إن الإنسان إذا بقي في حضن النعيم والرفاهية، وانصرف إلى مصالح دنياه وشهوات نفسه؛ غفل عن حق ربه، والاستعداد لآخرته، فاقتضت رحمة الله تعالى أن ترد هذا المكلَّف من هذا الشرود وتعيده عن هذا الإباق بوسيلة التخويف منه تعالى ومن عقابه وآثار غضبه؛ حتى لا ينسى ما خُلق لأجله، ولا يغفل عن الدار الباقية والحياة الأبدية التي سيصير إليها.
قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر ١٥ - ١٦]. وقال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء ٥٩].
عن أبي موسى ﵁ قال: خسفت الشمس فقام النبي ﷺ فزعًا يخشى أن تكون الساعة فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله وقال: (هذه الآيات التي يرسلها الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره) (^١).
قال أَبو حفص: "الخوف سوط الله يقوِّم به الشاردين عن بابه" (^٢).
وبذلك يكون الخوف من الله تعالى بوجود أسبابه نعمةً من نعم الله اقتضتها رحمته بعباده؛ حتى لا يهلكهم الرجاء وهم عن ربهم غافلون وعلى معصيته مقيمون.
قال سفيان بن عيينة: "خلق الله النار رحمة يخوِّف بها عباده لينتهوا" (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ٣٦٠)، ومسلم (٢/ ٦٢٨).
(٢) بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز، للفيروزآبادي (ص: ٧٤٦).
(٣) التخويف من النار، لابن رجب (ص: ٣٤).
[ ١١٢ ]
وعن إسرائيل بن محمد القاضي قال: "لقيني مجنون كان في الخرابات فقال: يا إسرائيل، خفِ الله خوفًا يشغلك عن الرجاء؛ فإن الرجاء يشغلك عن الخوف، وفر إلى الله ولا تفر منه" (^١).
حقيقة الخوف من الله تعالى:
إن الخوف من الله تعالى عمل قلبي يحمل العبد على امتثال أوامر الله وترك نواهيه.
وحقيقته أنه: " الانخلاع عن طمأْنينة الأَمن بمطالعة الخَبر، يعني: الخروج من سكون الأَمن باستحضار ما أَخبر اللهُ به من الوعد والوعيد" (^٢).
وصدقُ الخوف هو: الورع عن الآثام ظاهرًا وباطنًا، والخوف المحمود: ما حجز العبد عن محارم الله (^٣).
فإِذا تجاوز ذلك خيف منه اليأْس والقنوط (^٤).
قال ابن رجب: "والقدر الواجب من الخوف: ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك، بحيث صار باعثًا للنّفوس على التّشمير في نوافل الطّاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات والتّبسّط في فضول المباحات؛ كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضًا أو موتًا، أو همّا لازمًا، بحيث يقطع عن السّعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة للّه﷿-؛ لم يكن محمودًا؛ ولهذا كان السلف يخافون على عطاء السلمي من شدة خوفه الذي أنساه القرآن، وصار صاحب فراش، وهذا لأن خوف العقاب ليس مقصودًا لذاته، إنما هو سوط يساق به المتواني عن الطاعة إليها " (^٥).
_________________
(١) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ١٢٣).
(٢) بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز، للفيروزآبادي (ص: ٧٤٧).
(٣) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٥١٤).
(٤) بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز، للفيروزآبادي (ص: ٧٤٧).
(٥) التخويف من النار، لابن رجب (٣٤).
[ ١١٣ ]
أهمية الخوف من الله تعالى:
"إنّ اللّه خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلّة الدّالّة على عظمته وكبريائه ليهابوه ويخافوه خوف الإجلال، ووصف لهم شدّة عذابه ودار عقابه الّتي أعدّها لمن عصاه ليتّقوه بصالح الأعمال؛ ولهذا كرّر ﷾ في كتابه ذكر النّار وما أعدّه فيها لأعدائه من العذاب والنّكال، وما احتوت عليه من الزّقّوم والضّريع والحميم والسّلاسل والأغلال، إلى غير ذلك ممّا فيها من العظائم والأهوال، ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به ويحبّه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه، فمن تأمّل الكتاب الكريم وأدار فكره فيه وجد من ذلك العجب العجاب، وكذلك السّنّة الصّحيحة الّتي هي مفسّرة ومبيّنة لمعاني الكتاب، وكذلك سير السّلف الصّالح أهل العلم والإيمان من الصّحابة والتّابعين لهم بإحسان، من تأمّلها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات، وأنّ ذلك هو الّذي رقّاهم إلى تلك الأحوال الشّريفة والمقامات السّنيّات، من شدّة الاجتهاد في الطّاعات والانكفاف عن دقائق الأعمال والمكروهات فضلًا عن المحرّمات" (^١).
قال الوليد بن أبي السّائب: "ما رأيت أحدًا قطّ كان الخوف على وجهه أبين منه على عمر بن عبد العزيز" (^٢).
وقال يزيد بن حوشب: "ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأنّ النّار لم تخلق إلّا لهما" (^٣).
وقال ابن الجوزي: "قال الحسن: صحبت أقوامًا كانوا لحسناتهم أن تُردَّ عليهم أخوفَ منكم من سيئاتكم أن تعذبوا بها، ووصفه يوسف بن عبد المحسن فقال: كان إذا
_________________
(١) المرجع السابق (٦).
(٢) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي (١٦٢).
(٣) المرجع السابق (١٦٣).
[ ١١٤ ]
أقبل كأنه أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس كأنه أسير ستضرب عنقه، وإذا ذكرت النار فكأنما لم تخلق إلا له" (^١).
وقال عبد اللّه بن مسعود ﵁: "إنّ المؤمن يرى ذنوبه كأنّه جالس في أصل جبل يخشى أن ينقلب عليه، وإنّ الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه، فقال به هكذا" (^٢).
عن الحسن قال: "لقد مضى بين يديكم أقوام لو أنّ أحدهم أنفق عدد هذا الحصى لخشي أن لا ينجو من عظم ذلك اليوم! " (^٣).
إن الخوف عبادة من أعظم العبادات وقربة من أجل القربات؛ لأنه يدعو إلى امتثال الأوامر وترك النواهي، عن وهب بن منبّه قال: "ما عُبد اللّه بمثل الخوف" (^٤).
والخوف " من المقامات العليّة، وهو من لوازم الإيمان، قال تعالى: ﴿وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ (فاطر/ ٢٨)، وقال ﷺ: (أنا أعلمكم باللّه وأشدّكم له خشية). وكلّما كان العبد أقرب إلى ربّه كان أشدّ له خشية ممّن دونه، وقد وصف اللّه تعالى الملائكة بقوله: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، والأنبياء بقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]. وإنّما كان خوف المقرّبين أشدّ؛ لأنّهم يطالبون بما لا يطالب به غيرهم فيراعون تلك المنزلة، ولأنّ الواجب للّه منه الشّكر على المنزلة فيضاعف بالنّسبة لعلوّ تلك المنزلة، فالعبد إن كان مستقيمًا فخوفه من سوء العاقبة لقوله تعالى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ
_________________
(١) مواعظ ابن الجوزي (ص: ١١).
(٢) حلية الأولياء، لأبي نعيم (٤/ ١٢٩).
(٣) الزهد، لابن المبارك (ص: ٥١).
(٤) التخويف من النار، لابن رجب (٧).
[ ١١٥ ]
الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، أو نقصان الدّرجة بالنّسبة، وإن كان مائلًا فخوفه من سوء فعله. وينفعه ذلك مع النّدم والإقلاع؛ فإنّ الخوف ينشأ من معرفة قبح الجناية والتّصديق بالوعيد عليها، وأن يحرم التّوبة، أو لا يكون ممّن شاء اللّه أن يغفر له، فهو مشفق من ذنبه طالب من ربّه أن يدخله فيمن يغفر له" (^١).
ومما ظهر في هذا العصر أن هناك قومًا طغت عليهم الدنيا وفتنتهم زخارفها فصاروا يفرون من مواعظ التخويف، ويعدون ذلك مما يكدر على الناس حياتهم التي مُلئت باللهو والغفلة، ويحول بينهم وبين الاطمئنان إلى متعهم!!
وسبحان الله! فكيف يصلح قلب لا يسكنه الخوف، وكيف يستقيم سير ويصل بصاحبه إلى الغاية العليا وليس حاديه الخوف والرجاء؟ لقد كان الصالحون مع استقامة سيرهم وكثرة قربهم يطلبون المذكِّرين بالتخويف؛ حتى يزدادوا جِدًّا إلى جدهم.
عن كعب قال: قال لي عمر بن الخطّاب ﵁ يومًا وأنا عنده: "يا كعب، خوّفنا. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين أو ليس فيكم كتاب اللّه وحكمة رسول اللّه ﷺ؟ قال: بلى. ولكن يا كعب، خوّفنا. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، اعمل عمل رجل لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبيّا لازدرأت (^٢) عملك ممّا ترى" (^٣).
أوَ لا يعرف أولئك الهاربون من الوعظ بالتخويف أن الخوف من الله ومما عنده ينير للعبد طريقه إلى ربه حينما تتكاثف في طريقه ظلمات الشهوات والغفلة، ويبصره بعيوبه حتى يصلحها، وبذنوبه حتى يتوب منها، وبتقصيره في الطاعات حتى يترك التقصير وينشط في الطاعة؟
قال أبو حفص: " الخوف سراج في القلب يبصر به ما فيه من الخير والشرّ. وكلّ واحد
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (١٨/ ٣٠٦).
(٢) لانتقصت.
(٣) الزهد، لابن حنبل (ص: ١٢١).
[ ١١٦ ]
إِذا خِفْته هربت منه إِلاَّ الله فإِنَّك إِذا خفته هربت إِليه" (^١).
فإذا ذهبت أنوار الخوف تاه الإنسان عن غايته في الوصول إلى ربه، قال ذو النّون: "النّاس على الطّريق ما لم يزُل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلّوا عن الطّريق" (^٢).
إن العبد محتاج إلى ملازمة خوف الله تعالى احتياجًا شديدًا؛ لأنه مطية نجاته، وسبيل راحته وصلاحِ دنياه وآخرته. وتعظم أهمية ملازمة الخوف في مثل هذا الزمان الذي قل فيه الصالحون والمصلحون، وكثر فيه الفاسدون والمفسدون، وغلبت على الجوارح فتن الشهوات وتغلغلت في العقول فتن الشبهات، فظهرت المعاصي وجاهر العصاة وقلّت الطاعات وأهلها، وكثرت المنكرات وازداد دعاتها والمقبلون عليها، وحورب المعروف وضُيِّق عليه، حتى أصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، والباطل حقًا والحق باطلًا!
في مثل هذه الأجواء المتخمة بالذنوب والمذنبين، والملطخة بتغير المفاهيم والأفكار وتقلب المبادئ والمواقف تزداد الحاجة إلى التحرز بحصن الخوف من الله تعالى؛ ليكون ذلك مأوى يعصم الإنسان من الخطيئة وينجيه من عواقبها الوخيمة.
ولكن لابد مع الخوف من رجاء حتى لا تنساق خطى المرء إلى أودية اليأس والقنوط، فالخوف والرجاء جناحان يطار بهما إلى الآفاق الصحيحة، قال الحسن البصريّ: " الرّجاء والخوف مطيّتا المؤمن" (^٣).
وقال الغزاليّ: "إنّ الرّجاء والخوف جناحان بهما يطير المقرّبون إلى كلّ مقام محمود، ومطيّتان بهما يقطع من طرق الآخرة كلّ عقبة كؤود" (^٤).
وفي بعض الأحوال يُطلب ترجيح الخوف على الرجاء وفي بعضها الآخر ترجيح
_________________
(١) بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز، للفيروزآبادي (ص: ٧٤٧).
(٢) المرجع السابق.
(٣) الزهد، لابن حنبل (ص: ٢٦٥).
(٤) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ١٤٢).
[ ١١٧ ]
الرجاء على الخوف؛ فمتى كان الإنسان في لجج المعاصي والغفلة فتغليب الخوف في حقه أولى، ومتى كان على الطريق وحضره الموت فتغليب الرجاء أفضل، قال الفضيل بن عياض: "الخوف أفضل من الرّجاء ما كان الرّجل صحيحًا، فإذا نزل الموت فالرّجاء أفضل" (^١).
مجالات الخوف من الله تعالى:
إن خوف الله تعالى ينبغي أن يكون في حياة الإنسان كلها، وفي أحواله جميعها؛ في سره وعلنه، وفي بيته وعمله، وفي كل جهة توجه إليها. فهو محتاج إلى أن يكون خوف الله في قلبه أن يطلع عليه ربه وفيه ما لا يرضيه، وفي عقله أن يحمل فكرًا يضاد شرعه ووحيه، وفي لسانه أن ينطق بالسوء الذي يغضب مولاه.
وفي بصره أن يزيغ إلى الحرام، وفي سمعه أن يصغي إلى الباطل، وفي يده أن تكتب المنكر أو تظلم بالبطش بين الخلق بقتل أو أخذ للمال من غير حله. وفي رجله أن تسعى إلى الأوزار، أو تقف في مواطن الشر والمنكر.
وهو أيضًا محتاج إلى أن يكون خوف الله تعالى رفيقه مع والديه ومع زوجته وأولاده ومع جيرانه ومع أقاربه، ومع الناس كلهم؛ فخوف الله هو الذي يمنعه من ظلمهم والتقصير في إيفائهم ما عليه من حقوقهم.
وإذا كان واليًا أو مسؤولًا فليكن خوف الله تعالى رقيبه الذي لا ينام حتى لا يجور ويصبح الظلم والخيانة والغش ديدنه بين رعيته، وإذا كان موظفًا أو عاملًا في أي وظيفة أو عمل كان فليجعل خوف الله تعالى معه دائمًا؛ حتى لا يخون أمانة الوظيفة أو العمل التي حُمِّلها.
_________________
(١) التخويف من النار، لابن رجب (٧).
[ ١١٨ ]
علامات الخوف من الله تعالى:
إن البراهين هي التي تكشف عن صدق القائلين أو كذبهم؛ فقد يدعي بعض الناس أنه يخاف الله، ولكن واقعه لا يدل على ذلك؛ لذلك فإن الخوف الصادق هو الذي يجعل صاحبه من المسابقين إلى الطاعات فرضها ونفلها، وهو الذي يحجزه عن الإسراف على نفسه بالذنوب والمجاهرة بها والإصرار عليها. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان ٩] ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان ٩ - ١٠].
وقال رسول الله ﷺ: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل) (^١).
يعني: من خشي الله أتى منه كل خير، ومن أمن اجترأ على كل شر، ومن خاف ألزمه الخوف السلوك إلى الآخرة والمبادرة بالعمل الصالح؛ خوفَ القواطع والعوائق (^٢).
فليختبر الإنسان نفسه هل هو من أهل الخوف من الله تعالى أو لا؟ لينظر كم رصيده من الطاعات والأعمال الصالحات، وكيف حاله مع الذنوب وكيف إقباله عليها، وهل هو من التائبين منها أو من المستمرين عليها؟.
إن الخوف الصادق هو الذي يجعل صاحبه مفكرًا بالآخرة يتذكرها ويعمل لها ويجعلها أكبر همه، فمن كان كذلك فهو الخائف الصادق، ومن كانت الدنيا هي همَّه والمستولية على قلبه والمقدَّمة لديه فليراجع خوفه.
طرق الوصول إلى خوف الله تعالى:
إن الخوف من الله عبادة عظيمة تحتاج إلى بذل جهد في تحصيلها واكتسابها وتقويتها والمحافظة عليها بعد حصولها، فمن الطرق المعينة على ذلك:
_________________
(١) رواه الترمذي (٤/ ٦٣٣)، والحاكم (٤/ ٣٤٣)، وهو صحيح.
(٢) فيض القدير، للمناوي (٦/ ١٢٣).
[ ١١٩ ]
أولًا: التفكر في أسماء الله وصفاته ومعرفتُها.
فإن ذلك يرسخ في قلب المرء إجلال الله تعالى وتعظيمه والكف عن مساخطه والمسارعة إلى مراضيه. فحينما يفكر في أسماء الله تعالى: العظيم الجبار القهار القدير المنتقم القوي المتين العزيز الكبير ونحوها من الأسماء القهرية يتربى في نفسه هيبة الله تعالى وخشيته، فمن أنت أيها الإنسان حتى تعصي الله تعالى وتفوت قدرته، أوَ لا يدركك قهره وجبروته؟ قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت ٢٢].
وعندما يتأمل في أسماء الله: العليم اللطيف الخبير السميع البصير ونحوها يزرع ذلك في قلبه الخوف من الله تعالى. فأين يستطيع أن يعصي الله تعالى ولا يعلم به ولا يراه ولا يسمعه ولا يرقب عمله؟!
قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩].
ثانيًا: التفكر في الكون وما فيه من آيات الله المنشورة.
إن هذا الكون الفسيح يحوي آيات باهرات تدل على قدرة الله وإبداع صنعه وعنايته بخلقه وكثرة خيره المسدى إليهم. فالإنسان العاقل إذا نظر إلى هذا الخلق البديع المحكم العظيم وتأمل فيه واعتبر بما رأى وشاهد دعاه ذلك إلى خوف الله تعالى وخشيته وحب طاعته والبعد عن معصيته. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الألْبَابِ ﴿١٩٠﴾ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران ١٩٠ - ١٩١].
وقال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
[ ١٢٠ ]
يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧].
ثالثًا: تذكرُ الموت ورحيل الإنسان عن الدنيا إلى الآخرة.
فاستحضار الإنسان ساعةَ رحيله عن الدنيا وملاقاته الموت وانتقاله إلى الدار الآخرة التي تكشف فيها السرائر ويبرز ما في الضمائر ويحاسب الإنسان فيها على ما قدم في حياته الدنيا، ثم المصير إلى جنة عرضها السماوات والأرض أو إلى نار وقودها الناس والحجارة إن استحضار هذا المشهد المستقبلي الحق في ذهن الإنسان يدفعه دفعًا شديدًا إلى خوف ربه، وإجلاله أن يكون من عصاته الذين ينزل بهم غضبه ويحل عليهم عقابه.
رابعًا: العلم بالله تعالى وبدينه الحنيف.
فإن الجهل بدين الله يدفع كثيرًا من الناس إلى ترك واجبات الإسلام والانغماس في حمأة الحرام بلا رادع من خوف أو حاجز من خشية تحول بينهم وبين ركوب الباطل ومجاوزة الحلال إلى الحرام. لذلك كان على المسلم أن يتعلم شرع الله تعالى حتى يعرف الحلال فيأتيه والحرام فيجتنبه. فمعرفة شرع الله من أعظم الأسباب التي تعين على تحصيل خوف الله تعالى في القلب؛ ولذلك قال تعالى عن العلماء العاملين الصادقين: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر ٢٨].
" أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل والخشية له أعظم وأكثر" (^١).
وإنما كان العلماء أكثر خشية وخوفًا من الله" لأنهم هم الذين يتفكرون في عجائب مصنوعاته، ودلائل قدرته، فيعرفون عظمته وكبرياءه، وجلاله وجماله، ويتفكرون فيما أعد الله لمَن عصاه من العذاب ومناقشة الحساب، وفيما أعد لمَن خافه وأطاعه من الثواب، وحسن المآب، فيزدادون خشية، ورهبة ومحبة ورغبة في طاعته، وموجب
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٦٦٧).
[ ١٢١ ]
رضوانه، دون مَنْ عداهم من الجهّال. وفي الحديث عنه ﷺ: (فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية)، وقال الربيع بن أنس: مَنْ لم يَخشَ الله فليس بعالم، وقال ابن عباس في تفسير الآية: كفى بالزهد عِلمًا، وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله عِلمًا، وبالاعتذار جهلًا وفي الحِكَم: خيرُ علم ما كانت الخشية معه. وقال في التنوير: اعلم أن العلم حيثما تكرر في الكتاب والسُنَّة فإنما المراد به العلم النافع، الذي تٌقارنه الخشية، وتكتنفه المخافة. قال تعالى: ﴿إِنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ﴾ بيّن سبحانه أن الخشية تلازم العلم، وفهم من هذا أن العلماء إنما هم أهل الخشية. هـ. وقال الشيخ ابن عباد: واعلم أن العلم النافع المتفق عليه فيما سلف وخلف إنما هو العلم الذي يؤدي بصاحبه إلى الخوف والخشية، وملازمة التواضع والذلة، والتخلُّق بأخلاق الإيمان، إلى ما يتبع ذلك من بغض الدنيا والزهادة فيها، وإيثار الآخرة عليها، ولزوم الأدب بين يدي الله تعالى، إلى غير ذلك من الصفات العلية، والمناحي السنية. اهـ. " (^١).
خامسًا: اختيار الرفقة الصالحة وترك الرفقة السيئة.
إن للجلساء والمجالس في أي مكان كانت أثرًا كبيرًا في تحصيل خوف الله تعالى في القلب أو في تحطيم ما تبقى من بنيانه. فالرفقة الصالحة في البيت أو المسجد أو العمل أو اللقاءات الاجتماعية تعين من كان معها في تلك الأماكن على أن يكون من أهل الخشية لله تعالى؛ لأنه سيسمع هناك الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، وسيرى المعروف ظاهرًا والمنكر خافتا. أما إذا كانت الرفقة سيئة ليس لها همّ في صلاح الإنسان واهتدائه فإنه سيجد لديهم التباطؤ عن الطاعات والمسارعة إلى المنكرات. فيملأ سمعه وبصره من الباطل الذي يُرتكب أو يتحدث الجلساء عنه.
وهذا سيجعله يتجرأ على هتك ستر الخوف والسير في دروب المعصية، إلا من رحم الله.
_________________
(١) البحر المديد، لابن عجيبة (٦/ ١٨٦).
[ ١٢٢ ]
ثمرات الخوف من الله تعالى:
من عمر خوفُ الله نفسه وخالط أثره شغاف قلبه أورثه خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة، فمن تلك الثمرات:
أولًا: إبعاد الإنسان عن المعاصي. قال تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨].
فما منع هابيلَ من قتل أخيه قابيل إلا خوفُه من الله تعالى، "قال عبد الله بن عمرو: وايم الله إن كان لأشدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرج يعني: الورع" (^١).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]. "أي: ليتميز الخائف من عقابه الأخروي، وهو غائب مترقب لقوة إيمانه، فلا يتعرض للصيد ممن لا يخافه كذلك لضعف إيمانه فيقدِم عليه" (^٢).
وقال النبي ﷺ: (سبعة يظلهم الله في ظله … ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله …) (^٣).
"قال القرطبي: إنما يصدر ذلك عن شدة خوف من الله تعالى، ومتين تقوى وحياء" (^٤).
ثانيًا: الإقبال على الطاعات وحسن القيام بها. فالخوف حاثٌّ على العمل الصالح، والعمل الصالح ثمرة من ثماره، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٥).
(٢) تفسير أبي السعود (٣/ ٧٨).
(٣) رواه البخاري (١/ ٢٣٤) ومسلم (٢/ ٧١٥).
(٤) فتح الباري (٢/ ١٤٦).
[ ١٢٣ ]
عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
" فإنهم إذا رهبوا الله تعالى حرصوا على الإيفاء بالعهد" (^١).
قال ابن الجوزي: "إخواني، من علم عظمة الإله زاد وجلُه، ومن خاف نِقَم ربه حسن عمله، فالخوف يستخرج داء البطالة ويشفيه، وهو نعم المؤدِّب للمؤمن ويكفيه" (^٢).
وقال أيضًا: "فالخوف للنفس سائق، والرجاء لها قائد، إن ونتْ على قائدها حثها سائقها، وإن أبت على سائقها حركها قائدها" (^٣).
ثالثًا: صلاح القلب وإخراج الدنيا منه. فإن القلب لن يصلح حتى يحل فيه الخوف، وإن الدنيا لن تخرج من القلوب التي تعلقت بها حتى يحل مكانها الخوف.
قال أبو سليمان الداراني: "ما فارق الخوفُ قلبًا إلا خرب" (^٤).
وقال إِبراهيم بن سفيان: "إِذا سكن الخوفُ القلب أَحرق مواضع الشَّهوات منه، وطرد الدّنيا عنه" (^٥).
رابعًا: أداء حقوق المخلوقين. فمن خاف الله تعالى لن يأخذ حق غيره، ولن يقصر في أداء ما وجب عليه لسواه.
خامسًا: دخول الجنة. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١].
_________________
(١) التحرير والتنوير، لابن عاشور (١/ ٤٣٩).
(٢) مواعظ ابن الجوزي (ص: ١١).
(٣) مواعظ ابن الجوزي (ص: ١١).
(٤) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ١٦٢).
(٥) بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز، للفيروزآبادي (ص: ٧٤٧).
[ ١٢٤ ]
"أي: خاف القيام بين يدي الله ﷿، وخاف حكم الله فيه، ونهى نفسه عن هواها، وردها إلى طاعة مولاها ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ أي: منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء" (^١).
عن الحسن قال: "إن الرجل يذنب الذنب فما ينساه، وما يزال متخوفًا منه حتى يدخل الجنة" (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٦٦).
(٢) الزهد، لابن حنبل (ص: ٢٧٧).
[ ١٢٥ ]