لا تسلم الحياة الدنيوية من أخطار وفواجع، يخشى الإنسان أن يحيط به خطر من أخطارها، أو تنزل به فاجعة من فواجعها؛ فهو يخشى الأمراض الفتاكة، والأشياء المؤذية، والضوائق المالية، وفقدان أسباب راحة العيش، والحروب وآثارها، والأزمات المتعددة ونتائجها، كما يخاف فقدان الأحباب من أقارب وأصحاب، ورحيلَ ما تستقر به حياته، وتسعد به نفسه في الحياة الفانية.
فلذلك يدِّرع من تلك الأخطار بما يقدر عليه من أسباب الحماية؛ لمعرفته أضرارها وآلامها.
لكن خطرًا كبيرًا لا يدركه إلا القلة من الناس، أما الكثيرون فإنهم يسلكون طريق الوصول إلى ذلك الخطر، ويستعجلون نتائجه شعروا أو لم يشعروا، حتى يقع ذلك الخطر عليهم بنتائجه الأليمة، وعواقبه الوخيمة. هذا الخطر هو: الذنوب وما تجلبه على أهلها من الويل والهلاك في العاجل والآجل.
قال ابن شبرمة: "عجبت لمن يحتمي من الطيبات مخافة الداء، كيف لا يحتمي من المعاصي مخافة النار!! " (^١).
خطر الذنوب وأضرارها:
من قرأ كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، وقلَّب طرفه في صفحات تاريخ الأمم والشعوب، وأجال نظره في الحياة المعاصرة، وتأمل في ذلك وتدبر؛ رأى أنْ لا أمان مع المعاصي مهما قلّت، وأن الذنوب هي المصيبة العظمى والكارثة الكبرى التي
_________________
(١) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ١١٦).
[ ١٤٦ ]
تجتاح أهلها وتهلكهم، وتوصلهم إلى شر حال، وأسوأ مصير.
يقول تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وقال رسول الله ﷺ: (يا معشر المهاجرين، خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم) (^١).
وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: (هل رأى أحد منكم من رؤيا؟). قال: فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال ذات غداة: (إنه أتاني الليلة آتيانِ وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ (^٢) رأسه فيتدهده (^٣) الحجر ها هنا فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢/ ١٣٣٢)، والحاكم (٤/ ٥٨٢)، والبيهقي شعب الإيمان (٣/ ١٩٦)، والطبراني المعجم الأوسط (٥/ ٦١)، وهو صحيح.
(٢) الثَّلْغ: الشَّدْخ. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ٦٣٦).
(٣) فيتدحرج. المعجم الوسيط (١/ ٢٩٩).
[ ١٤٧ ]
رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلّوب من حديد (^١) وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه (^٢) إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على مثل التنور - قال: وأحسب أنه كان يقول: - فإذا فيه لغط وأصوات قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا (^٣) قال: قلت: لهما ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على نهر - حسبت أنه كان يقول: - أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه (^٤) فيلقمه حجرًا فينطلق يسبح ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرًا، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة (^٥) كأكره ما أنت راءٍ رجلًا مرآة فإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على روضة مُعْتَمَّةٍ فيها (^٦) من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدانٍ رأيتهم قط قال: قلت لهما: ما هذا ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق قال: فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أرَ روضة قط أعظم منها ولا أحسن قال: قالا لي: ارقَ فيها قال: فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبِن ذهب ولبن فضة فأتينا
_________________
(١) الكَلُّوب بالتشديد: حَديدة مُعْوَجَّة الرأس. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٤/ ٣٤٨).
(٢) أي: يُشَقِّه ويُقَطِّعُه. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ١١٣٨).
(٣) أي: ضّجُّوا واستغاثوا. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ٢٢٧).
(٤) أي: يَفْتَحه. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ٨٩٢).
(٥) أي: قبيحُ المَنْظَرِ. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ٤٤٧).
(٦) أي: وَافِية النَّبات طَويلَتِه. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ٥٧٣).
[ ١٤٨ ]
باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عدن وهذاك منزلك، قال: فسما بصري صعدًا فإذا قصر مثل الربابة البيضاء (^١) قال: قالا لي: هذاك منزلك قال: قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله. قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبًا فما هذا الذي رأيت؟! قال: قالا لي: أمَا إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه (^٢) وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة). قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ: (وأولاد المشركين، وأما القوم الذين كانوا شطرًا منهم حسن وشطرًا منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم) (^٣).
فما أعظم هذا الحديث!
ومما " ينبغي أن يُعلم أن الذنوب والمعاصي تضر، ولا شك أن ضررها في القلوب
_________________
(١) السَّحَابة التي ركبَ بعضُها بعضًا. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٢/ ٤٥٠).
(٢) قال ابن هبيرة: رفض القرآن بعد حفظه جناية عظيمة؛ لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب رفضه، فلما رفض أشرف الأشياء وهو القرآن عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس. فتح الباري لابن حجر (٢٠/ ٥٢).
(٣) رواه البخاري (٦/ ٢٥٨٣).
[ ١٤٩ ]
كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرور وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟ فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه، فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّل بالقرب بُعدًا وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحًا وبالجنة نارًا تلظى وبالإيمان كفرًا وبموالاة الولي الحميد أعظم عداوة ومشاقة، وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله غاية الهوان، وسقط من عينه غاية السقوط، وحل عليه غضب الرب تعالى فأهواه ومقته أكبر المقت، فأرداه فصار قوّادًا لكل فاسق ومجرم، رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة، فعياذًا بك اللهم من مخالفة أمرك، وارتكاب نهيك. وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رأس الجبال؟ وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم، حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكهم جميعًا ثم أتبعهم حجارة من سجيل السماء أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه علي أمة غيرهم ولإخوانهم أمثالها وما هي من الظالمين ببعيد؟ وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارًا تلظى؟ وما الذى أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرًا؟ وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟ وما الذي بعث على بني إسرائيل قومًا أولي بأس شديد
[ ١٥٠ ]
فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال وسبوا الذراري والنساء، وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علو تتبيرا؟ وما الذي سلط عليهم أنواع العذاب والعقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد، ومرة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير، وآخر ذلك أقسم الرب ﵎ ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب … عن جبير بن نفير قال: لما فتحت قبرص فرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره! بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى!! " (^١).
قال ابن القيم: " يا مغرورًا بالأماني لُعن إبليس، وأُهبط من منزل العز بترك سجدة واحدة أُمر بها، وأُخرج آدم من الجنة بلقمة تناولها، وحُجب القاتل عنها بعد أن رآها عيانًا بملء كف من دم، وأمر بقتل الزاني أشنع القِتلات بإيلاج قدر الأنملة فيما لا يحل، وأمر بإيساع الظهر سياطًا بكلمة قذف أو بقطرة سكر، وأبان عضوًا من أعضائك بثلاثة دراهم! فلا تأمنه أن يحبسك في النار بمعصية واحدة من معاصيه، ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. دخلت امرأة النار في هرة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب، وإن الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة فإذا كان عند الموت جار في الوصية فيختم له بسوء عمله فيدخل النار، العمر بآخره، والعمل بخاتمته، من أحدث قبل السلام بطل ما مضى من صلاته، ومن أفطر قبل غروب الشمس ذهب صيامه ضائعًا، ومن أساء في آخر عمره لقي ربه في ذلك الوجه" (^٢).
وقال ابن كثير: "قيل في بعض كتب الله: تزرعون السيئات وترجون الحسنات! لا
_________________
(١) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ٢٦).
(٢) الفوائد، لابن القيم (ص: ٦٣).
[ ١٥١ ]
يُجتنى من الشوك العنب.
تصلُ الذنوبَ إلى الذنوب وترتجي … درَجَ الجنان وطيبَ عيش العابدِ
ونسيتَ أن الله أخرج آدمًا … منها إلى الدنيا بذنب واحد؟! " (^١).
أسباب الوقوع في الذنوب:
لا يقع الإنسان في الخطايا إلا بأسباب توصله إلى ذلك، فقد يصل إليها بسبب أو أكثر، والأسباب المؤدية إلى الوقوع في المعاصي كثيرة، فمنها:
أولًا: ضعف هيبة الله وجلاله وخوفه ومراقبته في القلوب
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. وقال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨].
قال ابن القيم: لم يقدر الله حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله، وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعة الله، فللهِ الفضْلةُ من قلبه وعلمه وقوله وعمله وماله، وسواه المقدَّم في ذلك؛ لأنه المهم عنده، يستخف بنظر الله إليه واطلاعه عليه وهو في قبضته وناصيته بيده؟! ويعظم نظر المخلوق إليه واطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه، ويستخفي من الناس ولا يستخفي من الله ويخشى الناس ولا يخشى الله، ويعامل الخلق بأفضل ما عنده وما يقدر عليه؟! وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، وإن قام في خدمة من يحبه من البشر قام بالجد والاجتهاد، وبذل النصيحة وقد أفرغ له قلبه وجوارحه، وقدمه على كثير من مصالحه حتى إذا قام في حق ربه إن ساعد القدر قام قيامًا لا يرضاه مخلوق من مخلوق مثله، وبذل له من ماله ما يستحي أن يواجه به مخلوق مثله!!
_________________
(١) البداية والنهاية، لابن كثير (٩/ ٢٥٨).
[ ١٥٢ ]
فهل قدر اللهَ حق قدره من هذا وصفه، وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه في محض حقه من الإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء؟! (^١).
ثانيًا: الجهل، سواء كان ذلك بالحكم، أم بعظمة العقوبة، أم بالعواقب السيئة للمعصية
قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
والجهلُ داء قاتل وشفاؤه … أمرانِ في التركيب متفقانِ
نص من القرآن أو من سنة … وطبيب ذاك العالم الرباني (^٢)
ثالثًا: احتقار المعصية واستصغارها، سواء كان استصغارها لكونها صغيرة في أصلها، أو لكونه قد تمرس على المعاصي فصغرت في عينه
قال رسول الله ﷺ: (إياكم ومحقَّرات الذنوب؛ فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود، حتى جملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه) (^٣).
واستقلال" العبد المعصيةَ عين الجرأة على الله، وجهل بقدر من عصاه، وبقدر حقه، وإنما كان مبارزة لأنه إذا استصغر المعصية واستقلها هان عليه أمرها، وخفت على قلبه، وذلك نوع مبارزة" (^٤).
رابعًا: التباس الحق بالباطل واستحكام الشُّبه في النفوس، فقد يعصي بعض العصاة
_________________
(١) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ٩٨).
(٢) متن القصيدة النونية (٢/ ٢٦٢).
(٣) رواه أحمد (٣٧/ ٤٦٧)، وهو صحيح.
(٤) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٢٦٥).
[ ١٥٣ ]
وهو يعتقد أنه على الحق، بل على قربة من القُرب، وهذا حال أهل البدع ومرضى القلوب، وهذا أخطر الأسباب؛ لأن صاحبه يظن أنه على الصواب فلا يفكر في التوبة حينئذ. قال تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]. " الأماني جمع أمنية، وهي ما يمنون به أنفسهم من الباطل، كزعمهم أنهم مصلحون في نفاقهم، وأن المؤمنين حقًا سفهاء في صدقهم، أي: في إيمانهم، كما بين تعالى ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ " (^١).
خامسًا: عدم الإيمان بالآخرة أو ضعفه، فمن كان لديه إيمان قوي بيوم يكون فيه الجزاء: ثوابًا للمطيعين وعقابًا للعاصين لم يقدم على الخطيئة ويصر عليها
قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
سادسًا: الاغترار بالدنيا وقوة التعلق بها وجموح الرغبة إلى شهواتها، قال تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الجاثية: ٣٤]. ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥].
سابعًا: الاغترار بحلم الله وعفوه وتأخيرِ عقوبته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨]. يعني: يستمرون في تلك المعاصي بحجة أن الله لم يعاجلهم بالعذاب على فعلهم.
ثامنًا: الرفقة السيئة والبيئة غير الصالحة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧] ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا
_________________
(١) أضواء البيان، للشنقيطي (٧/ ٥٤٥).
[ ١٥٤ ]
خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٩].
تاسعًا: ضعف المجاهدة للنفس حتى تصير هي الآمر الناهي لصاحبها، ولو جاهدها فألزمها الرباط في حصن الفضائل لصار لها قائدًا إلى الخير.
عاشرًا: حرص النفس وتوقانها إلى ما مُنعت منه، قال ابن الجوزي: " تأملت حرص النفس على ما منعت منه فرأيت حرصها يزيد على قدر قوة المنع، ورأيت في الشرب الأول، أن آدم ﵇ لما نهي عن الشجرة حرص عليها مع كثرة الأشجار المغنية عنها، وفي الأمثال: [المرء حريص على ما منع، وتواق إلى ما لم ينل]، ويقال: [لو أمر الناس بالجوع لصبروا، ولو نهوا عن تفتيت البعر لرغبوا فيه]. وقالوا: ما نهينا عنه إلا لشيء! وقد قيل: [أحب شيء إلى الإنسان ما مُنعا]. فلما بحثت عن سبب ذلك وجدت سببين:
أحدهما: أن النفس لا تصبر على الحصر .. ولهذا لو قعد الإنسان في بيته شهرًا لم يصعب عليه، ولو قيل له: لا تخرج من بيتك يومًا طال عليه، والثاني: أنها يشق عليها الدخول تحت حكم؛ ولهذا تستلذ الحرام ولا تكاد تستطيب المباح؛ ولذلك يسهل عليها التعبد على ما ترى، وتؤثره لا على ما يؤثر" (^١).
أضرار الذنوب:
مِنْ أحسن من سرد أضرار الذنوب وآثارها السيئة: ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه" الجواب الكافي"، وسأذكر ما ذكره هناك، على وجه الإيجاز من غير تفصيل ولا استدلال؛ خشية الإطالة.
قال ﵀: وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرِّة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله، فمنها: حرمان العلم، وحرمان الرزق، ووحشة
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٢٤).
[ ١٥٥ ]
يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله لا يوازنها ولا يقارنها لذة أصلًا، ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة، ومنها الوحشة التي تحصل له بينه وبين الناس ولاسيما أهل الخير منهم، ومنها تعسير أموره عليه فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه أو متعسرًا عليه، ومنها ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا ادلهم فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره، ومنها أن المعاصي توهن القلب والبدن، ومنها حرمان الطاعة، ومنها أن المعاصي تقصر العمر وتمحق بركته ولابد، ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها وتولد بعضها بعضًا حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، ومنها وهو من أخوفها على العبد أنها تضعف القلب عن إرادته فتقوى إرادة المعصية وتضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، ومنها أنه ينسلخ من القلب استقباحها فتصير له عادة، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ولا كلامهم فيه، ومنها أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، ومنها أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم، ومنها أن المعصية تورث الذل، ومنها أن المعاصي تفسد العقل، ومنها أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين، ومنها أن الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله؛ فإنه لعن على معاصٍ، ومنها حرمان دعوة رسول الله ودعوة الملائكة، ومنها التثبط عن الطاعة والابتعاد عنها، ومنها جعل القلب أصم لا يسمع الحق أبكم لا ينطق به أعمى لا يراه، ومنها الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان، ومنها مسخ القلب فيمسخ كما تمسخ الصورة فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته، ومنها مكر الله بالماكر ومخادعته للمخادع واستهزاؤه بالمستهزئ وإزاغته لقلب الزائغ عن الحق، ومنها نكس القلب حتى يرى الباطل حقًا والحق باطلًا والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ومنها حجاب القلب عن الرب في الدنيا والحجاب الأكبر يوم القيامة، ومنها المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ والعذاب في الآخرة، وأعظمها الخروج عن الصراط في الدنيا والآخرة (^١).
_________________
(١) الجواب الكافي، لابن القيم (ص: ٣٤ - ٨٦).
[ ١٥٦ ]
شاطئ النجاة:
مقترفُ المعاصي المصرُّ عليها راكبُ قاربٍ صغير في بحر خضم متلاطم الأمواج في يومِ ريحٍ عاصف لا يأمن في تلك الحال من أن ينقلب به قاربه الصغير فيلقى هلاكه.
فينبغي لكل عاقل أن يتدارك نفسه قبل الفوات، فيترك الذنوب قبل الممات، وقبل حلول العواقب الوخيمة التي يتمنى حينها أنْ لو ركب سفينة السلام حتى يصل بها إلى شاطئ الأمان.
إن سفينة الإنقاذ هي التوبة النصوح والرجوع إلى الله تعالى.
معنى التوبة:
التوبة هي: "الرجوع إلى الله بحل عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بكل حقوق الرب والتوبة النصوح هي: توثيق بالعزم على ألا يعود لمثله، قال ابن عباس ﵄: التوبة النصوح الندم بالقلب والاستغفار باللسان والإقلاع بالبدن والإضمار على ألا يعود" (^١).
وقيل: " حقيقة التوبة هي: الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل" (^٢).
شروط التوبة:
قال ابن حجر: قال القرطبي: "ثم توبة العاصي إما من حق الله، وإما من حق غيره؛ فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك على ما تقدم، غير أن منه ما لم يكتف الشرع فيه بالترك فقط، بل أضاف إليه القضاء أو الكفارة، وحق غير الله يحتاج إلى إيصالها لمستحقها
_________________
(١) التعريفات، للجرجاني (ص: ٩٥).
(٢) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ١٨٢).
[ ١٥٧ ]
وإلا لم يحصل الخلاص من ضرر ذلك الذنب، لكن من لم يقدر على الإيصال بعد بذله الوسع في ذلك فعفو الله مأمول؛ فإنه يضمن التبعات ويبدل السيئات حسنات، والله أعلم. قلت: حكى غيره عن عبد الله بن المبارك في شروط التوبة زيادة فقال: الندم، والعزم على عدم العود، ورد المظلمة، وأداء ما ضيع من الفرائض" (^١).
تعجيل التوبة:
قال ابن رجب: " قال لقمان لابنه: يا بني، لا تؤخر التوبة؛ فإن الموت يأتي بغتة، وقال بعض الحكماء: لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الأمل .. قال بعض السلف: اصبِحوا تائبين، وامسوا تائبين. يشير إلى أن المؤمن لا ينبغي أن يصبح ويمسي إلا على توبة؛ فإنه لا يدري متى يفاجئه الموت صباحًا أو مساء، فمن أصبح أو أمسى على غير توبة فهو على خطر؛ لأنه يخشى أن يلقى الله غير تائب فيحشر في زمرة الظالمين قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]، تأخير التوبة في حال الشباب قبيح، وفي حال المشيب أقبح وأقبح .. فإن نزل المرض بالعبد فتأخيره للتوبة حينئذ أقبح من كل قبيح؛ فإن المرض نذير الموت، وينبغي لمن عاد مريضًا أن يذكره التوبة والاستغفار، فلا أحسن من ختام الأعمال بالتوبة والاستغفار.
التوبةَ التوبةَ قبل أن يصل إليكم من الموت النوبة، فيحصل المفرطُ على الندم والخيبة، والإنابةَ الإنابة قبل غلق باب الإجابة، والإفاقة الإفاقة فقد قرب وقت الفاقة، ما أحسن قلقَ التوَّاب، ما أحلى قدوم الغُيّاب، ما أجمل وقوفهم بالباب! " (^٢).
أمور مُعِيْنة على التوبة:
هناك أمور تساعد الإنسان العاصي على التوبة إلى الله تعالى والثبات عليها، فمنها:
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (١٨/ ٦٣).
(٢) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٣٧٠).
[ ١٥٨ ]
أولًا: التفكر في عواقب المعاصي وآثارها السيئة، فمن نظر في أضرار المعاصي وآثارها بعين العقل ساقته إلى التوبة من غير تريث.
قال ابن الجوزي: " أجهل الجهال من آثر عاجلًا على آجل لا يأمن سوء مغبته، فكم قد سمعنا عن سلطان وأمير وصاحب مال أطلق نفسه في شهواتها، ولم ينظر في حلال وحرام فنزل به من الندم وقت الموت أضعاف ما التذ، ولقي من مرير الحسرات ما لا يقاومه ولا ذرة من كل لذة. ولو كان هذا فحسب لكفى حزنًا، كيف والجزاء الدائم بين يديه؟! … وهل عُدّ في العقلاء قط من قيل له: اجلس في المملكة سنة ثم نقتلك. هيهات بل الأمر بالعكس، وهو أن العاقل من صابر مرارة الجهد سنة، بل سنين ليستريح في عاقبته، وفي الجملة أفٍ للذة أعقبت عقوبة" (^١).
ثانيًا: الاعتراف بالذنب وإقرار النفس به وعدم الإصرار عليه، فإقرار المرء بذنبه يحمله على تركه. قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢].
قال ابن القيم: " الإصرار هو الاستمرار على المخالفة والعزم على المعاودة، وذلك ذنب آخر لعله أعظم من الذنب الأول بكثير، وهذا من عقوبة الذنب أنه يوجب ذنبًا أكبر منه، ثم الثاني كذلك ثم الثالث كذلك حتى يستحكم الهلاك. فالإصرار على المعصية معصية أخرى، والقعود عن تدارك الفارط من المعصية إصرار ورضا بها وطمأنينة إليها وذلك علامة الهلاك" (^٢).
ثالثًا: مفارقة بيئة المعصية وأسبابِ العودة إليها، عن أبي سعيد الخدري: أن نبي الله ﷺ قال: كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ١٢٩).
(٢) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ١٨١).
[ ١٥٩ ]
توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاه ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة) (^١).
رابعًا: التفكر في الموت ولقاء الله والدار الآخرة، فمن تفكر بأنه لابد عن الدنيا راحل، وأنه لربه سيقابل، وأنه إلى الآخرة صائر؛ فإنه سيعد لرحلته زادًا من التوبة والإنابة.
خامسًا: أن لا يعتقد العاصي التائب أن توبته قد قُبلت فيقلّ خوفه، بل عليه أن يستمر في وجله من آثار معاصيه؛ فإن هذا يحمله على تجديد التوبة دائمًا، والرهبة من العودة إلى خطاياه السالفة.
قال ابن الجوزي: "ينبغي للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه وإن تاب منها وبكى عليها. وإني رأيت أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة، وكأنهم قد قطعوا على ذلك، وهذا أمر غائب، ثم لو غفرت بقي الخجل من فعلها، ويؤيد الخوف بعد التوبة أنه في الصحاح: أن الناس يأتون إلى آدم ﵇ فيقولون: اشفع لنا فيقول: ذنبي، وإلى نوح ﵇ فيقول: ذنبي، وإلى إبراهيم وإلى موسى وإلى عيسى صلوات الله وسلامه عليهم. فهؤلاء إذا اعتبرت ذنوبهم (^٢) لم يكن أكثرها ذنوبًا حقيقة.
_________________
(١) رواه مسلم (٤/ ٢١١٨).
(٢) الحديث في صحيح البخاري (٤/ ١٧٤٥)، صحيح مسلم (١/ ١٨٠) بمعناه، لكن عيسى ﵇ جاء في البخاري: (ولم يذكر ذنبًا).
[ ١٦٠ ]
ثم إن كانت فقد تابوا منها واعتذروا وهم بعد على خوف منها، ثم إن الخجل بعد قبول التوبة لا يرتفع، وما أحسن ما قال الفضيل بن عياض ﵀: واسوأتاه منك وإن عفوت! فأفٍ والله لمختار الذنوب ومؤثر لذة لحظة تبقى حسرة لا تزول عن قلب المؤمن وإن غفر له! فالحذرَ الحذر من كل ما يوجب خجلًا" (^١).
سادسًا: الدعاء بقبول التوبة وحصول المغفرة، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]. وقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣].
ثمرات ترك المعاصي:
إن ترك المعاصي والإعراض عنها ابتغاءَ وجه الله تعالى يورث صاحبه خيرًا عظيمًا في العاجل والآجل، خلاصته: الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١].
قال عبد الله بن المبارك:
أَيَضْمَنُ لِي فَتًى تَرْكَ الْمَعَاصِي … وَأَرْهَنُهُ الْكَفَالَةَ بِالْخَلَاصِ
أَطَاعَ اللَّهَ قَوْمٌ فاسْتَرَاحُوا … وَلَمْ يَتَجَرَّعُوا غُصَصَ الْمَعَاصِي (^٢).
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٢٩٦).
(٢) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ١١٧).
[ ١٦١ ]
ولابن القيم خلاصة نافعة في ثمرات ترك الذنوب، يقول ﵀: " سبحان الله رب العالمين! لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلا إقامة المروءة، وصون العرض وحفظ الجاه، وصيانة المال الذي جعله الله قوامًا لمصالح الدنيا والآخرة، ومحبة الخلق، وجواز القول بينهم، وصلاح المعاش، وراحة البدن، وقوة القلب، وطيب النفس، ونعيم القلب، وانشراح الصدر، والأمن من مخاوف الفساق والفجار، وقلة الهم والغم والحزن، وعز النفس عن احتمال الذل، وصون نور القلب أن تطفئه ظلمة المعصية، وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار، وتيسر الرزق عليه من حيث لا يحتسب، وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق والمعاصي، وتسهيل الطاعات عليه، وتيسير العلم، والثناء الحسن في الناس، وكثرة الدعاء له، والحلاوة التي يكتسبها وجهه، والمهابة التي تلقى له في قلوب الناس، وانتصارهم وحميتهم له إذا أوذي وظلم، وذبهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب، وسرعة إجابة دعائه، وزوال الوحشة التي بينه وبين الله، وقرب الملائكة منه، وبعد شياطين الإنس والجن منه، وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه، وخطبتهم لمودته وصحبته، وعدم خوفه من الموت، بل يفرح به لقدومه على ربه ولقائه له ومصيره إليه، وصغر الدنيا في قلبه، وكبر الآخرة عنده، وحرصه على الملك الكبير والفوز العظيم فيها، وذوق حلاوة الطاعة ووجد حلاوة الإيمان، ودعاء حملة العرش ومن حوله من الملائكة له، وفرح الكاتبين به، ودعاؤهم له كل وقت، والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته، وحصول محبة الله له وإقباله عليه، وفرحه بتويته، وهكذا يجازيه بفرح وسرور لا نسبة له إلى فرحه وسروره بالمعصية بوجه من الوجوه. فهذه بعض آثار ترك المعاصي في الدنيا. فإذا مات تلتقه الملائكة بالبشرى من ربه بالجنة، وبأنه لا خوف عليه ولا حزن، وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى روضة من رياض الجنة ينعم فيها الى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة كان الناس في الحر والعرق، وهو في ظل العرش. فإذا انصرفوا بين يدي الله أخذ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين: و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] " (^١).
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٥١).
[ ١٦٢ ]
موعظة:
قال أبو القاسم الحريري:
أيا مَنْ يدّعي الفَهْمْ … إلى كمْ يا أخا الوَهْمْ
تُعبّيْ الذّنْبَ والذمّ … وتُخْطي الخَطأ الجَمّ
أمَا بانَ لكَ العيْبْ … أمَا أنْذرَكَ الشّيبْ
وما في نُصحِهِ ريْبْ … ولا سمْعُكَ قدْ صمّ
أمَا نادَى بكَ الموتْ … أمَا أسْمَعَك الصّوْتْ
أما تخشَى من الفَوْتْ … فتَحْتاطَ وتهتمْ (^١)
فكمْ تسدُرُ في السهْوْ … وتختالُ من الزهْوْ (^٢)
وتنْصَبُّ إلى اللّهوْ … كأنّ الموتَ ما عَمّ
وحَتّامَ تَجافيكْ … وإبْطاءُ تلافيكْ
طِباعًا جمَعتْ فيكْ … عُيوبًا شمْلُها انْضَمّ
إذا أسخَطْتَ موْلاكْ … فَما تقْلَقُ منْ ذاكْ
وإنْ أخفَقَ مسعاكْ … تلظّيتَ منَ الهمّ
وإنْ لاحَ لكَ النّقشْ … منَ الأصفَرِ تهتَشّ (^٣)
وإن مرّ بك النّعشْ … تغامَمْتَ ولا غمّ
_________________
(١) الفوت: مضي الوقت.
(٢) تسدر: لم تهتم ولم تبال ما صنعت.
(٣) تهتش: تطرب وتشتهي.
[ ١٦٣ ]
تُعاصي النّاصِحَ البَرّ … وتعْتاصُ وتَزْوَرّ (^١)
وتنْقادُ لمَنْ غَرّ … ومنْ مانَ ومنْ نَمّ
وتسعى في هَوى النّفسْ … وتحْتالُ على الفَلْسْ
وتنسَى ظُلمةَ الرّمسْ … ولا تَذكُرُ ما ثَمّ (^٢)
ولوْ لاحظَكَ الحظّ … لما طاحَ بكَ اللّحْظْ
ولا كُنْتَ إذا الوَعظْ … جَلا الأحزانَ تغْتَمّ
ستُذْري الدّمَ لا الدّمْعْ … إذا عايَنْتَ لا جمْعْ
يَقي في عَرصَةِ الجمعْ … ولا خالَ ولا عمّ
كأني بكَ تنحطّ … إلى اللحْدِ وتنْغطّ
وقد أسلمَك الرّهطْ … إلى أضيَقَ مِنْ سمّ
هُناك الجسمُ ممدودْ … ليستأكِلَهُ الدّودْ
إلى أن ينخَرَ العودْ … ويُمسي العظمُ قد رمّ (^٣)
ومنْ بعْدُ فلا بُدّ … منَ العرْضِ إذا اعتُدّ
صِراطٌ جَسْرُهُ مُدّ … على النارِ لمَنْ أمّ (^٤)
فكمْ من مُرشدٍ ضلّ … ومنْ ذي عِزةٍ ذَلّ
وكم من عالِمٍ زلّ … وقال الخطْبُ قد طمّ
_________________
(١) تزور: تميل وتنحرف.
(٢) الرمس: القبر. ما ثَم: ما هناك.
(٣) رم: بلي.
(٤) أم: قصد.
[ ١٦٤ ]
فبادِرْ أيّها الغُمْرْ … لِما يحْلو بهِ المُرّ (^١)
فقد كادَ يهي العُمرْ … وما أقلعْتَ عن ذمّ (^٢)
ولا ترْكَنْ إلى الدهرْ … وإنْ لانَ وإن سرّ
فتُلْفى كمنْ اغتَرّ … بأفعى تنفُثُ السمّ
وخفّضْ منْ تراقيكْ … فإنّ الموتَ لاقِيكْ
وسارٍ في تراقيكْ … وما ينكُلُ إنْ همّ
وجانِبْ صعَرَ الخدّ … إذا ساعدَكَ الجدّ (^٣)
وزُمّ اللفْظَ إنْ ندّ … فَما أسعَدَ مَنْ زمّ (^٤)
ونفِّسْ عن أخي البثّ … وصدّقْهُ إذا نثّ (^٥)
ورُمّ العمَلَ الرثّ … فقد أفلحَ مَنْ رم (^٦)
ورِشْ مَنْ ريشُهُ انحصّ … بما عمّ وما خصّ (^٧)
ولا تأسَ على النّقصْ … ولا تحرِصْ على اللَّمّ
وعادِ الخُلُقَ الرّذْلْ … وعوّدْ كفّكَ البذْلْ
ولا تستمِعِ العذلْ … ونزّهْها عنِ الضمّ
_________________
(١) الغُمر: غير المجرب للأمور.
(٢) يهي العمر: يضعف وينتهي.
(٣) صعَرَ الخدّ: كناية عن الكبر.
(٤) وزم: اضبط وأمسك. ند: نفر وشرد.
(٥) البث: الحزن. نث: أفشى ما حقه أن يُكتم.
(٦) ورُمّ العمَلَ: أصلحه. الرث: الرديء.
(٧) ورِشْ مَنْ ريشُهُ: قوِّه وأصلح حاله. انحص: تناثر وتساقط.
[ ١٦٥ ]
وزوّدْ نفسَكَ الخيرْ … ودعْ ما يُعقِبُ الضّيرْ
وهيّئ مركبَ السّيرْ … وخَفْ منْ لُجّةِ اليمّ
بِذا أُوصيتُ يا صاحْ … وقد بُحتُ كمَن باحْ
فطوبى لفتًى راحْ … بآدابيَ يأتَمّ" (^١).
اعتراف:
وقال أيضًا:
أستغْفِرُ اللهَ منْ ذُنوبٍ … أفرَطْتُ فيهِنّ واعْتَدَيْتُ
كمْ خُضْتُ بحْرَ الضّلالِ جهْلًا … ورُحتُ في الغَيّ واغْتَدَيْتُ
وكمْ أطَعْتُ الهَوى اغْتِرارًا … واختَلْتُ واغْتَلْتُ وافْترَيْتُ
وكمْ خلَعْتُ العِذارَ ركْضًا … إلى المَعاصي وما ونَيْتُ (^٢)
وكمْ تَناهَيْتُ في التّخطّي … إلى الخَطايا وما انتهيْتُ
فلَيتَني كُنْتُ قبل هذا … نَسْيًا ولمْ أجْنِ ما جنَيْتُ
فالمَوتُ للُمجْرِمين خيرٌ … من المَساعي التي سعَيْتُ
يا رَبِّ عفْوًا فأنْتَ أهلٌ … للعَفْوِ عنّي وإنْ عصَيْتُ (^٣).
_________________
(١) مقامات الحريري (ص: ٨٥).
(٢) خلع العذار: مال إلى المكروه من غير عقل يضبطه. ونيت: فترت ولا ضعفت عن ذلك.
(٣) مقامات الحريري (ص: ٤١٩).
[ ١٦٦ ]