فيا من غرق في لجج الخطايا اعلم أن هناك يدًا تمتد إليك لتنقذك فلا تردها، ويامن أحرقَتْه نيران المعاصي، إن هناك وسائل إطفاء تعرض عليك فاقبلها، ويا من ضلّ في دياجي الذنوب، إن هناك نورًا يناديك ليخرجك من الظلمات إلى النور ويهديك إلى صراط مستقيم فأحسن استقباله، ويامن تدنس بعصيان خالقه، إن هناك مغتسلًا طهورًا ينتظرك ليطهرك فأسرع إليه، ويامن ما زال في سجن مخالفة ربه، إن هناك سبلًا كثيرة لإطلاق سراحك فاقبل زيارتها لك، ويامن تعاني آلام الخطيئة، إن هناك دواء مجانيًا يقدم لك فخذه قبل أن يهلكك المرض.
الخطر الكبير:
إن الخطر الكبير على ابن آدم أن يعمل المعاصي ولا يبالي، فلا يفكر بمن عصى، ولا في عواقب معصيته، ولا تضيق نفسه من جرمه حتى تحمله على البحث عن مكفرات لسيئته، بل الأخطر من ذلك أن يصر على خطاياه ويستصغرها، وهذا الذي قد يجعله يقلل من شأن أسباب مغفرة الذنوب.
و" الإصرار هو الاستمرار على المخالفة والعزم على المعاودة، وذلك ذنب آخر لعله أعظم من الذنب الأول بكثير، وهذا من عقوبة الذنب أنه يوجب ذنبًا أكبر منه، ثم الثاني كذلك ثم الثالث كذلك حتى يستحكم الهلاك. فالإصرار على المعصية معصية أخرى، والقعود عن تدارك الفارط من المعصية إصرار ورضا بها وطمأنينة إليها، وذلك علامة الهلاك، وأشد من هذا كله المجاهرة بالذنب مع تيقن نظر الرب ﷻ من فوق عرشه إليه" (^١).
وهناك خطر آخر ألا وهو المداومة على ارتكاب الصغائر، ظنًا أنها محقَّرات لا خطر فيها، وهذه التي حذر منها رسول الله ﵊ في قوله: (إياكم ومحقَّرات الذنوب؛ فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود،
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ١٨١).
[ ٤١١ ]
حتى جملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه) (^١).
وصاحب هذه المعصية الصغيرة في نظره والتي أصر عليها قد تكون أشد خطرًا من كبيرة استعظمها فاعلها حتى دعته إلى التوبة، قال ابن القيم: " وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يُلحِقُها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يُلحِقُها بالكبائر بل يجعلها في أعلى رُتَبِها" (^٢).
المسارعة المسارعة إلى تكفير الذنوب قبل فجأة الموت:
إن الموت ضيف ينزل بالإنسان من غير استئذان، فحريٌّ بالعاقل أن يصفِّي حسابه ويراجع سجل أعماله قبل أن يأتيه هذا الضيف الذي ينقله إلى الحساب بين يدي الفتاح العليم ليحاسبه على كل كبيرة وصغيرة.
ومن الاستعداد: القيام بفعل الأوامر واجتناب النواهي على ما يحب الله ويرضاه، فإن هفا المرء فلا يسوِّف التوبة، ولا يؤخر محو الخطيئة، بل ينطلق مسرعًا إلى باب التوبة والقيام بعمل مكفِّر أو مكفرات لذنبه، وهذا يجعله في سعادة وطمأنينة إن أتاه الموت على حين غِرّة.
فيا شقاء من لم ينظر إلى هذا الأمر بعين الاعتبار؛ فصار يرتكب الخطايا، ويسرف على نفسه بالذنوب وحفظةُ الأعمال تسجل عليه تفريطه وإسرافه وهو غير مبالٍ بتكفير ذنوبه قبل لقاء خالقه، فيرحل إلى ربه منحني الظهر بالأوزار، مسود الصحيفة بالسيئات، ثقيل الحمولة بالخطيئات.
بل المصيبة التي قد تضاعِف مصيبته السالفة أن يعمل أعمالًا سيئة تبقى بعده،
_________________
(١) رواه أحمد (٣٧/ ٤٦٧)، وهو صحيح.
(٢) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٣٢٨).
[ ٤١٢ ]
فيعملها الناس بعد رحيله إلى قبره؛ اقتداء به، فتظل صحيفة معاصيه تستقبل الآثام وقد رحل ذلك الإنسان عن الدنيا!
يقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]. قال ابن كثير: " يقول: ما سنوا من سنة فعمل بها قوم من بعد موتهم، فإن كانت خيرًا فلهم مثل أجورهم لا ينقص من أجر من عمل به شيئًا، وإن كانت شرًا فعليهم مثل أوزارهم ولا ينقص من أوزار من عمل بها شيئًا" (^١).
قال رسول الله ﷺ: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) (^٢).
وشتان ما بين هذا وبين من يموت فتظل صحيفة أعماله تُسجل فيها الأجور الناتجة عن أعمال صالحة خلّفها وراءه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (^٣). وقال رسول الله ﷺ: (إن مما يلحق المؤمنَ من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علمّه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته. يلحقه من بعد موته) (^٤).
فاحرص كل الحرص-أيها المسلم- على مفارقة الحياة وقد تخلصت من الذنوب
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٦٨٢).
(٢) رواه مسلم (٢/ ٧٠٤).
(٣) رواه مسلم (٣/ ١٢٥٥).
(٤) رواه ابن ماجه (١/ ٨٨)، وابن خزيمة (٤/ ١٢١)، وهو حسن.
[ ٤١٣ ]
السابقة، وابتعدت عن ذنوب قد تصير إلى القبر لاحقة، وإن استطعت أن تجعل لك أعمالًا صالحة من بعدك يصل ثوابها إلى قبرك فذاك خير إلى خير، وسعادة وأي سعادة.
قال حبيب أبو محمد: "إن من سعادة المرء إذا مات ماتت معه ذنوبُه" (^١).
وقال أبو طالب المكي: "فطوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه، والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه بعده مائة سنة ومائتي سنة يعذَّب بها في قبره، ويُسأل عنها إلى آخر انقراضها، قال اللّه ﷿: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]. (ما قدموا): ما عملوا، (وآثارهم): ما سنّوه بعدهم فعُمل به، وقال في وصفه: ﴿يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]، قيل: بما قدم من عمل، وما أخّر من سنّة عمل بها بعده" (^٢).
أسباب مغفرة الذنوب:
إن الله تعالى عفو رحيم غفور حليم؛ فقد فتح لعباده أبواب الأمل والتفاؤل، وأغلق عنهم منافذ اليأس والقنوط، وأرشدهم إلى الطريق القويم حينما يزيغون عنه في ظلمات الخطايا والانحراف، وأعطاهم قوارب النجاة عندما تتقاذفهم أمواجُ الشبهات والشهوات، وأعادهم إلى دار الأمان والعز، بعد أن تاهوا عنها في طرقات المعاصي والضياع والذل.
ولولا رحمته تعالى وحلمه ومغفرته لهلكَ عبادُه أجمعون؛ فهو الرحيم الرحمن الذي وسعت رحمته كلَّ شيء، ومن رحمته أن يقبل رجوعهم إليه إذا عصوه، وهو الحليم الذي يحلم على المذنبين عن قدرة وكرم، لا عن ضعف وعجز، ومن حلمه: أنه لم يعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلهم؛ لعلهم أن يتوبوا ويرجعوا عن غيهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥].
_________________
(١) حلية الأولياء، لأبي نعيم (٨/ ٢٩٦).
(٢) قوت القلوب، لأبي طالب المكيفي معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد (٢/ ٤٤٢).
[ ٤١٤ ]
وقال رسول الله ﷺ: (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى؛ إنهم يجعلون له ندًا، ويجعلون له ولدًا، وهو مع ذلك يرزقهم، ويعافيهم ويعطيهم)! (^١).
وهو الغافر الغفور الغفار، يغفر ذنوب المذنبين، ويستر على عباده العاصين؛ ولذلك يخبرهم بهذه الصفة العظيمة فيقول: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]. ويدعو المسرفين على أنفسهم بالخطايا أن يتركوها، ويدعوا القنوط من غفرانه، ويقبلوا تائبين إليه منيبين وسيغفر لهم، فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣، ٥٤].
فمن عصى الله تعالى فعليه للخروج من تبعة معصيته أمران:
الأول: التوبة النصوح، وهي: " ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة" (^٢).
الثاني: أن يسعى إلى الإكثار من الأقوال والأعمال التي ورد أنها تكفِّر الخطايا.
وهذه المكفِّرات يمكن أن نقسمها إلى قسمين:
مكفرات فعلية، ومكفرات قولية. وهي كثيرة العدد في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله ﵊، وسنكتفي هنا ببعض ذلك.
القسم الأول: المكفرات الفعلية:
أولًا: اتباع رسول الله محمد ﷺ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. "أي:
_________________
(١) رواه مسلم (٤/ ٢١٦٠).
(٢) مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني (١/ ١٤٩).
[ ٤١٥ ]
باتباعكم للرسول ﷺ يحصل لكم هذا كله" (^١).
ثانيًا: فعل الحسنات، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. " يقول: إن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة" (^٢).
ثالثًا: اجتناب الكبائر، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١].
رابعًا: إسباغ الوضوء والإتيان به إلى المسجد، قال رسول الله ﷺ: (من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد؛ غفر الله له ذنوبه) (^٣).
وعن عثمان ﵁ أنه توضأ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: (من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة) (^٤).
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره) (^٥).
خامسًا: المحافظة على الصلوات الخمس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات ما بينهن، إذا اجتنب الكبائر) (^٦).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٢).
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٦٢).
(٣) رواه مسلم (١/ ٢٠٨).
(٤) رواه مسلم (١/ ٢٠٧).
(٥) رواه مسلم (١/ ٢١٦).
(٦) رواه مسلم (١/ ٢٠٩).
[ ٤١٦ ]
سادسًا: صلاة الجمعة والتزام آدابها، قال النبي ﷺ: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) (^١). زاد مسلم: (غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام).
سابعًا: قيام الليل، قال رسول الله ﷺ: (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، ومكفر للسيئات، ومنهاة عن الإثم) (^٢).
ثامنًا: أداء الزكاة كما وجبت ابتغاء وجه الله تعالى، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣].
قال ابن عاشور: "فقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ إشارة إلى مقام التخلية عن السيئات. وقوله: ﴿تُزَكِّيهِمْ﴾ إشارة إلى مقام التحلية بالفضائل والحسنات. ولا جرم أن التخلية مقدمة على التحلية. فالمعنى: أن هذه الصدقة كفارة لذنوبهم ومجلبة للثواب العظيم" (^٣).
تاسعًا: الصدقة، قال رسول الله ﷺ: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار) (^٤).
عاشرًا: صيام رمضان وقيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، قال رسول الله ﷺ: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ٣٠١)، ومسلم (٢/ ٥٨٧).
(٢) رواه الترمذي (٥/ ٥٥٢)، والحاكم (١/ ٤٥١)، وهو صحيح.
(٣) التحرير والتنوير، لابن عاشور (١٠/ ١٩٦).
(٤) رواه الترمذي (٥/ ١١)، وأبو يعلى (٦/ ٣٣٠)، وهو صحيح.
[ ٤١٧ ]
إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) (^١).
الحادي عشر: صيام يوم عرفة، فقد سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة؟ فقال: (يكفر السنة الماضية والباقية) (^٢).
الثاني عشر: صيام يوم عاشوراء، فقد سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: (يكفر السنة الماضية) (^٣).
الثالث عشر: الحج الخالي من الرفث والفسق، قال النبي ﷺ: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) (^٤).
الرابع عشر: العمرة، قال رسول الله ﷺ: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) (^٥).
الخامس عشر: الصبر على الأمراض والهموم والأحزان والمصائب، قال رسول الله ﷺ: (ما يصيب المؤمنَ من وصب ولا نصب، ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كُفر به من سيئاته) (^٦).
وقال ﵊: (ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها) (^٧). زاد مسلم: (إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه خطيئة).
ودخل ﵊ على أم السائب أو أم المسيب فقال: (مالك يا أم
_________________
(١) رواه البخاري (٢/ ٧٠٩)، ومسلم (١/ ٥٢٣).
(٢) رواه مسلم (٢/ ٨١٨).
(٣) رواه مسلم (٢/ ٨١٨).
(٤) رواه البخاري (٢/ ٥٥٣)، ومسلم (٢/ ٩٨٣).
(٥) رواه البخاري (٢/ ٦٢٩)، ومسلم (٢/ ٩٨٣).
(٦) رواه مسلم (٤/ ١٩٩٢).
(٧) رواه البخاري (٥/ ٢١٣٩)، ومسلم (٤/ ١٩٩١).
[ ٤١٨ ]
السائب أو يا أم المسيب تزفزفين)؟ قالت: الحمى، لا بارك الله فيها، فقال: (لا تسبي الحمى؛ فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد) (^١).
السادس عشر: مصافحة المسلم لأخيه المسلم عند اللقاء، قال رسول الله ﷺ: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) (^٢).
القسم الثاني: المكفِّرات القولية:
أولًا: القول السديد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
قال ابن عاشور: "ويشمل القول السديد ما هو تعبير عن إرشاد من أقوال الأنبياء والعلماء والحكماء، وما هو تبليغ لإرشاد غيره من مأثور أقوال الأنبياء والعلماء. فقراءة القرآن على الناس من القول السديد، ورواية حديث الرسول ﷺ من القول السديد. وفي الحديث: "نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها" وكذلك نشر أقوال الصحابة والحكماء وأئمة الفقه. ومن القول السديد: تمجيد الله والثناء عليه مثل التسبيح. ومن القول السديد: الأذان والإقامة قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. فبالقول السديد تشيع الفضائل والحقائق بين الناس فيرغبون في التخلق بها، وبالقول السيئ تشيع الضلالات والتمويهات فيغتر الناس بها ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا. والقول السديد يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (^٣).
ثانيًا: الدعاء، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله: (يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا
_________________
(١) رواه مسلم (٤/ ١٩٩٣).
(٢) رواه أبو داود (٤/ ٥٢١)، وهو صحيح.
(٣) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢١/ ٣٤٢).
[ ٤١٩ ]
أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عَنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة) (^١).
ثالثًا: الاستغفار، قال رسول الله ﷺ: (من قال: أستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له، وإن كان فر من الزحف) (^٢).
رابعًا: الإتيان بكفارة المجلس، قال رسول الله ﷺ: (من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان، في مجلسه ذلك) (^٣).
خامسًا: قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، قال رسول الله ﷺ: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة؛ كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه) (^٤).
سادسًا: قول: سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، قال رسول الله ﷺ: (من قال: سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) (^٥).
_________________
(١) رواه أحمد (٣٥/ ٣٧٥)، والترمذي (٨/ ٤٠)، وهو صحيح.
(٢) رواه أبو داود (١/ ٥٦٠)، والترمذي (٥/ ٥٦٨)، وهو صحيح.
(٣) رواه الترمذي (٥/ ٤٩٤)، وهو صحيح.
(٤) رواه البخاري (٥/ ٢٣٥١)، ومسلم (٤/ ٢٠٧١).
(٥) رواه البخاري (٥/ ٢٣٥٢)، ومسلم (٤/ ٢٠٧١).
[ ٤٢٠ ]
سابعًا: الدعاء الوارد عند الأذان، قال رسول الله ﷺ: (من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا وبالإسلام دينًا غفر له ذنبه) (^١).
ثامنًا: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل عقب الصلاة، قال رسول الله ﷺ: (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) (^٢).
تاسعًا: حمد الله عقب الطعام ولبسِ الثوب الجديد، قال رسول الله ﷺ: (من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن لبس ثوبًا جديدًا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه) (^٣).
عاشرًا: دعاء عند النوم، قال رسول الله ﷺ: (من قال عند منامه لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، سبحان الله وبحمده لا إله إلا الله والله أكبر؛ غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر) (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم (١/ ٢٩٠).
(٢) رواه مسلم (١/ ٤١٨).
(٣) رواه أبو داود (٤/ ٧٤)، وهو حسن.
(٤) رواه النسائي الكبرى (٦/ ٢٠٢)، وهو صحيح.
[ ٤٢١ ]
وطنُك ليس هنا!
خُلق الإنسان ليعيش حياته التامة في الآخرة لا في الدنيا، وما الدنيا له إلا معبر إلى ذلك المستقر، وما لياليها وأيامها إلا رواحل إلى تلك المنازل. "قال بعض الحكماء: من كانت الأيام والليالي مطاياه سارت به وإن لم يَسرْ" (^١).
فوطن المرء الحقيقي هناك في الآخرة، وليس هنا في هذه الدار التي هي في الحقيقة دار غربة وسكانها غرباء. "كان عطاء السلمي يقول في دعائه: اللهم ارحم في الدنيا غربتي، وارحم في القبر وحشتي، وارحم موقفي غدًا بين يديك" (^٢).
غرباء ينتظرون الوطن:
قال ابن القيم: " إن الناس كلهم في هذه الدار غرباء؛ فإنها ليست لهم بدار مقام، ولا هي الدار التي خُلِقوا لها، وقد قال النبي لعبد الله بن عمر ﵄: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وهكذا هو نفس الأمر؛ لأنه أمر أن يطالع ذلك بقلبه ويعرفه حق المعرفة. ولي من أبيات في هذا المعنى:
وحَيَّ على جناتِ عدْنٍ فإنها … منازلُك الأُولى وفيها المخيَّمُ
ولكنَّنا سَبْيُ العدوِّ فهل ترى … نعودُ إلى أوطاننا ونُسلَّمُ
وأيُّ اغترابٍ فوق غربتِنا التي … لها أضحتِ الأعداءُ فينا تحكَّمُ
وقد زعموا أن الغريبَ إذا نأى … وشَطَّتْ به أوطانُه ليس يَنعمُ
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٤٢/ ٨).
(٢) المرجع السابق (٤٢/ ٥).
[ ٤٢٢ ]