيم (ص: ٦٢ - ٦٣).
(٤) التذكرة في الوعظ، لابن الجوزي (ص: ١٠٣).
[ ١٤١ ]
أو النوم الخفيف الذي يسهل إيقاظ صاحبه، أما إذا تمكنت منه فعلاجها شديد، وتكون كالنوم الثقيل الذي لا يستيقظ منه صاحبه إلا بعد زمن وكُلفة. قال ابن الجوزي: " لا نوم أثقل من الغفلة، ولا رِقَّ أملك من الشهوة، ولولا ثقل الغفلة لم تظفر بك الشهوة" (^١).
فمن الأدوية:
أولًا: سرعة الانتباه لمرض الغفلة قبل استحكامه، والمبادرة إلى علاجه وإن استفحل الداء، وعدم التساهل أو التأخر في مداواته. وهذا أولى خطوات العلاج؛ فشعور المريض بالمرض يعينه على النهوض للاستشفاء، فأما من لم يشعر بمرضه فأنى له التداوي؟
قال ابن القيم: " فاعلم أن العبد قبل وصول الداعي إليه في نوم الغفلة قلبه نائم وطرفه يقظان، فصاح به الناصح وأسمعه داعي النجاح، وأذن به مؤذن الرحمن حي على الفلاح، فأول مراتب هذا النائم اليقظة والانتباه من النوم" (^٢). وقال أيضًا: " فأول منازل العبودية اليقظة، وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين، ولله ما أنفع هذه الروعة، وما أعظم قدرها وخطرها، وما أشد إعانتها على السلوك! فمن أحس بها فقد أحس والله بالفلاح، وإلا فهو في سكرات الغفلة، فإذا انتبه شمر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى وأوطانه التي سُبي منها:
فحيّ على جنات عدْنٍ فإنها … منازلُك الأولى وفيها المخيَّمُ
ولكننا سبيُ العدو فهل تُرى … نعودُ إلى أوطاننا ونُسلَّم
فأخذ في أهبة السفر، فانتقل إلى منزلة العزم، وهو العقد الجازم على المسير، ومفارقة كل قاطع ومعوِّق، ومرافقة كل معين وموصل، وبحسب كمال انتباهه ويقظته يكون عزمه، وبحسب قوة عزمه يكون استعداده" (^٣)
_________________
(١) صفة الصفوة، لابن الجوزي (٤/ ١٦٤).
(٢) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ١٤٠).
(٣) المرجع السابق (١/ ١٢٣).
[ ١٤٢ ]
وقال: " لابد من سِنة الغفلة ورقاد الهوى، ولكن كن خفيف النوم؛ فحراس البلد يصيحون: دنا الصباح" (^١).
ثانيًا: ذكر الله تعالى والإقبال عليه؛ فإن مداومة ذكره سبحانه دواء ناجع من داء الغفلة، خصوصًا إذا توافق القلب واللسان، ولم يكن اللسان مجرد تالٍ يردد الذكر من غير ظهور أثر على الجوارح عملًا بالأوامر وتركًا للنواهي. ومن أعظم الذكر: قراءة القرآن الكريم. قال رسول الله ﷺ: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين) (^٢) (^٣).
قال ابن الجوزي: " لا تقدر على التخلص من بلوى المعصية الا بالتخلص من سجن الغفلة، ولا تتخلص من الغفلة الا بتضمير البطن وتفريغ القلب ومواصلة الذكر" (^٤).
وقال ابن القيم: " فالقلب الغافل مأوى الشيطان؛ فإنه وسواس خناس قد التقم قلب الغافل يقرأ عليه أنواع الوساوس والخيالات الباطلة، فإذا تذكر وذكر الله انجمع وانضم وخنس وتضاءل لذكر الله، فهو دائمًا بين الوسوسة والخنس" (^٥).
وقال: " فالقحط الذي ينزل بالقلب هو الغفلة، فالغفلة هي قحط القلوب وجدبها، وما دام العبد في ذكر الله والإقبال عليه فغيث الرحمة ينزل عليه كالمطر المتدارك، فإذا غفل ناله من القحط بحسب غفلته قلة وكثرة، فإذا تمكَّنت الغفلة منه، واستحكمت صارت أرضه خرابًا ميتة، وسنته جرداء يابسة، وحريق الشهوات يعمل فيها من كل جانب
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٤١).
(٢) أي: أُعْطِي قِنْطارًا من الأجر. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٤/ ١٨٩).
(٣) رواه أبو داود (١/ ٥٢٨)، وابن خزيمة (٢/ ١٨١)، وهو صحيح.
(٤) التذكرة في الوعظ، لابن الجوزي (ص: ٥٤).
(٥) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (١/ ١١٣).
[ ١٤٣ ]
كالسَّمائم (^١) " (^٢).
وقال أيضًا: " والمقصود أن الغفلة هي نوم القلب عن طلب هذه الحياة وهي حجاب عليه، فإن كشف هذا الحجاب بالذكر وإلا تكاثف حتى يصير حجاب بطالة ولعب واشتغال بما لا يفيد، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى يصير حجاب معاص وذنوب صغار تبعده عن الله، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى يصير حجاب كبائر توجب مقت الرب تعالى له وغضبه ولعنته، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب بدع عملية يعذب العامل فيها نفسه ولا تجدي عليه شيئًا، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب بدع قولية اعتقادية تتضمن الكذب على الله ورسوله والتكذيب بالحق الذي جاء به الرسول، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب شك وتكذيب يقدح في أصول الإيمان الخمسة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه فلغلظ حجابه وكثافته وظلمته وسواده لا يرى حقائق الإيمان ويتمكن منه الشيطان يعده ويمنِّيه، والنفس الأمارة بالسوء تهوى وتشتهي، وسلطان الطبع قد ظفر بسلطان الإيمان فأسره وسجنه إن لم يهلكه، وتولى تدبير المملكة واستخدام جنود الشهوات وأقطعها العوائد التي جرى عليها العمل، وأغلق باب اليقظة وأقام عليه بواب الغفلة وقال: إياك أن نؤتى من قبلك، واتخذ حجابًا من الهوى وقال: إياك أن تمكن أحدًا يدخل عليّ إلا معك، فأمر هذه المملكة قد صار إليك وإلى البواب، فيا بواب الغفلة، ويا حاجب الهوى، ليلزم كل منكما ثغره، فإن أخليتما فسد أمر مملكتنا، وعادت الدولة لغيرنا، وسامنا سلطان الإيمان شر الخزي والهوان، ولا نفرح بهذه المدينة أبدًا" (^٣).
ثالثًا: الاهتمام بإصلاح القلب وحراسته؛ فهو محل الغفلة أو اليقظة، فالاعتناء بالمكان ومراقبة ما يحل فيه يجعله في مأمن من النزلاء المضرين، واللصوص المعتدين. ويتم
_________________
(١) جمع سموم، وهي: الريح الحارة. الصحاح للجوهري (٦/ ٢٣٢).
(٢) أسرار الصلاة، لابن القيم (ص: ٣).
(٣) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٢٨٦).
[ ١٤٤ ]
هذا العلاج بالتنقية والتحلية: تنقية من كل سبب يصل القلب فيؤدي إلى غفلته، وتحليته بإدخال كل وسيلة توصل إلى انتباهه ويقظته.
قال ابن القيم: " الغفلة نوم القلب؛ ولهذا تجد كثيرًا من الأيقاظ في الحس نيامًا في الواقع، فتحسبهم أيقاظًا وهم رقود، ضد حال من يكون يقظان القلب وهو نائم؛ فإن القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن، وكمال هذه الحياة كان لنبينا، ولمن أحيا الله قلبه بمحبته واتباع رسالته على بصيرة من ذلك بحسب نصيبه منهما. فالغفلة واليقظة يكونان في الحس والعقل والقلب، فمستيقظ القلب وغافله كمستيقظ البدن ونائمه" (^١).
ومن أعظم هذه الأسباب التي تحلي القلب بما يوجب له اليقظة: صدق التأهب للقاء الله تعالى. قال ابن القيم: " والمقصود أَنْ صدق التأَهب للقاءِ الله هو مفتاح جميع الأَعمال الصالحة والأَحوال الإيمانية ومقامات السالكين إلى الله ومنازل السائرين إليه؛ من اليقظة والتوبة والإِنابة والمحبة والرجاءِ والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمال القلوب والجوارح، فمفتاح ذلك كله صدق التأَهب والاستعداد للقاءِ الله، والمفتاح بيد الفتاح العليم لا إله غيره ولا رب سواه" (^٢).
_________________
(١) المرجع السابق (٣/ ٢٨٤).
(٢) طريق الهجرتين، لابن القيم وباب السعادتين (٢٢/ ٤٠).
[ ١٤٥ ]