وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله بإذنه ومشيئته، فلا يتحرك إلا بإذنه ولا يفعل إلا بمشيئته، إن وكله إلى نفسه وكله إلى عجز وضيعة، وتفريط وذنب وخطيئة، وإن وكله إلى غيره وكله إلى من لا يملك له ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وإن تخلى عنه استولى عليه عدوه، وجعله أسيرًا له، فهو لا غنى له عنه طرفة عين، بل هو مضطر إليه على مدى الأنفاس، في كل ذرة من ذراته باطنًا وظاهرًا، فاقتُه تامة إليه" (^١).
ولذلك فتح الله تعالى برحمته للإنسان بابَ الدعاء؛ حتى يصل به إلى ما يرغب، ويأمن به مما يرهب.
فأمر ﷾ بالدعاء ووعد بالإجابة، وبين أنه قريب من عباده، فما عليهم إلا أن يسألوه ويستعطوه. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. قال ابن كثير: "هذا من فضله ﵎ وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة؛ كما كان سفيان الثوري يقول: يا مَنْ أَحبُّ عباده إليه مَنْ سأله فأكثرَ سؤاله، ويا مَنْ أبغضُ عباده إليه مَنْ لم يسأله، وليس أحد كذلك غيرك يا رب" (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. "يعني تعالى ذكره بذلك: وإذا سَألك يا محمد، عبادي عَني: أين أنا؟ فإني قريبٌ منهم أسمع دُعاءهم، وأجيب دعوة الداعي منهم" (^٣).
فضل الدعاء:
إن للدعاء مكانة عظيمة، ومنزلة سامية، وفضلًا كبيرًا، ويدل على ذلك:
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ٥٦).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ١٠٤).
(٣) تفسير الطبري (٣/ ٤٨٠).
[ ٢٨٠ ]
أولًا: أن الدعاء عبادة من أعظم العبادات، فهو مع كونه طريقًا لنيل المصالح العاجلة والآجلة عبادة جليلة يؤجر عليها المسلم؛ لأن فيه تضرعًا وإظهارًا للعبودية لله وحده
عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (^١).
وعن ابن عباس ﵄: أفضل العبادة هو الدعاء وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (^٢).
فقوله: (الدعاء هو العبادة) "أي: هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة؛ لدلالته على الإقبال على الله والإعراض عما سواه، بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه، قائمًا بوجوب العبودية، معترفًا بحق الربوبية، عالمًا بنعمة الإيجاد، طالبًا لمدد الإمداد على وفق المراد" (^٣).
وقيل: "معناه: أن الدعاء معظم العبادة، كما قال ﷺ: (الحج عرفة)، أي: معظم أركان الحج الوقوف بعرفة، أو المعنى: أن الدعاء هو العبادة سواء استجيب أو لم يستجب؛ لأنه إظهار العبد العجزَ والاحتياجَ من نفسه والاعترافَ بأن الله تعالى قادر على إجابته، كريم لا بخل له ولا فقر ولا احتياج له إلى شيء، حتى يدخر لنفسه ويمنعه من عباده، وهذه الأشياء هي العبادة بل مخها" (^٤).
_________________
(١) رواه أبو داود (١/ ٥٥١)، وابن ماجه (٢/ ١٢٥٨)، والترمذي (٥/ ٢١١)، والنسائي، سنن النسائي الكبرى (٦/ ٤٥٠)، وهو صحيح.
(٢) رواه الحاكم (١/ ٦٦٧)، وهو صحيح.
(٣) عون المعبود، للعظيم آبادي (٤/ ٢٤٧).
(٤) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (٩/ ٢٢٠).
[ ٢٨١ ]
وقال الرازي: "فلا مقصود من جميع التكاليف إلا معرفة ذل العبودية وعز الربوبية، فإذا كان الدعاء مستجمعًا لهذين المقامين لا جرم كان الدعاء أعظم أنواع العبادات" (^١).
وقال أيضًا تحت الآية السابقة: من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله تعالى، فلذلك كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات، ولما كان أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع لا جرم أمر الله تعالى به في هذه الآية فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٢).
وقال ابن عبد البر: الدعاء من العبادة؛ لأن فيه الإخلاص والضراعة والإيمان والخضوع، والله يحب أن يُسأل؛ ولذلك أمر عباده أن يسألوه من فضله (^٣).
وقال ابن رجب: " واعلم أنَّ سؤالَ اللهِ تعالى دونَ خلقه هوَ المتعين؛ لأنَّ السؤال فيهِ إظهار الذلِّ من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعترافُ بقدرةِ المسؤول على دفع هذا الضَّرر، ونيل المطلوب، وجلبِ المنافع، ودرء المضارِّ، ولا يصلح الذلُّ والافتقار إلاَّ لله وحدَه؛ لأنَّه حقيقة العبادة" (^٤).
وقال ابن القيم: " أمرَه بسؤاله والطلبِ منه؛ إظهارًا لمرتبة العبودية والفقر والحاجة، واعترافًا بعز الربوبية وكمال غنى الرب، وتفرده بالفضل والإحسان، وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة عين، فيأتي بالطلب والسؤال إتيان من يعلم أنه لا يستحق بطلبه وسؤاله شيئًا، ولكن ربه تعالى يحب أن يسأل ويرغب إليه ويطلب منه … والله ﷾ يحب تذلل عبيده بين يديه وسؤالهم إياه وطلبهم حوائجهم منه، وشكواهم إليه وعياذهم به منه، وفرارهم منه إليه" (^٥).
_________________
(١) تفسير الرازي: مفاتيح الغيب (١٤/ ١٠٥).
(٢) المرجع السابق (٢٧/ ٧٠).
(٣) التمهيد، لابن عبد البر (١٢/ ١٨٦).
(٤) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٢١/ ٢٥).
(٥) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ١٠٢).
[ ٢٨٢ ]
وقال السندي: " الدعاء من وظائف العبودية، بل أعلاها -مخ العبادة- ومن يعلم أن حقيقة العبادة إظهار التذلل والافتقار والاستكانة والدعاء في ذلك في الغاية القصوى؛ يظهر له سر كون الدعاء مخ العبادة" (^١).
ثانيًا: أن للدعاء عند الله تعالى رتبة عالية، ويدل على ذلك قول رسول الله ﷺ: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) (^٢). وذلك" لدلالته على قدرة الله وعجز الداعي، ولأنه سبب لنيل الحظوظ التي جعلت لنا في الغيب؛ ولذلك صار للدعاء من السلطان ما يرد القضاء" (^٣).
ثالثًا: أن رسول الله ﷺ أمر بالإكثار منه، ولا يأمر بالإكثار من شيء إلا لفضله ونفاسته. قال رسول الله ﷺ: (إذا سأل أحدكم فليكثر؛ فإنه يسأل ربه) (^٤).
وقال النبي ﷺ: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها) قالوا: إذا نكثر، قال: (الله أكثر) (^٥).
قال المباركفوري: " (نكثر) أي: من الدعاء لعظيم فوائده (قال) أي: رسول الله ﷺ (الله أكثر) قال الطيبي: أي: الله أكثر إجابة من دعائكم، وقيل إن معناه: فضل الله أكثر أي: ما يعطيه من فضله وسعة كرمه أكثر مما يعطيكم في مقابلة دعائكم، وقيل: الله أغلب في الكثرة فلا تعجزونه في الاستكثار؛ فإن خزائنه لا تنفد، وعطاياه لا
_________________
(١) حاشية السندي على ابن ماجه (٧/ ٢١٣).
(٢) رواه الترمذي (٥/ ٤٥٥)، وهو حسن.
(٣) التيسير بشرح الجامع الصغير - للمناوي (٢/ ٦٢٨).
(٤) رواه ابن حبان (٣/ ١٧٢) بسند صحيح.
(٥) رواه أحمد (١٧/ ٢١٣)، والترمذي (٥/ ٥٦٦)، وهو صحيح.
[ ٢٨٣ ]
تفنى، وقيل: الله أكثر ثوابًا وعطاء مما في نفوسكم فأكثروا ما شئتم؛ فإنه تعالى يقابل أدعيتكم بما هو أكثر منها وأجل" (^١).
رابعًا: أنه سلاح يقاوم به البلاء، فيرفعه إن كان موجودًا، ويدفعه إن كان غير موجود
قال رسول الله ﷺ: (إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عبادَ الله بالدعاء) (^٢).
فـ" (الدعاء ينفع مما نزل) أي: من بلاء نزل بالرفع إن كان معلقًا، وبالصبر إن كان محكمًا فيسهل عليه تحمل ما نزل به فيصبره عليه أو يرضيه به حتى لا يكون في نزوله متمنيًا خلاف ما كان، بل يتلذذ بالبلاء كما يتلذذ أهل الدنيا بالنعماء، (ومما لم ينزل) أي: بأن يصرفه عنه ويدفعه منه أو يمده قبل النزول بتأييد من يخف معه أعباء ذلك إذا نزل به" (^٣). وقد قيل: "الدعاء كالتُرس والبلاء كالسهم، والقضاء أمر مبهم مقدَّر في الأزل" (^٤).
قال ابن القيم: " والدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلاء؛ يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن" (^٥).
آداب الدعاء:
الدعاء عبادة من العبادات التي ينبغي معرفة آدابها وأحكامها؛ حتى يظفر المسلم بأجرها، ويحصل على أثرها من الإجابة وغيرها. فربما يدعو بعض الناس دعاء كثيرًا ولم تحصل له الإجابة، وقد يكون من أسباب عدم حصول المراد: وجود مانع من موانع إجابة
_________________
(١) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (١٠/ ١٨).
(٢) رواه الترمذي (٥/ ٥٥٢)، والحاكم (١/ ٦٦٩)، وهو حسن
(٣) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (٩/ ٣٧٤).
(٤) المرجع السابق (٦/ ٢٨٩).
(٥) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ٤).
[ ٢٨٤ ]
الدعاء والداعي لا يشعر بذلك. " فـ"الأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحًا تامًا لا آفة به، والساعد ساعد قوي والمانع مفقود؛ حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير؛ فإن كان الدعاء في نفسه غير صالح أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء أو كان ثَم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر" (^١).
ومن تتبع القرآن العظيم وسنة رسوله الكريم ﷺ وجد للدعاء آدابًا منها الواجب ومنها المستحب، فمن تلك الآداب:
أولًا: أن يتوجه العبد بدعائه إلى ربه لا إلى غيره، فيدعوه طمعًا في الثواب وحصول الخير، وخوفًا من العقاب واستمرار الشر أو نزوله، قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
ثانيًا: إخفاء الدعاء وخفض الصوت به، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
قال الحسن البصري: "ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم؛ وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وذلك أن الله ذكر عبدًا صالحًا رضي فعله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ " (^٢).
ثالثًا: اختيار جوامع الدعاء، التي تشتمل على خيري الدنيا والآخرة، ومن أمثلتها من القرآن قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. وعن عائشة ﵂، قالت: دخل عليّ النبي ﷺ وأنا أصلي- وله حاجة، فأبطأت عليه- قال: (يا عائشة، عليك بجمَل الدعاء،
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ٨).
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٧٠).
[ ٢٨٥ ]
وجوامعه). فلما انصرفت، قلت: يا رسول الله، وما جُمل الدعاء وجوامعه؟ قال: (قولي: اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم. وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمت وما لم أعلم. وأسألك الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك مما سألك به محمد ﷺ، وأعوذ بك مما تعوذ منه محمد ﷺ، وما قضيت لي من قضاء فاجعل عاقتبه رشدًا) (^١).
وعنها ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستحبُ الجوامعَ من الدعاء، ويَدعُ ما سوى ذلك) (^٢).
رابعًا: الإلحاح على الله تعالى، والاستمرار في الدعاء، " فما دام العبدُ يُلحُّ في الدُّعاء، ويَطمعُ في الإجابة من غير قطع الرّجاء، فهو قريبٌ من الإجابة، ومَنْ أَدمن قرعَ الباب يُوشك أنْ يُفتح له" (^٣).
خامسًا: تقديم أهمِّ الدعوات على غيرها؛ كالدعاء بالإعانة على مرضاة الله، ومغفرة الذنوب، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار، ودخول الجنة، قال ابن رجب: "ومن أهمِّ ما يسألُ العبد ربَّه مغفرةُ ذنوبه، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار، ودخول الجنة، وقد قال النَّبيُّ ﷺ: (حولَها نُدنْدِن) يعني: حول سؤال الجنة والنجاة من النار. وقال أبو مسلم الخَولاني: ما عَرَضت لي دعوةٌ فذكرتُ النار إلا صرفتُها إلى الاستعاذة منها" (^٤).
وقال ابن القيم: " من أفضل ما يُسأل الربُّ ﵎ الإعانة على مرضاته وهو
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢/ ١٢١٦)، والبخاري في الأدب المفرد (ص: ٢٢٢)، وهو صحيح.
(٢) رواه أبو داود (١/ ٥٥٢)، وهو صحيح.
(٣) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٤٤/ ٥).
(٤) المرجع السابق.
[ ٢٨٦ ]
الذي علمه النبي لحِبِّه معاذ بن جبل ﵁ فقال: (يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب. وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده وعلى تكميله وتيسير أسبابه فتأملها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " (^١).
سادسًا: القيام بطاعة الله وترك معاصيه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
ففي الآية "توجيه منه سبحانه إلى ما يجعل الدعاء مرجو القبول والإِجابة، والمعنى: لقد وعدتكم يا عبادي، بأن أجيب دعاءكم إذا دعوتموني، وعليكم أنتم أن تستجيبوا لأمري، وأن تقفوا عند حدودي، وأن تثبتوا على إيمانكم بي؛ لعلكم بذلك تصلون إلى ما فيه رشدكم وسعادتكم في الحياتين العاجلة والآجلة. وأمرهم سبحانه بالإِيمان بعد الأمر بالاستجابة؛ لأنه أول مراتب الدعوة، وأولى الطاعات بالاستجابة" (^٢).
قال وهب بن منبه: " الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر" (^٣).
سابعًا: عدم الاعتداء في الدعاء، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
والمعنى: "إن ربكم لا يحب من اعتدى فتجاوز حدَّه الذي حدَّه لعباده في دعائه ومسألته ربَّه، ورفعه صوته فوق الحد الذي حدَّ لهم في دعائهم إياه، ومسألتهم، وفي غير
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٧٨).
(٢) الوسيط لسيد طنطاوي (ص: ٣٠٩).
(٣) شعب الإيمان، للبيهقي (٢/ ٥٣).
[ ٢٨٧ ]
ذلك من الأمور" (^١).
وعن أبي نَعامة: أن عبد الله بن مغفَّل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتُها! فقال: أي بُنَيَّ، سلِ الله الجنة، وتعوذ به من النار؛ فإني. سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطُّهور والدعاء) (^٢).
والاعتداء في الدعاء له صور:
قال ابن حجر: "والاعتداء في الدعاء يقع بزيادة الرفع-يعني: رفع الصوت- فوق الحاجة، أو بطلب ما يستحيل حصوله شرعًا، أو بطلب معصية، أو يدعو بما لم يؤثر، خصوصًا ما وردت كراهته كالسجع المتكلف، وترك المأمور" (^٣).
وقال أحمد بن عبد الحليم: " فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات. وتارة يسأل ما لا يفعله الله مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية: من الحاجة إلى الطعام والشراب. ويسأله بأن يطلعه على غيبه، أو أن يجعله من المعصومين، أو يهب له ولدًا من غير زوجة ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله. وفسر الاعتداء برفع الصوت أيضًا في الدعاء" (^٤).
وقال الشوكاني: " ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل الداعي ما ليس له كالخلود في الدنيا، أو إدراك ما هو محال في نفسه، أو بطلب الوصول إلى منازل الأنبياء في الآخرة، أو
_________________
(١) تفسير الطبري (١٢/ ٤٨٦).
(٢) رواه أبو داود (١/ ٣٦)، وابن ماجه (٢/ ١٢٧١)، وهو صحيح.
(٣) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٥٥).
(٤) مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٢).
[ ٢٨٨ ]
يرفع صوته بالدعاء صارخًا به" (^١).
ثامنًا: عدم الاستعجال للإجابة، قال النبي ﷺ: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل) قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: (يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي! فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء) (^٢).
والله تعالى يختار لعبده المؤمن ما هو خير؛ فقد يؤخر عنه الإجابة لحِكَم يرى بها أن تعجيل الإجابة ليس خيرًا لعبده، فما عليه إلا تكرار الدعاء وعدم الاستحسار.
قال ابن الجوزي: "ينبغي لمن وقع في شدة ثم دعا ألا يختلج في قلبه أمر من تأخير الإجابة أو عدمها؛ لأن الذي عليه أن يدعو، والمدعو مالك حكيم، فإن لم يجب فعَلَ ما يشاء في ملكه، وإن أخر فَعلَ بمقتضى حكمته. فالمعترض عليه في سرِّه خارج عن صفة عبد، مزاحم لمرتبة مستحق، ثم ليعلم أن اختيار الله ﷿ له خير من اختياره لنفسه … فإذا سلم العبد تحكيمًا لحكمته وحُكمه، وأيقن أن الكل ملكُه؛ طاب قلبه، قضيت حاجته أو لم تقض. وفي الحديث: (ما من مسلم دعا الله تعالى إلا أجابه؛ فإما أن يعجلها، وإما أن يؤخرها، وإما أن يدخرها له في الآخرة) فإذا رأى يوم القيامة أن ما أُجيب فيه قد ذهب، وما لم يُجب فيه قد بقي ثوابه، قال: ليتك لم تُجب لي دعوة قط. فافهم هذه الأشياء وسلّم قلبك من أن يختلج فيه ريب أو استعجال" (^٣).
وقال أيضًا: "من العجب إلحاحُك في طلب أغراضك، وكلما زاد تعويقها زاد إلحاحك، وتنسى أنها قد تُمنع لأحد أمرين؛ إما لمصلحتك؛ فرب معجّل آذى، وإما لذنوبك؛ فإن صاحب الذنوب بعيد من الإجابة، فنظِّفْ طرق الإجابة من أوساخ
_________________
(١) فتح القدير، للشوكاني (٢/ ٣١٠).
(٢) رواه مسلم (٤/ ٢٠٩٥).
(٣) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ١١٥).
[ ٢٨٩ ]
المعاصي، وانظر فيما تطلبه هل هو لإصلاح دينك، أو لمجرد هواك؟ فإن كان للهوى المجرد فاعلم أن من اللطف بك والرحمة لك تعويقه، وأنت في إلحاحك بمثابة الطفل يطلب ما يؤذيه فيمنع رفقًا به، وإن كان لصلاح دينك فربما كانت المصلحة تأخيره، أو كان صلاح الدين بعدمه، وفي الجملة تدبير الحق ﷿ لك خير من تدبيرك. وقد يمنعك ما تهوى ابتلاء ليبلو صبرك، فأرِه الصبر الجميل ترَ عن قربٍ ما يُسرُّ. ومتى نظفت طرق الإجابة من أدران الذنوب، وصبرت على ما يقضيه لك، فكل ما يجري أصلح لك؛ عطاء كان أو منعًا" (^١).
وقال يحيى بن معاذ الرازي: "لا تستبطئن الإجابة إذا دعوت وقد سددتَ طرقها بالذنوب" (^٢).
"ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء: أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة، فيستحسر ويدع الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذرًا أو غرس غرسًا فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله" (^٣).
فـ"لا يكُنْ تَأخُّرُ أَمَد العَطاء مَعَ الإلْحاح في الدّعَاءِ موجبًَا ليأسِك؛ فهو ضَمِنَ لَكَ الإجابَةَ فيما يختارُهُ لكَ، لا فيما تختاره لنَفْسكَ، وفي الوقْتِ الذي يريدُ لا في الوقْت الذي تُريد" (^٤).
تاسعًا: البعد عن أكل الحرام، قال رسول الله ﷺ: (أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ١٤٣).
(٢) شعب الإيمان، للبيهقي (٢/ ٥٤).
(٣) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ٥).
(٤) شرح الحكم العطائية (ص: ١٩).
[ ٢٩٠ ]
الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمة حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام وغذِّي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟) (^١).
عاشرًا: الدعاء بقلب حاضر، غيرِ لاهٍ، قال النبي ﷺ: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه) (^٢).
ولابن القيم ﵀ كلام جامع في آداب الدعاء حيث يقول: " وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم، وصادف خشوعًا في القلب وانكسارًا بين يدي الرب، وذلًّا له وتضرعًا ورقِّة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنّى بالصلاة على محمد عبده، ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألحّ عليه في المسألة، وتملّقه ودعاه رغبة ورهبة، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدّم بين يدي دعائه صدقة؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يُرد أبدًا، ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم" (^٣).
من أدعية النبي ﷺ:
عن أنس قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ (اللهم ربنا آتنا في الدنيا
_________________
(١) رواه مسلم (٢/ ٧٠٣).
(٢) رواه الترمذي (٥/ ٥١٧)، والحاكم (١/ ٦٧٠)،، وهو حسن.
(٣) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ٥).
[ ٢٩١ ]
حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (^١).
وقوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى) (^٢).
وقوله: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي) (^٣).
وقوله: (اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ) (^٤).
وقوله: (اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ) (^٥).
من الأدعية الصالحة:
عن عمر ﵁ أنه كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك أن تأخذني على غِرّة، أو تذرني في غفلة، أو تجعلني من الغافلين (^٦).
قال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن لم أكن أهلًا أن أبلغ رحمتك فإن رحمتك أهل أن تبلغني، رحمتُك وسعت كل شيء وأنا شيء فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنك خلقتَ قومًا فأطاعوك فيما أمرتهم، وعملوا في الذي خلقتهم له فرحمتك إياهم كانت قبل طاعتهم لك يا أرحم الراحمين (^٧).
يا من أظهر الجميل، وستر القبيح، يا من لا يؤاخِذ بالجريرة، ولا يهتك الستر، يا
_________________
(١) رواه البخاري (٥/ ٢٣٤٧).
(٢) رواه مسلم (٤/ ٢٠٨٧).
(٣) رواه مسلم (٤/ ٢٠٧٣).
(٤) رواه مسلم (٤/ ٢٠٤٥).
(٥) رواه مسلم (٤/ ٢٠٨٧).
(٦) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٦٦).
(٧) حلية الأولياء، لأبي نعيم (٥/ ٢٩٩).
[ ٢٩٢ ]
عظيم العفو، يا حسن التجاوز، يا واسع المغفرة، يا باسط اليدين بالرحمة، يا صاحب كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، يا كريم الصفح، يا عظيم المنِّ، يا مبتدئ النعم قبل استحقاقها، يا ربنا ويا سيدنا ويا مولانا ويا غاية رغبتنا أسألك يا الله .. (^١).
اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الطلب إلا منك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك، وأسالك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي، والشكر على نعمتك شعاري ودثاري، والنظر في ملكوتك دأبي وديدني، والانقياد لك شأني وشغلي، والخوف منك أمني وإيماني، واللياذ بذكرك بهجتي وسروري (^٢).
من أدعية الأعراب:
دعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك، أو أضل في هداك، أو أذل في عزك، أو أُضام في سلطانك، أو أُضطهد والأمر لك (^٣).
قال الأصمعي: سمعت أعرابيًا يدعو الله وهو يقول: هربت إليك بنفسي -يا ملجأ الهاربين- بأثقال الذنوب أحملها على ظهري، لا أجد شافعًا إليك إلا معرفتي بأنك أكرم من قصد إليه المضطرون، وأمَّل فيما لديه الراغبون، يا من فتق العقول بمعرفته، وأطلق الألسن بحمده، وجعل ما امتن به من ذلك على خلقه كِفاء لتأدية حقه، لا تجعل للهوى على عقلي سبيلا، ولا للباطل على عملي دليلا (^٤).
وعن بعضِ الأعراب أنه تعلَّقَ بأستار الكعبة وهو يقول: اللَّهمّ إن استغفاري مع
_________________
(١) المستدرك، للحاكم (١/ ٧٢٩).
(٢) البصائر والذخائر، لأبي حيان التوحيدي (٦/ ٥).
(٣) البصائر والذخائر، لأبي حيان التوحيدي (٥/ ١٣٨).
(٤) الأمالي في لغة العرب، للقالي (١/ ١٢).
[ ٢٩٣ ]
إصراري للؤم، وإن تركي الاستغفارَ مع علمي بسَعَة عفوك لعجز، فكم تَتَحَبَّبُ إليّ بالنعم مع غِناكَ عني، وأَتَبَغَّضُ إليك بالمعاصي مع فقري إليك، يا مَنْ إذا وَعدَ وَفَّى، وإذا توعَّدَ تجاوز وعفا، أدخِلْ عظيمَ جُرمي في عظيم عفوكَ يا أرحم الراحمين (^١).
ودعا أعرابي فقال: اللهم ارزقني من الخير أكثر مما أرجو، واصرف عني من الشر أكثر مما أخاف (^٢).
ودعا أعرابيٌّ في الكعبة فقال: اللهمّ إني أسألك الخوف منك حين يأمنك من لا يعرفك، وأسألك الأمن منك حين يخافك من يغترّ بك (^٣).
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيًا يدعو ويقول: اللهمّ إنّ ذنوبي تخّوفني منك، وجودك يبشرني عنك، فأخرجني بالخوف من الخطايا، وأوصلني بجودك إلى العطايا، حتى أكون غداّ في القيامة عتيق كرمك، كما أنا في الدّنيا ربيب نعمك (^٤).
وكان بعضهم يقول في دعائه: اللهم أعني على ديني بدنيا، وأعني على آخرتي بتقوى" (^٥).
ووقفت أعرابية على قبر أبيها فقالت: يا أبت، إن في الله تعالى عوضًا عن فقدك، وفي رسول الله أسوة في مصيبتك، ثم قالت: اللهم نزل بك عبدُك خاليًا مقفرًا من الزاد، مخشوشن المهاد، غنيًا عما في أيدي العباد، فقيرًا إلى ما في يدك يا جواد، وأنت -أي ربّ-
_________________
(١) الأذكار للإمام النووي (٢/ ١٥).
(٢) البصائر والذخائر، لأبي حيان التوحيدي (٥/ ٢٠٤).
(٣) المرجع السابق (٨/ ٣٤).
(٤) المرجع السابق (٨/ ٨٩).
(٥) نثر الدر، للآبي (٦/ ٥١).
[ ٢٩٤ ]
خير من نزل به المرمِلون (^١)، واستغنى بفضله المقلِّون، وولج في سعة رحمته المذنبون، اللهم فليكن قِرى عبدك منك رحمتَك، ومهاده جنتك (^٢).
_________________
(١) المرملون: الفقراء. المعجم الوسيط (١/ ٣٧٤).
(٢) الكشكول، للعاملي (١/ ٥٦).
[ ٢٩٥ ]
عبادةُ الصَّبْر على البلاء
إن الحياة الدنيا ليست دار راحة تامة، لا تكدرها الآلام، ولا تطرأ عليها المصائبُ والأحزان، ولا تعكر أجواءَ سعاداتها الغموم والكربات، بل هي دار مشوبة بذلك، وخُلق الإنسانُ إليها وقَدُره عليها كذلك، ولا راحة تامة له إلا إذا استقر في الجنة إن آمن وعمل صالحًا. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]. أي: " في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يُقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يُكابد مشاق التعلُّم، ثم مشاق القيام بأمور الدين، وأمور معاشه، وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره، ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلاّ بعد دخول الجنة" (^١).
فعلى الإنسان أن يوطِّن نفسه على أن لا يجد زمانَ الدنيا كلَّه سرورًا لا كدر فيه، فالحياة يومان: يوم سرور، ويوم شرور، ويوم أفراح، ويوم أتراح. فمن روّض نفسه على هذه الحقيقة هانت عليه مصائب الدنيا.
قال النمر بن تولب:
فيومٌ علينا ويومٌ لنا … ويومٌ نُساءُ ويوم نُسَرْ (^٢).
بل إن المؤمن يعاني في الدنيا من المشاق أكثر من غيره؛ فعن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان دينه صُلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه
_________________
(١) البحر المديد، لابن عجيبة (٨/ ٤٦٨).
(٢) زهر الأكم في الأمثال والحكم، لليوسي (ص: ٣١٧).
[ ٢٩٦ ]