إن الإنسان في هذه الحياة مكلف بالأمر والنهي الذي به سعادته في الدنيا والآخرة، ولا يسعه الخروج عن هذا التكليف مادام من أهله حتى يخرج عن هذه الحياة، بالانتقال من دار العمل إلى دار الجزاء.
فالمكلِّف ربٌّ خالق، والمكلَّف عبدٌ مخلوق، وليس للعبد والأمر كذلك إلا التسليم والانقياد لأوامر سيده ونواهيه، فإذا انضاف إلى ذلك أن هذه الأوامر والنواهي آتية من رب عليم رحيم ازداد الأمر تأكدًا في التسليم لها والانقياد لما جاءت به.
فمصدرها العليم الخبير ﷾ الذي علِم أن التزام عباده بهذه الأوامر والنواهي سيجلب لهم المنافع العاجلة والآجلة ويدفع عنهم المضار الدنيوية والأخروية، وهي بذلك مظهر من مظاهر رحمة الله بخلقه؛ فلرحمته بهم كلفهم بذلك حتى يصلوا إلى سعادة الدنيا والآخرة.
والاتعاظ بنصوص الشرع لن يكون إلا بالتسليم لها والانقياد لما جاءت به، فأكثر الناس اتعاظًا وصلاحًا هم المنقادون للوحي الذين لا يقدمون عليه رأيًا ولا قولًا ولا ناموسًا يخالفه.
عظمة النصوص الشرعية:
إن النص الشرعي- كتابًا وسنة صحيحة- يمتلك القداسة والعظمة بالنظر إلى مصدره، فهو تكليف جاء عن الله عن طريق الوحي الذي يتسم بالعصمة من الزلل والعبث، فيجب لذلك تعظيمه واتباعه؛ تعظيمًا لله تعالى.
قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا
[ ٢٤ ]
تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣].
فقد "أمر الناس أن يتبعوا ما أنزل إليهم، كلٌّ يتبع ما هو به أعلق، فالمشركون أنزل إليهم الزجر عن الشرك والاحتجاج على ضلالهم، والمسلمون أنزل إليهم الأمر والنهي والتكليف. فكلٌّ مأمور باتباع ما أنزل إليه" (^١).
"والمراد بـ ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ هو القرآن والسنة المبينة له، لا آراء الرجال" (^٢).
قال ابن القيم: " أول مراتب تعظيم الحق ﷿: تعظيم أمره ونهيه؛ وكذلك المؤمن يعرف ربه ﷿ برسالته التي أرسل بها رسول الله ﷺ إلى كافة الناس، ومقتضاها الانقياد لأمره ونهيه، وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله ﷿ واتباعه وتعظيم نهيه واجتنابه، فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تعالى ونهيه دالًا على تعظيمه لصاحب الأمر والنهي، ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالإيمان والتصديق وصحة العقيدة والبراءة من النفاق الأكبر؛ فإن الرجل قد يتعاطى فعل الأمر لنظر الخلق وطلب المنزلة والجاه عندهم، ويتقي المناهي خشية سقوطه من أعينهم وخشية العقوبات الدنيوية من الحدود التي رتبها الشارع ﷺ على المناهي، فهذا ليس فعله وتركه صادرًا عن تعظيم الأمر والنهي، ولا تعظيم الآمر والناهي" (^٣).
إن قبول نصوص الشريعة والانقياد لها من الإيمان والتصديق والخضوع والتواضع الذي يجب على الإنسان، ولا يصح الإسلام إلا بذلك.
فيجب" التسليم المحض للوحي، فإذا سلم القلب له رأى صحة ما جاء به، وأنه الحق بصريح العقل والفطرة، فاجتمع له السمع والعقل والفطرة، وهذا أكمل الإيمان،
_________________
(١) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٨/ ١٢).
(٢) أضواء البيان، للشنقيطي (٧/ ٣٠٠).
(٣) الوابل الصيب، لابن القيم (ص: ١٥).
[ ٢٥ ]
ليس كمن الحرب قائمة بين سمعه وعقله وفطرته" (^١).
" فأعلى مراتب الصدق: مرتبة الصديقية، وهي كمال الانقياد للرسول، مع كمال الإخلاص للمرسل" (^٢). ومن " تكبر عن الانقياد للحق أذله الله ووضعه وصغره وحقره، ومن تكبر عن الانقياد للحق ولو جاءه على يد صغير أو من يبغضه أو يعاديه فإنما تكبره على الله؛ فإن الله هو الحق وكلامه حق ودينه حق، والحق صفته ومنه وله، فإذا رده العبد وتكبر عن قبوله فإنما رد على الله وتكبر عليه والله أعلم" (^٣).
السنة وحي من عند الله تعالى:
لقد أرسل الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، فأنزل عليه القرآن الكريم وأوحى إليه بيانه، فكان رسول الله ﷺ يتلو على الناس كتاب الله ويبينه لهم بقوله وبفعله وذلك هو السنة، ويقره الله تعالى ويوحي إليه بذلك.
فعن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ: (ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته (^٤) فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله؛ فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإنَّ ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله) (^٥).
وعند أبي داود: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن؛ فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٦٩).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٢٧٠).
(٣) المصدر السابق (٢/ ٣٣٣).
(٤) الأرِيكة: السرير. وقيل: هو كل ما اتُّكِئَ عليه من سرير أو فِرَاشٍ أو مِنَصَّة. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ٨٤).
(٥) رواه الترمذي (٥/ ٣٨)، وهو صحيح.
[ ٢٦ ]
معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قِراه) (^١).
ففي هذا الحديث تحذير من" مخالفة السنن التي سنها رسول اللّه ﷺ مما ليس له في القرآن ذكر" (^٢).
قال الطيبي: "وفي هذا الحديث توبيخ وتقريع عظيم على ترك السنة والعمل بالحديث؛ استغناء عنها بالكتاب، هذا مع الكتاب فكيف بمن رجح الرأي على الحديث، وإذا سمع حديثًا من الأحاديث الصحيحة قال: لا عليّ بأن أعمل بها؛ فإن لي مذهبًا أتبعه! " (^٣).
وقال المباركفوري: " والمعنى: لا يجوز الإعراض عن حديثه عليه الصلاة والسلام؛ لأن المعرض عنه معرض عن القرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] " (^٤).
وقال أبو إسحاق إسماعيل بن سعيد الكسائي الفقيه: "يجب على الناس أن يتبعوا القرآن، ولا يخالفوه، فإن احتج محتج بأن في السنن ما يخالف التنزيل، قيل لهم: إن رسول الله ﷺ قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه). وكل سنة ثبتت عن رسول الله ﷺ لا يجوز لقائل أن يقول: إنها خلاف التنزيل؛ لأن السنة تفسر التنزيل، والسنة كان ينزل بها جبريل، ويعلمها رسول الله ﷺ فكان لا يقول قولًا يخالف التنزيل إلا ما نسخ من قوله بالتنزيل، فمعنى التنزيل ما قال
_________________
(١) سنن أبى داود (٤/ ٣٢٨).
(٢) تفسير سنن أبي داود (معالم السنن) لأبي سليمان الخطابي (٣/ ١٣٥).
(٣) حاشية السندي على ابن ماجه (١/ ١).
(٤) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (٧/ ٣٥٤).
[ ٢٧ ]
رسول الله ﷺ إذا كان ذلك بإسناد ثبت عنه" (^١).
علامات تعظيم نصوص الوحي:
من الناس من يقول: إنه معظم للنص الشرعي، ومنقاد له، ولا يعارضه بما يتخلص به عن العمل بمقتضاه، وهذا القول قد يكون من بعض الناس دعوى يخالف واقعُه ما تقول لسانه، ويكون من بعضهم حقيقة تدل عليها البراهين والشواهد.
وحتى يعرف الإنسان نفسه ويعرف غيره هل هو من الصادقين أو المدعين في تعظيم الأمر والنهي الشرعيين؛ نعرض بعض العلامات التي تدل على تعظيم نصوص الشرع ذكرها ابن القيم.
قال ﵀: " فعلامة التعظيم للأوامر: رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على تحينها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها" (^٢).
وقال أيضًا: "وأما علامات تعظيم المناهي: فالحرص على التباعد من مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب منها؛ كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصور التي تقع بها الفتنة؛ خشية الافتتان بها، وأن يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، وأن يجانب الفضول من المباحثات خشية الوقوع في المكروه، ومجانبة من يجاهر بارتكابها ويحسنها ويدعو إليها ويتهاون بها ولا يبالي ما ركب منها؛ فإن مخالطة مثل هذا داعية إلى سخط الله تعالى وغضبه، ولا يخالطه إلا من سقط من قلبه تعظيم الله تعالى وحرماته. ومن علامات تعظيم النهي: أن يغضب لله ﷿ إذا انتهكت محارمه، وأن يجد في قلبه حزنًا وكسرة إذا عُصي الله تعالى في أرضه، ولم يضلع بإقامة حدوده وأوامره، ولم يستطع هو أن يغير ذلك.
_________________
(١) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، لأبي بكر الهمداني (ص: ٢٤).
(٢) الوابل الصيب، لابن القيم (ص: ١٥).
[ ٢٨ ]
ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون صاحبه جافيًا غير مستقيم على المنهج الوسط؛ مثال ذلك: أن السنة وردت بالإبراد بالظهر في شدة الحر، فالترخص الجافي أن يبرد إلى فوات الوقت أو مقاربة خروجه فيكون مترخصًا جافيًا … وأما تعريض الأمر والنهي للتشديد الغالي فهو كمن يوسوس في الوضوء متغاليًا فيه حتى يفوت الوقت، أو يردد تكبيرة الأحرام إلى أن تفوته مع الإمام قراءة الفاتحة أو يكاد تفوته الركعة … فحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يعارَضا بترخص جافٍ، ولا يعرضا لتشديد غالٍ؛ فإن المقصود هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله ﷿ بسالكه …
ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يحمل الأمر على علة تضعف الانقياد والتسليم لأمر الله ﷿، بل يسلم لأمر الله تعالى وحكمه، ممتثلًا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر، فإن ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه حمله ذلك على مزيد الانقياد والتسليم، ولا يحمله ذلك على الانسلاخ منه وتركه" (^١).
سمعنا وأطعنا:
على طالب النجاة أن يسلم قلبه وجوارحه للوحي، بحيث ينقاد انقيادًا تامًا لما جاء به أمرًا ونهيًا، ناطقًا بلسانِ قالِه وفعاله: سمعنا وأطعنا، وأن لا يروغ عن ذلك يمنة ولا يسرة؛ لشهوة عنده أو شبهة أو حيلة؛ باحثًا عن مخرج يخلصه من الانقياد والتسليم.
وهذا هو الاستقامة التي أمر الله تعالى بها في قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢].
"قال عمر بن الخطاب ﵁: الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعالب" (^٢).
_________________
(١) الوابل الصيب، لابن القيم (ص: ٢٤).
(٢) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ١٠٤).
[ ٢٩ ]
فإن خضع لنص الشرع دل ذلك على سلامة قلبه " فالقلب الصحيح السليم ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى إدراكه، فهو صحيح الإدراك للحق تام الانقياد والقبول له" (^١).
إن هذا الانقياد والتسليم الذي على المسلم فعله مع نصوص الوحي: قرآنًا أو سنة؛ ينبغي أن يكون في جميع أحواله: الظاهرة والباطنة، والخاصة والعامة، وأن يكون عند هذا الانقياد راضيًا كل الرضا.
قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فقد: " أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدًا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكِّموا رسولَه في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتنفسح له كل الانفساح، وتقبله كل القبول ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضًا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم، وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض … وعند هذا يعلم أن الرب ﵎ أقسم على انتفاء إيمان أكثر الخلق، وعند الامتحان تعلم: هل هذه الأمور الثلاثة موجودة في قلب أكثر من يدعي الإسلام أم لا؟ والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" (^٢).
قال النووي: " بابُ ما يَقولُ مَنْ دُعي إلى حُكْمِ اللَّهِ تعالى
ينبغي لمن قال له غيرُه: بيني وبينَك كتاب اللّه، أو سنّة رسولِ اللّه ﷺ، أو أقوال علماء المسلمين، أو نحو ذلك، أو قال: اذهبْ معي إلى حاكم المسلمين،
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ١٠).
(٢) التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (٢/ ٤٣١).
[ ٣٠ ]
أو المفتي لفصلِ الخصومةِ التي بيننا، وما أشبَه ذلك؛ أن يقولَ: سمعنا وأطعنا، أو سمعًا وطاعةً، أو نعمْ وكرامة، أو شبه ذلك، قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّمَا كانَ قَوْلَ المُؤْمِنينَ إذَا دُعُوا إلى اللّه وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥١ - ٥٢] " (^١).
فـ" قوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معناه: كذلك يجب أن يكون قولهم وطريقتهم إذا دعوا إلى حكم كتاب الله ورسوله أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، فيكون إتيانهم إليه وانقيادهم له سمعًا وطاعة، ومعنى: ﴿سَمِعْنَا﴾ أجبنا على تأويل قول المسلمين: سمع الله لمن حمده أي: قبل وأجاب، ثم قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما ساءه وسره، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما بقي من عمره. وهذه الآية على إيجازها حاوية لكل ما ينبغي للمؤمنين أن يفعلوه" (^٢).
قال ابن القيم: " التواضع للدين هو: الانقياد لما جاء به الرسول والاستسلام له والإذعان، وذلك بثلاثة أشياء:
الأول: أن لا يعارض شيئًا مما جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم المسماة: بالمعقول، والقياس، والذوق، والسياسة.
فالأولى: للمنحرفين أهلِ الكبر من المتكلمين الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة وقالوا: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل وعزلنا النقل؛ إما عزل تفويض وإما عزل تأويل.
والثانية: للمتكبرين من المنتسبين إلى الفقه قالوا: إذا تعارض القياس والرأي والنصوص قدمنا القياس على النص ولم نلتفت إليه.
_________________
(١) الأذكار النووية، للإمام النووي (١/ ٣٩٤).
(٢) تفسير الرازي: مفاتيح الغيب (٢٤/ ٢٠).
[ ٣١ ]
والثالثة: للمتكبرين المنحرفين من المنتسبين إلى التصوف والزهد، فإذا تعارض عندهم الذوق والأمر قدموا الذوق والحال ولم يعبأوا بالأمر.
والرابع: للمتكبرين المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين، إذا تعارضت عندهم الشريعة والسياسة قدموا السياسة ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة.
فهؤلاء الأربعة هم أهل الكبر. والتواضعُ التخلص من ذلك كله.
الثاني: أن لا يتهم دليلًا من أدلة الدين بحيث يظنه فاسد الدلالة أو ناقص الدلالة أو قاصرها، أو أن غيره كان أولى منه، ومتى عرض له شيء من ذلك فليتهم فهمه، وليعلم أن الآفة منه والبلية فيه كما قيل:
وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا … وآفته من الفهم السقيمِ
ولكنْ تأخذ الأذهانُ منه … على قدر القرائح والفهوم
وهكذا الواقع في الواقع حقيقة: أنه ما اتهم أحد دليلًا للدين إلا وكان المتهم هو الفاسد الذهن المأفون في عقله وذهنه، فالآفة من الذهن العليل لا في نفس الدليل، وإذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك وينبو فهمك عنه فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك، وأن تحته كنزًا من كنوز العلم، ولم تؤت مفتاحه بعد هذا في حق نفسك،
وأما بالنسبة إلى غيرك فاتهم آراء الرجال على نصوص الوحي، وليكن ردها أيسر شيء عليك للنصوص، فما لم تفعل ذلك فلست على شيء ولو ولو، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء قال الشافعي قدس الله روحه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله لم يحل له أن يدعها لقول أحد.
الثالث: أن لا يجد إلى خلاف النص سبيلًا ألبتة، لا بباطنه ولا بلسانه ولا بفعله ولا بحاله، بل إذا أحس بشيء من الخلاف فهو كخلاف المقدم على الزنا وشرب الخمر وقتل النفس، بل هذا الخلاف أعظم عند الله من ذلك، وهو داع إلى النفاق وهو الذي خافه
[ ٣٢ ]
الكبار والأئمة على نفوسهم. واعلم أن المخالف للنص لقول متبوعه وشيخه ومقلده أو لرأيه ومعقوله وذوقه وسياسته إن كان عند الله معذورًا -ولا والله ما هو بمعذور- فالمخالف لقوله لنصوص الوحي أولى بالعذر عند الله ورسوله وملائكته والمؤمنين من عباده. فواعجبًا إذا اتسع بطلان المخالفين للنصوص لعذر من خالفها تقليدًا أو تأويلًا أو لغير ذلك، فكيف ضاق عن عذر من خالف أقوالهم وأقوال شيوخهم لأجل موافقة النصوص، وكيف نصبوا له الحبائل وبغوه الغوائل ورموه بالعظائم، وجعلوه أسوأ حالًا من أرباب الجرائم، فرموه بدائهم وانسلوا منه لواذا، وقذفوه بمصابهم وجعلوا تعظيم المتبوعين ملاذًا لهم ومعاذا! " (^١).
أسباب ترك الانقياد والتسليم لنصوص الشرع:
هناك قضايا تكون نصوصها الشرعية ظاهرة معلومة، لا يخفيها جهلٌ بها ولا قلة دراية بمقاصدها، فأوامرها أو نواهيها صريحة واضحة، ولكن يجد المرء عند بعض المسلمين ضعف الانقياد لها، وترك الاستجابة لما فيها، إما بترك العمل بها من غير اعتراض عليها، وإما بترك العمل بها مع الاعتراض عليها؛ تخلصًا من مضمونها، وهذا الثاني هو الخطر الكبير الذي قد يُبقي صاحبه في دائرة الإسلام، أو يخرجه عنها، فيخرجه إن كان ينكرها أو يستهزئ بها أو يجعل غيرها من نتائج عقول البشر أحسن منها.
قال ابن القيم: " وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله ﷺ برأي أو قياس، أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنًا من كان، ويهجرون فعل ذلك وينكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوغون غير الانقياد له والتسليم، والتلقي بالسمع والطاعة، ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان، بل كانوا عاملين بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٣٣٤).
[ ٣٣ ]
أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وبقول تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] " (^١).
وهذه الأسباب التي سنذكرها يمكن أن ترجع إجمالًا إلى سببين رئيسين: الأول: الشهوة، والثاني: الشبهة.
فمن الأسباب التي تؤدي إلى ترك الانقياد والتسليم للنص:
أولًا: طلب اللذة والمتعة والراحة، فقد يخرج الإنسان عن حدود الله ويتجاوز الحلال إلى الحرام: تاركًا للأمر أو مرتكبًا للنهي؛ لكونه يريد من وراء ذلك الوصول إلى اللذة؛ كالنظرة المحرمة، أو المتعة؛ كشرب الخمر، أو الراحة؛ كترك الصلاة.
ثانيًا: موافقة المجتمع وكراهة الخروج عن نواميسه
قد يعيش مجتمعٌ ما على فعل معصية من المعاصي، أو ترك واجب من الواجبات ويصير ذلك أمرًا ظاهرًا فيه، فيأتي بعض الناس فيكره الخروج عن هذا الناموس السائد فيوافق أهل مجتمعه فيما هم فيه من الذنوب
ثالثًا: الوصول إلى أغراض الدنيا وزينتها، وهذا من أكبر الأسباب وأكثرها التي يخرج بها بعض الناس عن ضوابط الشريعة؛ فكم من أوامر تركت ونواهٍ ارتكبت؛ طلبًا للمال، أو الجاه، أو الوظيفة، أو الشهرة، أو الثناء والشكر.
رابعًا: إرضاء البشر، حينما يضعف الإيمان في القلب يقدم إرضاء البشر على إرضاء رب البشر، فكم تارك للنصوص الشرعية لأنه يريد بذلك بلوغ رضوان الناس عنه، فبعض النساء تعلم أن التبرج ولين الحجاب حرام، ولكن تريد بتبرجها وقلة حجابها أن يرضى الناس عنها ويقولون: إنها امرأة جميلة وحضارية متقدمة وليست جاهلة متخلفة!
وهذه الأسباب الأربعة ونحوها توصل إليها أمورٌ أخرى؛ فقد يوصل إليها:
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (٤/ ٢٦٨).
[ ٣٤ ]
الكسل، أو التأويل، أو الحسد والكره، أو الضعف، أو التحيل، أو الآراء والأذواق والسياسة.
فكم من أمر شرعي تُرك بسبب الكسل، وكم من نهي ارتكب بسبب التأويل: بأن ذلك النهي ليس للتحريم، أو أنه منسوخ، أو أن المسألة فيها خلاف، أو أن المقصود غير ظاهر النص!
وكم نص شرعي عُطِّل لدى بعض الناس لكونه جاء عن بعض من يحسده أو يحقد عليه، فيتعمد ذلك الحاسد أو الكاره مخالفة النص؛ إغاظة لمن يكره أو يحسد، ولو جاء من غيره لقبله.
وكم من تشريع من التشريعات لم يُعمل به عند بعض المكلفين؛ لأن ذلك المكلف تحيل على نصوصه فأخرجها عما جاءت له؛ كدأب بني إسرائيل في عدة تشريعات منها قصة أصحاب السبت.
وكم آراء وأقيسة وسياسات وقفت حائلًا دون العمل بالنصوص الشرعية، فكانت اعتراضًا عورضت بها تلك النصوص.
يقول ابن القيم ﵀: " الاعتراض ثلاثة أنواع سارية في الناس، والمعصوم من عصمه الله منها.
النوع الأول: الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشبه الباطلة التي يسميها أربابها قواطع عقلية، وهي في الحقيقة خيالات جهلية ومحالات ذهنية …
النوع الثاني: الاعتراض على شرعه وأمره، وأهل هذا الاعتراض ثلاثة أنواع:
أحدها: المعترضون عليه بآرائهم وأقيستهم المتضمنة تحليل ما حرم الله ﷾، وتحريم ما أباحه، وإسقاط ما أوجبه وإيجاب ما أسقطه، وإبطال ما صححه وتصحيح ما أبطله، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وتقييد ما أطلقه وإطلاق ما
[ ٣٥ ]
قيده. وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلف قاطبة على ذمها والتحذير منها، وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض وحذروا منهم ونفروا عنهم.
النوع الثاني: الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات، والكشوفات الباطلة الشيطانية المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله. وإبطال دينه الذي شرعه على لسان رسوله، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفوس الجاهلة …
النوع الثالث: الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدموها على حكم الله ورسوله، وحكموا بها بين عباده، وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده. فقال الأولون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل. وقال الآخرون: إذا تعارض الأثر والقياس قدمنا القياس. وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع قدمنا الذوق والوجد والكشف.
وقال أصحاب السياسة: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة، فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتًا يتحاكمون إليه. فهؤلاء يقولون: لكم النقل ولنا العقل، والآخرون يقولون: أنتم أصحاب آثار وأخبار، ونحن أصحاب أقيسة وآراء وأفكار، وأولئك يقولون: أنتم أرباب الظاهر ونحن أهل الحقائق، والآخرون يقولون: لكم الشرع ولنا السياسة! " (^١).
مواقف مشرقة:
في هذه المواقف المضيئة سنرى أهل التسليم والانقياد للوحي كيف وقفوا عند النصوص الشرعية ولم يتجاوزوها، وانتصروا على أهوائهم وشهواتهم؛ طلبًا لرضوان الله تعالى، فبهم ﵃ يكون الاقتداء.
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٦٩).
[ ٣٦ ]
موقف الصديق مع مسطح ﵄:
=كان أبو بكر ﵁ ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره، فلما خاض مع أهل الإفك قال الصديق ﵁: (والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال) فأنزل الله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
قال أبو بكر: بلى، والله إني أحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا (^١).
مواقف ثلاثة للفاروق ﵁:
=عن نافع بن عمر عن ابن أبي ملكية قال: كاد الخيِّران أن يهلكا أبو بكر وعمر ﵄ رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع: لا أحفظ اسمه فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ …﴾ [الحجرات: ٢] الآية. قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه (^٢).
وفي رواية: قال ابن الزبير: "فكان عمر بعدُ إذا حدث النبي ﷺ بحديث حدثه كأخي السِّرار (^٣) لم يسمعه حتى يستفهمه" (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٤/ ١٧٧٤) ومسلم (٤/ ٢١٢٩).
(٢) رواه البخاري (٤/ ١٨٣٣).
(٣) كأخي السِّرار: السِّرار: المُساَرَرَة: أي كصاحب السّرَار أو كمْثل المُساَرَرَة؛ لخْفض صَوْته. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ٩١٢).
(٤) صحيح البخاري (٦/ ٢٦٦٢).
[ ٣٧ ]
=وعن ابن عباس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو شبابًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هيْ يا ابن الخطاب (^١) فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى همَّ به فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله (^٢).
=وعن ابن عمر ﵄: أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول الله ﷺ: (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله وإلا فليصمت) (^٣).
قال عمر: "فوالله ما حلفتُ بها منذ سمعت النبي ﷺ ذاكرًا ولا آثرًا (^٤) " (^٥).
موقف ثابت بن قيس بن شماس ﵁:
عن أنس بن مالك أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا
_________________
(١) قوله " هي يا ابن الخطاب " بمعنى التهديد له … والذي يقتضيه السياق أنه أراد بهذه الكلمة الزجر وطلب الكف لا الازدياد، وهذا من جفائه حيث خاطبه بهذه المخاطبة". فتح الباري لابن حجر (٢٠/ ٣٣٧).
(٢) رواه البخاري (٤/ ١٧٠٢).
(٣) رواه البخاري (٥/ ٢٢٦٥) ومسلم (٣/ ١٢٦٦).
(٤) معنى (ذاكرًا: قائلًا لها من قبل نفسي، (ولا آثرًا) بالمد أي: حالفًا عن غيري. شرح النووي على مسلم (١١/ ١٠٥). قال أبو عبيدة: ليس هو من الذكر ضد النسيان، وإنما معناه: قائلًا، كما تقول: ذكرت لفلان حديث كذا. فتح الباري، لا بن حجر (١/ ١١٩).
(٥) رواه البخاري (٦/ ٢٤٤٩).
[ ٣٨ ]
أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]. إلى آخر الآية؛ جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار! واحتبس عن النبي ﷺ، فسأل النبي سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ قال سعد: إنه لجاري وما علمت له بشكوى، قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ﷺ، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ، فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: (بل هو من أهل الجنة)، وفي رواية البخاري: (اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة) (^١).
موقف امرئ القيس بن عابس ﵁:
عن رجاء بن حيوة والعرس بن عميرة عن أبيه عدي قال: خاصم رجل من كندة يقال له: امرؤ القيس بن عابس رجلًا من حضرموت إلى رسول الله ﷺ في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة فلم تكن له بينة، فقضى على امرئ القيس باليمين فقال الحضرمي: إن أمكنته من اليمين يا رسول الله، ذهبت -والله أو ورب الكعبة- أرضي، فقال رسول الله ﷺ: (من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أخيه لقي الله وهو عليه غضبان)، قال رجاء: وتلا رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ قال: الجنة، قال: فاشهد أني قد تركتها له كلها (^٢).
موقف أبي موسى الأشعري ﵁:
عن أبي بردة قال: دخلت على أبي موسى وهو في بيت بنت الفضل بن العباس
_________________
(١) رواه البخاري (٣/ ١٣٢٢)، ومسلم (١/ ١١٠).
(٢) رواه أحمد (٤/ ١٩١)، والبيهقي السنن الكبرى (١٠/ ٢٥٤)، والنسائي، سنن النسائي الكبرى (٣/ ٤٨٨)، وهو صحيح.
[ ٣٩ ]
فعطستُ فلم يشمتني، وعطستْ فشمتها، فرجعت إلى أمي فأخبرتها، فلما جاءها قالت: عطس عندكَ ابني فلم تشمته، وعطست فشمتها؟! فقال: إن ابنك عطس فلم يحمد الله فلم أشمته، وعطستْ فحمدت الله فشمتها؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه؛ فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه) (^١).
موقف حكيم بن حزام ﵁:
عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب أن حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال: (يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى). قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا (^٢) بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين، على حكيم أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول الله ﷺ حتى توفي) (^٣).
موقف ميمون بن مهران ﵀:
كان عند ميمون بن مهران ضيف فاستعجل على جاريته بالعشاء، فجاءت مسرعة ومعها قصعة مملوءة، فعثرت وأراقتها على رأس سيدها ميمون، فقال: يا جارية، أحرقتني، قالت: يا معلم الخير، ومؤدب الناس، ارجع إلى ما قال الله تعالى، قال: وما قال
_________________
(١) رواه مسلم (٤/ ٢٢٩٢).
(٢) أي: لا أنقص ماله بالطلب منه. فتح الباري، لابن حجر (٣/ ٣٣٦).
(٣) رواه البخاري (٢/ ٥٣٥).
[ ٤٠ ]
الله تعالى؟ قالت: قال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ﴾ قال: قد كظمت غيظي، قالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ قال: قد عفوت عنك، قالت: زد؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. قال: أنت حرة لوجه الله تعالى! (^١).
_________________
(١) إحياء علوم الدين، للغزالي (٢/ ٢٢٠).
[ ٤١ ]