إن كان الترغيب في بعض الأعمال المستحبة، والطاعات المندوبة محبَّبًا ومطلوبًا، فكيف به في عبادة واجبة من أعظم العبادات، وفريضة من أعظم الفرائض؟
لاشك أن الترغيب فيها مطلوب، والحث عليها ذو أهمية كبيرة، خاصة إذا جهل الناس عظمة هذه الفريضة، فتركوها أو قصروا فيها، أو لم يدركوا حقيقتها، ولم يصلوا إلى ثمرتها، وحسن أثرها.
مكانة الصلاة في الإسلام:
للصلاة في الإسلام مكانة عظيمة، ومنزلة سامية لم تصل إليها عبادة من العبادات العملية، ومما يدل على هذه المنزلة المرموقة:
أولًا: أن الله تعالى أمر بإقامتها والمحافظة عليها في كتابه الكريم في آيات متعددة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
ثانيًا: أن الله تعالى أمر رسوله ﵊ أن يأمر بها أهله ويصطبر على أدائها، وأثنى على رسوله إسماعيل ﵇ بذلك، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]، وقال: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥].
ثالثًا: أن الله تعالى أمر بالاستعانة بها وبالصبر، فهي بذلك مفزع المؤمن عند المدلهمات، وسلواه عند الأحزان والكربات، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
[ ١٩٥ ]
قال ابن كثير: الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر كما قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ …﴾ الآية. قال حذيفة بن اليمان ﵄: كان رسول الله ﷺ، إذا حزبه أمر (^١) صلى، وقال حذيفة كذلك: رجعت إلى النبي ﷺ ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة (^٢) يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى. وعن علي ﵁ قال: لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم، غير رسول الله ﷺ يصلي ويدعو حتى أصبح. وعن ابن عباس أنه نعي إليه أخوه قُثم وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحى عن الطريق فأناخ، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (^٣).
وقال ابن حجر في حديث: أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتَنِ وَمَاذَا فُتِحَ مِنْ الْخَزَائِنِ! أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ) (^٤): " وفي الحديث استحباب الإسراع إلى الصلاة عند خشية الشر، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ وكان ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وأمر من رأى في منامه ما يكره أن يصلي" (^٥). وقال ابن حجر عن الصلاة أيضًا: " ومن أسرارها: أنها تعين على الصبر؛ لما فيها من الذكر والدعاء والخضوع" (^٦).
فما أحوجنا هذه الأيام إلى كثرة الصلاة في هذه الخطوب التي نعيشها!
_________________
(١) أي: إذا نزل به مُهمٌّ أو أصابَه غمٌّ. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ٩٤٥).
(٢) اشتمل بثوبه أداره على جسده كله، والشملة كساء من صوف أو شعر. المعجم الوسيط (١/ ٤٩٥).
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ١١٢).
(٤) رواه البخاري (١/ ٥٤).
(٥) فتح الباري (١/ ٢١١).
(٦) فتح الباري (٣/ ١٧٢).
[ ١٩٦ ]
رابعًا: أن الله تعالى أمر بها المجاهد في وقت القتال، ولم يسقطها عنه، ولكنه خفف عنه في كيفيتها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ …﴾ [النساء: ١٠٢].
خامسًا: أن الله تعالى سماها إيمانًا وقرآنا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] " أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك ما كان يضيع ثوابها عند الله" (^١). وقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. " يعني: صلاة الفجر" (^٢).
سادسًا: أن الله تعالى اشترط لها أكمل الأحوال من الطهارة والزينة وحسن الحال، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
يعني: "يا بني آدم، كونوا عند أداء كل صلاة على حالة من الزينة المشروعة من ثياب ساترة لعوراتكم ونظافة وطهارة ونحو ذلك" (^٣).
سابعًا: أنها عمود الإسلام، و" قِوام الدين الذي يقومُ به الدِّين، كما يقومُ الفسطاطُ على عموده" (^٤). فمن ضيعها فهو لما سواها أضيع، قال رسول الله ﷺ: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) (^٥).
قال الغزالي: " الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، ورأس القربات، وغُرة الطاعات" (^٦).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٢٣٩).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٦٩).
(٣) التفسير الميسر، لمجموعة من العلماء (٢/ ٤٩٢).
(٤) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (٣١/ ١٨).
(٥) رواه أحمد (٣٦/ ٣٤٥)، والنسائي، سنن النسائي الكبرى (٦/ ٤٢٨)، وهو صحيح
(٦) إحياء علوم الدين، للغزالي (١/ ١٤٥).
[ ١٩٧ ]
ثامنًا: أمر رسول الله ﷺ الآباء بأمر أولادهم بها في سن صغيرة، قال رسول الله ﷺ: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع) (^١).
تاسعًا: أنها الفريضة الوحيدة التي أخذها رسول الله عن الله مباشرة في السماء من غير واسطة، وذلك ليلة المعراج، وأن الله فرضها أول مرة خمسين، ثم خففها إلى خمس؛ رحمة بخلقه، وهذا كله لعظم شأنها وشرفها عنده تعالى.
عاشرًا: أنها آخر وصية أوصى بها رسول الله ﷺ الأمةَ حين ودّع الحياة والأحياء، فعن علي ﵁ قال: (كان آخر كلام النبي ﷺ: الصلاةَ الصلاة ..) (^٢).
الحادي عشر: أنها أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله يوم القيامة، قال النبي ﷺ: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله) (^٣).
حياة الصلاة:
الصلاة في حقيقتها وفي الأثر الذي يُرجى منها لصلاح النفس باطنًا وظاهرًا؛ ليست تلك الصلاة الجوفاء القائمة على حركات خاوية من الحقائق لا حياة فيها، بل حقيقة الصلاة وحياتها: أن تكون شاغلة بال المسلم بحيث يتعلق قلبه بها، ويشتاق إلى وقت أدائها، فإذا سمع المنادي لها طار فرحًا إليها، فإذا أقبل عليها أقبل إقبال المحب على حبيبه الذي غاب عنه، فإذا دخل فيها نسي الدنيا وأهلها، ووجد فيها راحته ولذته، وأُنسه وسعادته. وهو يحب أن لو استمر فيها مهما طالت؛ لما يجد فيها من النعيم واللذة. فإذا انفتل
_________________
(١) رواه أبو داود (١/ ١٨٥)، وهو حسن.
(٢) رواه أبو داود (٤/ ٥٠٤)، وابن ماجه (٢/ ٩٠٠)، وهو صحيح.
(٣) رواه الطبراني، المعجم الأوسط (٢/ ٢٤٠)، والترمذي (٢/ ٢٦٩)، والنسائي (١/ ٢٣٢)، وهو صحيح.
[ ١٩٨ ]
عنها كان عليه أثرها من الاستقامة والخشوع، والانقياد والخضوع، وبدت عليه أنوارها الحسية والمعنوية، فهي على وجهه نور يتلألأ، وعلى معاملته ضياء يشرق بين الناس.
إن من كانت الصلاة له حياة فإنه يراها قرة عينه، وراحة نفسه التي لا يريد مفارقتها. قال رسول الله ﷺ: (وجُعلت قرة عيني في الصلاة) (^١).
قال ابن حجر في فوائد حديث الولي عند قوله تعالى: (وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ) (^٢): " وفي الحديث عظم قدر الصلاة؛ فإنه ينشأ عنها محبة الله للعبد الذي يتقرب بها، وذلك لأنها محل المناجاة والقربة، ولا واسطة فيها بين العبد وربه، ولا شيء أقر لعين العبد منها؛ ولهذا جاء في حديث أنس المرفوع: " وجعلت قرة عيني في الصلاة " أخرجه النسائي وغيره بسند صحيح، ومن كانت قرة عينه في شيء فإنه يود أن لا يفارقه ولا يخرج منه؛ لأن فيه نعيمه وبه تطيب حياته، وإنما يحصل ذلك للعابد بالمصابرة على النَّصَب؛ فإن السالك غرض الآفات والفتور" (^٣).
وقال رسول الله ﷺ: (يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها) (^٤). " أي: نستريح بأدائها من شغل القلب بها، وقيل: كان اشتغاله بالصلاة راحة له؛ فإنه كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعبًا فكان يستريح بالصلاة؛ لما فيها من مناجاة الله تعالى؛ ولهذا قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) وما أقرب الراحة من قرة العين! " (^٥).
قال ابن القيم: " فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقابله، فهذا إذا انصرف منها وجد خفة من نفسه، وأحس
_________________
(١) رواه النسائي (٧/ ٦١)، والبيهقي، السنن الكبرى (٧/ ٧٨)، وهو صحيح.
(٢) رواه البخاري (٥/ ٢٣٨٤).
(٣) فتح الباري لابن حجر (١٨/ ٣٤٢).
(٤) رواه أحمد (٣٨/ ١٧٨)، وأبو داود (٤/ ٤٥٣)، وهو صحيح.
(٥) عون المعبود، للعظيم آبادي (١٣/ ٢٢٥).
[ ١٩٩ ]
بأثقال قد وضعت عنه، فوجد نشاطًا وراحة ورَوحًا، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها؛ لأنها قرة عينيه، ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها، فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا؛ كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم ﷺ: (يا بلال، أرحنا بالصلاة) ولم يقل: أرحنا منها، وقال ﷺ: (جعلت قرة عيني في الصلاة)، فمن جعلت قرة عينه في الصلاة كيف تقر عينه ﷺ بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟ فصلاة هذا الحاضر بقلبه الذي قرة عينه في الصلاة هي التي تصعد ولها نور وبرهان حتى يستقبل بها الرحمن ﷿ فتقول: حفظك الله تعالى كما حفظتني" (^١).
وقال ابن أبي الدنيا: قرأت في كتاب أبي جعفر الأدميّ بخطّه، قال: "كنت باليمن في بعض أسفاري، فإذا رجل معه ابن له شابّ، فقال: إنّ هذا أبي وهو من خير الآباء، وقد يصنع شيئًا أخاف عليه منه، قلت: وأيّ شيء يصنع؟ قال: لي بقر تأتيني مساء فأحلبها، ثمّ آتي أبي وهو في الصّلاة، فأحبّ أن يكون عيالي يشربون فَضْله، ولا أزال قائمًا عليه والإناء في يدي، وهو مقبل على صلاته فعسى أن لا ينفتل ويقبل عليّ حتّى يطلع الفجر، قلت للشّيخ: ما تقول؟ قال: صدق، وأثنى على ابنه، وقال لي: أخبرك بعذري؟ إذا دخلت في الصّلاة، فاستفتحت القرآن ذهب بي مذاهب، وشغلني حتّى ما أذكره حتّى أصبح" (^٢).
وقال ﷺ في حديث السبعة: (… ورجل قلبه معلق في المساجد) (^٣).
"ومعناه: شديد الحب لها، والملازمة للجماعة فيها" (^٤).
فقد " صار قلبه ملتفتًا إلى المسجد لا يحب البراح عنه؛ لوجدانه فيه رَوح القربة،
_________________
(١) الوابل الصيب، لابن القيم (ص: ٣٤).
(٢) الورع لابن أبي الدنيا (ص: ١٠٠).
(٣) رواه البخاري (١/ ٢٣٤)، ومسلم (٢/ ٧١٥).
(٤) شرح النووي على مسلم (٣/ ٤٨١).
[ ٢٠٠ ]
وحلاوة الخدمة" (^١).
قال الحسن البصري: "تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق" (^٢).
وقال أبو الدرداء ﵁: "لولا ثلاث لأحببت أن أكون في بطن الأرض لا على ظهرها: لولا إخوان لي يأتوني ينتقون طيب الكلام كما ينتقي طيب التمر، أو أعفر وجهي ساجدًا لله ﷿، أو غدوة أو روحة في سبيل الله ﷿" (^٣).
لقد وجد الذين عرفوا حقيقة الصلاة فيها لذتهم، فكبر شأنها في نفوسهم، فظهر عليهم ما يدل على ذلك؛ فقد " كان علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه إذا حضر وقت الصلاة يتزلزل ويتلون وجهه، فقيل له: مالك يا أمير المؤمنين؟ فيقول: جاء وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتُها. ويروى عن علي بن الحسين أنه كان إذا توضأ اصفر لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟! " (^٤).
ولما كانت ذات أثر في نفوسهم وصلوا إلى ظهور الندم عليهم لتقصيرهم في جزء منها إن حصل ذلك من غير عمد.
"قال حاتم الأصم: فاتتني الصلاة في الجماعة فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف؛ لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا!
وروي أن السلف كانوا يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبير الأولى، ويعزون
_________________
(١) فيض القدير، للمناوي (٤/ ٨٩).
(٢) مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٤٢٤).
(٣) الزهد لابن حنبل (ص: ١٣٥).
(٤) إحياء علوم الدين، للغزالي (١/ ١٥١).
[ ٢٠١ ]
سبعًا إذا فاتتهم الجماعة! " (^١).
الطريق إلى حياة الصلاة:
إن وصول الإنسان إلى حقيقة الصلاة وشعوره بالحياة فيها يأتي من طرق، منها:
أولًا: معرفة عظمة الموقف وهيبته بين يدي الله تعالى، قال ابن القيم: " … فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته، الذي قد أشعر قلبَه عظمةَ من هو واقف بين يديه، فامتلأ قلبه من هيبته وذلت عنقه له، واستحي من ربه تعالى أن يقبل على غيره، أو يلتفت عنه، وبين صلاتيهما كما قال حسان عطية: (إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة وأن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض)؛ وذلك أن أحدهما مقبل على الله ﷿ والآخر ساهٍ غافل. فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله وبينه حجاب لم يكن إقبالًا ولا تقريبًا فما الظن بالخالق ﷿؟ وإذا أقبل على الخالق ﷿ وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس والنفس مشغوفة بها ملأى منها فكيف يكون ذلك إقبالًا وقد ألهته الوساوس والأفكار وذهبت به كل مذهب؟ والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه؛ فإنه قد قام في أعظم مقام وأقربه، وأغيظه للشيطان وأشده عليه، فهو يحرص ويجتهد أن لا يقيمه فيه، بل لا يزال به يعده ويمنيه وينسيه ويجلب عليه بخيله ورجله حتى يهون عليه شأن الصلاة فيتهاون بها فيتركها. فإن عجز عن ذلك منه وعصاه العبد وقام في ذلك المقام أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكره في الصلاة ما لم يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي حاجة وأيس منها فيذكره إياها في الصلاة؛ ليشغل قلبه بها ويأخذه عن الله ﷿ فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه ﷿ الحاضر بقلبه في صلاته فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله لم
_________________
(١) المرجع السابق (١/ ١٤٩).
[ ٢٠٢ ]
تخف عنه بالصلاة" (^١).
ثانيًا: تفريغ القلب من الأشغال، والإقبال عليها بخلو بال، قال ابن كثير: " والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين" (^٢).
ثالثًا: حضور القلب فيها، والتفهم، والتعظيم والهيبة، والرجاء والحياء، قال الغزالي في تفصيل هذه الأمور: "بيان المعاني الباطنة التي تتم بها حياة الصلاة، اعلم أن هذه المعاني تكثر العبارات عنها، ولكن يجمعها ست جمل وهي: حضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء. فلنذكر تفاصيلها، ثم أسبابها ثم العلاج في اكتسابها. أما التفاصيل:
فالأول: حضور القلب، ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلم به، فيكون العلم بالفعل والقول مقرونًا بهما، ولا يكون الفكر جائلًا في غيرهما، ومهما انصرف في الفكر عن غير ما هو فيه وكان في قلبه ذكر لما هو فيه ولم يكن فيه غفلة عن كل شيء؛ فقد حصل حضور القلب ولكن التفهم لمعنى الكلام أمر وراء حضور القلب، فربما يكون القلب حاضرًا مع اللفظ ولا يكون حاضرًا مع معنى اللفظ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردناه بالتفهم. وهذا مقام يتفاوت الناس فيه؛ إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات، وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة ولم يكن قد خطر بقلبه ذلك قبله، ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر؛ فإنها تفهم أمورًا تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة. وأما التعظيم فهو أمر وراء حضور القلب والفهم، إذ الرجل يخاطب عبده بكلام هو حاضر القلب فيه ومتفهم لمعناه ولا يكون معظمًا له، فالتعظيم زائد عليهما. وأما الهيبة فزائدة على التعظيم،
_________________
(١) الوابل الصيب، لابن القيم (ص: ٣٤).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٢٩٢).
[ ٢٠٣ ]
بل هي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم؛ لأن من لا يخاف لا يسمى هائبًا، والمخافة من العقرب وسوء خلق العبد وما يجري مجراه من الأسباب الخسيسة لا تسمى مهابة، بل الخوف من السلطان المعظم يسمى مهابة والهيبة خوف مصدرها الإجلال.
وأما الرجاء فلا شك أنه زائد، فكم من معظم ملكًا من الملوك يهابه أو يخاف سطوته، ولكن لا يرجو مثوبته. والعبد ينبغي أن يكون راجيًا بصلاته ثواب الله ﷿، كما أنه خائف بتقصيره عقاب الله ﷿. وأما الحياء فهو زائد على الجملة؛ لأن مستنده استشعار تقصير وتوهم ذنب ويتصور التعظيم والخوف والرجاء من غير حياء حيث لا يكون توهم تقصير وارتكاب ذنب.
وأما أسباب هذه المعاني الستة: فاعلم أن حضور القلب سببه الهمة؛ فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك، ومهما أهمك أمرٌ حضر القلب فيه شاء أم أبى، فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه، والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلًا، بل جائلًا فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا، فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة، والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها، وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى، وأن الصلاة وسيلة إليها، فإذا أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدنيا ومهماتها حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة، وبمثل هذه العلة يحضر قلبك إذا حضرت بين يدي بعض الأكابر ممن لا يقدر على مضرتك ومنفعتك، فإذا كان لا يحضر عند المناجاة مع ملك الملوك الذي بيده الملك والملكوت والنفع والضر فلا تظنن أن له سببًا سوى ضعف الإيمان، فاجتهد الآن في تقوية الإيمان … وأما التفهم فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن إلى إدراك المعنى، وعلاجه ما هو علاج إحضار القلب مع الإقبال على الفكر والتشمر لدفع الخواطر. وعلاج دفع الخواطر الشاغلة قطع موادها -أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها- وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر، فمن أحب شيئًا أكثر ذكره، فذكر المحبوب يهجم على القلب بضرورة؛ لذلك ترى أن من أحب غير
[ ٢٠٤ ]
الله لا تصفو له صلاة عن الخواطر.
وأما التعظيم فهي حالة للقلب تتولد من معرفتين: إحداهما معرفة جلال الله ﷿ وعظمته وهو من أصول الإيمان؛ فإن من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه. الثانية: معرفة حقارة النفس وخستها وكونها عبدًا مسخرًا مربوبًا حتى يتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه، فيعبر عنه بالتعظيم وما لم تمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال الله لا تنتظم حالة التعظيم والخشوع؛ فإن المستغني عن غيره الآمن على نفسه يجوز أن يعرف من غيره صفات العظمة ولا يكون الخشوع والتعظيم حاله؛ لأن القرينة الأخرى وهي معرفة حقارة النفس وحاجتها لم تقترن إليه، وأما الهيبة والخوف فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته ونفوذ مشيئته فيه مع قلة المبالاة به، وأنه لو أهلك الأولين والآخرين لم ينقص من ملكه ذرة، هذا مع مطالعة ما يجري على الأنبياء والأولياء من المصائب وأنواع البلاء مع القدرة على الدفع على خلاف ما يشاهد من ملوك الأرض.
وبالجملة كلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة … وأما الرجاء فسببه معرفة لطف الله ﷿ وكرمه وعميم إنعامه، ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة، فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة بلطفه انبعث من مجموعهما الرجاء لا محالة. وأما الحياء فباستشعاره التقصير في العبادة وعلمه بالعجز عن القيام بعظيم حق الله ﷿، ويقوى ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها وقلة إخلاصها وخبث دخلتها وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها، مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال الله ﷿، والعلم بأنه مطلع على السر وخطرات القلب وإن دقت وخفيت، وهذه المعارف إذا حصلت يقينًا انبعث منها بالضرورة حالة تسمى الحياء. فهذه أسباب هذه الصفات وكل ما طلب تحصيله فعلاجه إحضار سببه ففي معرفة السبب معرفة العلاج" (^١).
_________________
(١) إحياء علوم الدين، للغزالي (١/ ١٦١).
[ ٢٠٥ ]
حال مؤسفة:
إن الصلوات الخمس ليست عبادة أسبوعية كصلاة الجمعة، ولا عبادة سنوية كصيام رمضان، ولا عبادة عمرية-على سبيل الفرض- كحج بيت الله الحرام، بل هي عبادة واجبة ملازمة للمسلم في ليله ونهاره مادام حيًا مكلفًا. ولكن الناظر إلى حال الصلاة بين المسلمين سيجدهم معها على أنحاء متفرقة، فهم بين: تارك لها على الدوام، لأسباب متعددة، ومنهم من هو ساهٍ عنها مقصر فيها إما في أداء بعض الفروض دون بعض، وإما في تأخير لها عن أوقاتها، وإما بفعلها في غير المساجد، وإما بعدم إتقانها، وإما بقلة الاستفادة من آثارها في الحياة العملية، وقليل منهم من كانت الصلاة له حياة.
وإنها لمفارقة عجيبة حينما ينظر الإنسان إلى بعض الناس في تعاملهم مع مصالح الدنيا؛ إذ يشاهد منهم الحرص والجد والإتقان والغرام بها، وفي جانب الصلاة يتعامل بالكسل والكره والتطفيف! فويل للمطففين. وويل للذين هم عن صلاتهم ساهون.
إن هذه الأحوال المؤسفة لتنبئ عن صغر شأن الصلاة في قلوب أولئك المضيعين والمقصرين.
وقد ذم الله تعالى المضيعين لها والمتكاسلين عنها، فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
فلماذا تركها التاركون المقرون بوجوبها؟
فهل تركوها بانشغال بالبيع والشراء، أو بالنوم والكسل، أو بالانشغال بالكلام في المجالس والأعمال الدنيوية، أو العكوف أمام القنوات أو الشبكة العنكبوتية أو الجوال؟ فأين عظمة الله في القلوب يوم ينشغل الإنسان عن واجب من أعظم واجبات الإسلام؟
[ ٢٠٦ ]
فإذا كان الانشغال عنها بطلب الرزق فكيف يرجى الرزق من رزّاق أمر في ذلك الوقت بترك العمل والذهاب إلى الصلاة؟ وكيف يريد التارك للصلاة رزقًا مباركًا من عند الله وهو يعصيه؟
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ٩ - ١١].
وإن كان الانشغال عنها بالنوم فالنوم عذر حتى يستيقظ النائم فيصلي، أما إذا تعمد النوم قبيل وقت الصلاة وهو ناوٍ تركها فليس بعذر. وفي هذه الأيام وسائل حديثة تعين على الاستيقاظ مهما ثقل النوم.
وإن كان الانشغال عنها بالاعتكاف أمام الشاشات المختلفة فأين قوة الإيمان التي تجعل صاحبها ينتفض ويترك المشاهدة مهما كان استمتاعه بها، لينطلق ليجيب داعي الله تعالى؟ لأن الآخرة خير وأبقى من الدنيا وما فيها. هذا إذا خلت تلك المشاهد من الحرام، أما إذا كانت في الحرام فهذه لها حديث آخر.
إني لأعجب والله من إنسان يقول: إنه مسلم، ولكن لا يصلي قط! فأي قلب يستطيع أن يعيش صاحبه سعيدًا بدون صلاة، وأي عقل يمكن أن يصدق قول صاحبه: إنه مسلم وهو لا يصلي قط؟!
فيا تارك الصلوات الخمس، تعال إليها وستجد فيها راحتك وطمأنينتك، واستقرارك النفسي، وستذوق فيها طعم الحياة، وستلتذ بها لذة عظيمة. وسترى فيها النور الذي يهديك إلى صلاح الدنيا والآخرة.
تعال وذقْ وستعرف قيمة الصلاة التي ضيعتها فضيعت بذلك سرورك وراحتك. فما
[ ٢٠٧ ]
أحسن الصلاة، وما ألذ الصلاة، وما أطيب الحياة وأهنأها في ظلال الصلاة!
ثمرات الصلاة:
لكل عبادة خالصة لله تعالى ثمرات وآثار حسنة في الدنيا والآخرة، ولا ريب أن للصلاة من ذلك حظًا أوفر ونصيبًا أكبر، فمن ذلك:
أولًا: تكفير السيئات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر) (^١).
ثانيًا: إصلاح حال العبد بنهيه عن المعاصي وإسراعه إلى الطاعات، قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
قال ابن عطية: " المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع والإخبات، وتذكر الله تعالى وتوهم الوقوف بين يدي العظمة، وأن قلبه وإخلاصه مطلَّع عليه مرقوب؛ صلحت لذلك نفسه، وتذللت وخامرها ارتقاب الله تعالى، فاطرد ذلك في أقواله وأعماله، وانتهى عن الفحشاء والمنكر ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حاله، فهذا معنى هذا الإخبار؛ لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون" (^٢).
وقال ابن عاشور: " إن الصلاة تشتمل على مذكرات بالله من أقوال وأفعال من شأنها أن تكون للمصلي كالواعظ المذكر بالله تعالى؛ إذ ينهى سامعه عن ارتكاب ما لا يرضي الله. وهذا كما يقال: صديقك مرآة ترى فيها عيوبك. ففي الصلاة من الأقوال تكبير لله وتحميده وتسبيحه والتوجه إليه بالدعاء والاستغفار وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد والثناء على الله، والاعتراف بالعبودية له وطلب الإعانة والهداية منه واجتناب
_________________
(١) رواه مسلم (١/ ٢٠٩).
(٢) المحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٣٧٢).
[ ٢٠٨ ]
ما يغضبه وما هو ضلال، وكلها تذكر بالتعرض إلى مرضاة الله والإقلاع عن عصيانه وما يفضي إلى غضبه، فذلك صد عن الفحشاء والمنكر. وفي الصلاة أفعال هي خضوع وتذلل لله تعالى من قيام وركوع وسجود وذلك يذكر بلزوم اجتلاب مرضاته والتباعد عن سخطه. وكل ذلك مما يصد عن الفحشاء والمنكر. وفي الصلاة أعمال قلبية من نية واستعداد للوقوف بين يدي الله وذلك يذكر بأن المعبود جدير بأن تمتثل أوامره وتجتنب نواهيه. فكانت الصلاة بمجموعها كالواعظ الناهي عن الفحشاء والمنكر، فإن الله قال: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ولم يقل: تصد وتحول ونحو ذلك، مما يقتضي صرف المصلي عن الفحشاء والمنكر. ثم الناس في الانتهاء متفاوتون، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار والليل؛ ليتجدد التذكير وتتعاقب المواعظ، وبمقدار تكرر ذلك تزداد خواطر التقوى في النفوس وتتباعد النفس من العصيان حتى تصير التقوى ملكة لها. ووراء ذلك خاصية إلهية جعلها الله في الصلاة يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر" (^١).
ثالثًا: حصول النور لأهلها في الدنيا والآخرة، قال رسول الله ﷺ: (والصلاة نور) (^٢).
قال النووي: " معناه: أنها تمنع من المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء به، وقيل: معناه: أنه يكون أجرها نورًا لصاحبها يوم القيامة، وقيل: لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف وانشراح القلب ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها وإقباله إلى الله تعالى بظاهره وباطنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. وقيل: معناه: أنها تكون نورًا ظاهرًا على وجهه يوم القيامة، ويكون في الدنيا أيضًا على وجهه البهاء بخلاف من لم يصل، والله أعلم" (^٣).
_________________
(١) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٠/ ١٧٨).
(٢) رواه مسلم (١/ ٢٠٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠١)
[ ٢٠٩ ]
وقال رسول الله ﷺ: (من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) (^١).
رابعًا: ما فيها من الآثار الصحية على الروح والبدن، قال ابن القيم في الطب النبوي من كتابه زاد المعاد: " والصلاة مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، مطردة للأدواء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، مغذية للروح، منورة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن. وبالجملة: فلها تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب وقواهما، ودفع المواد الرديئة عنهما، وما ابتلي رجلان بعاهة أو داء أو محنة أو بلية إلا كان حظ المصلي منهما أقل وعاقبته أسلم، وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا ولا سيما إذا أُعطيت حقها من التكميل ظاهرًا وباطنًا. فما اُستدفعت شرور الدنيا والآخرة ولا استجلبت مصالحهما بمثل الصلاة.
وسرُّ ذلك: أن الصلاة صلة بالله ﷿، وعلى قدر صلة العبد بربه ﷿ تفتح عليه من الخيرات أبوابها، وتقطع عنه من الشرور أسبابها، وتفيض عليه مواد التوفيق من ربه ﷿، والعافية والصحة والغنيمة والغنى والراحة والنعيم والأفراح والمسرات كلُّها محضرة لديه ومسارعة إليه" (^٢).
خامسًا: رفع الدرجات في الجنة، عن ثوبان قال: قلت لرسول الله عليه وسلم: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، فقال: (عليك بكثرة السجود؛ فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط بها عنك خطيئة) (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد (٣٠/ ٢٨٨)، وهو صحيح.
(٢) زاد المعاد، لابن القيم (٤/ ٣٠٤).
(٣) رواه مسلم (١/ ٣٥٣).
[ ٢١٠ ]
سادسًا: حسن إقامتها سببٌ لحسن المآل عند الله تعالى، قال النبي ﷺ: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله) (^١).
وعن مطر الوراق قال: خصلتان إذا كانا في عبد كان سائر عمله تبعًا لهما: حسن الصلاة، وصدق الحديث" (^٢).
قال ابن القيم: " للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه؛ فمن قام بحق الموقف الأول هوَّن عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفِّه حقه شدد عليه ذلك الموقف، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦، ٢٧] " (^٣).
حوافز معينة:
فيا من بقي بعيدًا عن إقامة الصلاة، أو مقصرًا فيها، أو لم يصل إلى درجة حلاوتها وبلوغ حسن أثرها عليه، دونَ الجميعِ بعضَ الحوافز التي تسوقهم إلى المحافظة على الصلاة ووجود تأثيرها عليهم:
أولًا: معرفة حكم تارك الصلاة وعقوبة تركها ومآل تاركها (^٤)، قال رسول الله ﷺ: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) (^٥).
وقال ﷺ: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) (^٦).
_________________
(١) رواه الطبراني، المعجم الأوسط (٢/ ٢٤٠)، والترمذي (٢/ ٢٦٩)، والنسائي (١/ ٢٣٢)، وهو صحيح.
(٢) شعب الإيمان، للبيهقي (٤/ ٢٣٢).
(٣) الفوائد، لابن القيم (ص: ٢٠٠).
(٤) ينظر في تفصيل المسألة كتاب: الصلاة وأحكام تاركها، لابن القيم.
(٥) رواه مسلم (١/ ٨٨).
(٦) رواه أحمد (٣٨/ ٢٠)، والترمذي (٥/ ١٣)، والنسائي (١/ ٢٣١)، وابن ماجه (١/ ٣٤٢)، وهو صحيح.
[ ٢١١ ]
وقال رسول الله ﷺ: (بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك) (^١).
ثانيًا: التفكر في حصول الخسارة يوم القيامة لمن ضيعها، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. " ﴿أَضَاعُوا الصّلَاةَ﴾ وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غيًا، أي: خسارًا يوم القيامة" (^٢).
قال الماوردي: " وفي إضاعتهم الصلاةَ قولان:
أحدهما: تأخيرها عن أوقاتها، قاله ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز. الثاني: تركها، قاله القرظي.
ويحتمل ثالثًا: أن تكون إضاعتها الإِخلال باستيفاء شروطها" (^٣).
ثالثًا: النظر إلى ثمراتها وفضائلها وعظم مكانتها.
رابعًا: العيش في بيئة تقيم الصلاة وتقدسها وتعين عليها.
خامسًا: الابتعاد عن أسباب تركها والتلهي عنها؛ من أصدقاء سوء، وانشغال بلهو الدنيا وشهواتها.
_________________
(١) رواه هبة الله الطبري بإسناد صحيح. صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٣٧).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ١٥٦).
(٣) النكت والعيون، للماوردي (٣/ ٣٧٩).
[ ٢١٢ ]