الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد:
فإن العلم متعدد الفنون، مختلف الموارد، متنوع الغايات والمقاصد. غير أن العلم بشرع الله تعالى هو أصفى تلك العلوم موردا، وأسماها غاية ومقصدا؛ فالوحي منبعُه، وصلاح الدنيا والآخرة هدفه ومقصده.
ومما لا يخفى أن أهله بين الناس قليل، خاصة في هذا الزمن الذي أقبل أكثر الراغبين في العلم على علوم الدنيا- التي منها العلوم النافعة في نطاقها، ومنها العلوم الضارة- وزهدوا عن علوم الدين.
ومع هذه القلة في الإقبال على علوم الشريعة نجد جفافًا روحيًا، وقلة اعتناء بالعمل، وزهدًا في التوجه نحو العبادة، وضعفًا في ظهور آثار العلم على الأقوال والأعمال والأحوال، إلا من رحم ربي.
والعلم إنما يُراد منه العمل، وحسن الأثر في واقع الإنسان الخاص والعام، وكم من مشتغل جعل جُلَّ همه في التحصيل وإدراك المعلومات، وروحُه تشكو الخواء، وقلبه مملوء بالأهواء، ونفسه غير زاكية، وأعماله لا فرق بينها وبين أعمال من لم يعلم!
وما كان هذا علمَ السلف، بل كان علمهم الجمع بين معرفة النصوص والعمل بها في واقع الحياة، وسيأتي معنا في ثنايا الكتاب ما يبرهن على ذلك.
قال ابن الجوزي ﵀: "رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في
[ ٥ ]
صلاح القلب، إلا أن يمُزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين؛ لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمرادِ بها" (^١).
وقال الخطيب البغدادي ﵀: " … قال أبو خليفة: سمعت أبا الوليد يقول: سمعت شعبة يقول: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون؟ قال أبو خليفة: يريد شعبة ﵀: أن أهله يضيعون العمل بما يسمعون منه، ويتشاغلون بالمكاثرة به، أو نحو ذلك. والحديث لا يصد عن ذكر الله، بل يهدي إلى أمر الله" (^٢).
وهذا لا يعني التقليل من شأن الاجتهاد في العلم، ولكنه يعني أن لا يُلهي العلمُ صاحبه عن العمل، فيكون كمن ينشغل عن غايته بإجالة النظر في جمال الطريق إليها فيشغله ذلك عن هدفه الذي يريد الوصول إليه.
وهذا حال بعض المنتسبين للعلم: أن يصبح العلم هو الغاية له، وليس وسيلة إلى صلاح القلب والروح، بحيث ينشغل بجمع المعلومات والمعارف ويكاثر بها غيره فتكون هي مرادَه، فيبقى علمه بذلك في الذهن ولا يصل إلى شغاف القلب ولا تتمثل صوره في العمل؛ كأن يعمل أعمالًا تخالف ما عنده من العلم، فيدخل صاحبه بهذه الحال تحت قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١].
قال ابن القيم ﵀: "وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمَّا فُقد منكم علمُ اليقين، وهو العلم الذى يصل به صاحبه إلى حد الضروريات التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها، ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه عن موجبه، وترتبِ أثره عليه؛ فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه" (^٣).
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ١٦١).
(٢) شرف أصحاب الحديث (ص: ١١٤).
(٣) عدة الصابرين، لابن القيم (ص: ١٥٦).
[ ٦ ]
وقال أيضًا عند هذه الآية: " وأعرض عن ذكر المتكاثَر به؛ إرادةً لإطلاقه وعمومه، وأن كل ما يكاثِر به العبدُ غيره- سوى طاعة الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده- فهو داخل في هذا التكاثر؛ فالتكاثر في كل شيء من مال أو جاه أو رياسة أو نسوة أو حديث أو علم ولا سيما إذا لم يحتج إليه، والتكاثر في الكتب والتصانيف، وكثرة المسائل وتفريعها وتوليدها، والتكاثر أن يطلب الرجل أن يكون أكثر من غيره" (^١).
إن قلة حضور الرقائق وأسباب صلاح القلوب صارت ظاهرة في القراءة واللقاءات العلمية والاجتماعية لدى بعض طلبة العلم والدعاة، فإذا كان هذا هو واقع من يشتغلون بالعلم، فما هو واقع البعيدين عنه، الغارقين في الدنيا وملهياتها، بل كيف حال المسرفين على أنفسهم بالخطايا؟ ما حال قلوبهم ونفوسهم؟ فلهذا لا نستغرب كثرة الذنوب وقسوة القلوب وضعف زكاء النفوس وقلة الرغبة في الآخرة. فأين ما نحن فيه من مجالس رسول الله ﷺ ولقاءاته؟
قال ابن رجب: "كانت مجالس النبي ﷺ مع أصحابه عامتُها مجالس تذكير بالله، وترغيب وترهيب؛ إما بتلاوة القرآن أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة، وتعليم ما ينفع في الدين كما أمره الله تعالى في كتابه أن يذكر ويعظ ويقص وأن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشر وينذر وسماه اللهَ ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦].
وقال العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. وقال ابن مسعود: نعمَ المجلس المجلس الذي تنشر فيه الحكمة، وتُرجى فيه الرحمة هي مجالس الذكر. وشكا رجل إلى الحسن قساوة قلبه فقال: أدنه من الذكر. وقال: مجلس الذكر محياة العلم، ويحدث في القلب الخشوع. والقلوب الميتة تحيا بالذكر كما تحيا الأرض الميتة بالقطر:
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ٣٠).
[ ٧ ]
بذكرِ الله ترتاحُ القلوبُ … ودنيانا بذِكراه تطيبُ
وأما الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة فبما يحصل في مجالس الذكر من ذكر عيوب الدنيا وذمها والتزهيد فيها، وذكر فضل الجنة ومدحها والترغيب فيها، وذكر النار وأهوالها والترهيب منها، وفي مجالس الذكر تنزل الرحمة وتغشى السكينة وتحف الملائكة، ويذكر الله أهلها فيمن عنده، وهم قوم لا يشقى بهم جليسهم" (^١).
فهكذا ينبغي أن تكون مجالسنا ولقاءاتنا، إلا ما دعت الحاجة إلى الحديث عنه من أمور الدنيا.
وإني لما رأيت حاجة قلوبنا إلى الترقيق، ونفوسنا إلى التزكية في واقعٍ غلب عليه سلطانُ الشهوات والإعراض عن أسباب سمو الروح؛ استعنت بالله تعالى فكتبت فصولًا في الترغيب والترهيب رأيتها-حسب علمي القاصر- أهمَّ ما يحتاج إليه السالك إلى الله تعالى، وسميت جامع هذه الفصول وسِلْكَها بـ"روضة العابدين" رجاء أن تكون بستان وعظٍ يرِده المسلمُ فيقطف من ثماره أسبابًا لصلاح قلبه، ويشتم من عبيره وسائل لصلاح عمله، وليكون مرجعًا للخطيب والواعظ يفيد منه في خطبه ودروسه.
خاصة أنه ضُمِّن كثيرًا من نصوص القرآن والسنة وأقوال الصحابة في هذا الشأن، وأُكثرَ النقلُ فيه عن أئمة السلوك وأطباء القلوب؛ كالحسن البصري، وابن الجوزي، والغزالي، وابن القيم وابن رجب، وغيرهم ﵏ أجمعين. ولكلام هؤلاء الأئمة نور يتسلل إلى القلوب فيحدث فيها خيرًا كثيرًا.
قال ابن رجب: " كان الحسن إذا خرج إلى الناس كأنه رجل عاينَ الآخرة، ثم جاء يخبر عنها، وكانوا إذا خرجوا من عنده خرجوا وهم لا يعدُّون الدنيا شيئًا" (^٢).
_________________
(١) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ١٥).
(٢) المرجع السابق (ص: ١٧).
[ ٨ ]
فأقول: ما أحوج الكاتب والقارئ إلى هذه الفصول في الحياة العملية التي ينبغي أن تكون مبنية على خوف الله ورجائه في الفعل والترك، وما أفقرنا إلى حادٍ يقيم القاعد، ويحث السائر، ويسرع بالمبطئ!
وما كتبت هذه السطور إلا لإصلاح النفس أولًا، والنصيحة لغيرها ثانيًا؛ إذ لا يحبس المرءَ تقصيرُه وذنوبه عن النصح والإرشاد لسواه، بل لابد" من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعظ والتذكير. ولو لم يعظ إلا معصومٌ من الزلل لم يعظ الناسَ بعد رسول الله ﷺ أحد؛ لأنه لا عصمة لأحد بعده:
لئن لم يعظِ العاصين من هو مذنبٌ … فمن يعظ العاصين بعد محمدِ!
قيل للحسن: إن فلانًا لا يعظ، ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول؟! ودَّ الشيطان أنه ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر. وقال مالك عن ربيعة: قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء؛ ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟!:
من ذا الذي ما ساءَ قطْ … ومن له الحسنى فقطْ؟
خطب عمر بن عبد العزيز ﵀ يومًا فقال في موعظته: إني لأقول هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه. وكتب إلى بعض نوابه على بعض الأمصار كتابًا يعظه فيه، وقال في آخره: وإني لأعظك بهذا وإني لكثير الإسراف على نفسي، غير محكم لكثير من أمري.
ولو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم نفسه إذًا لتواكل الخير، وإذًا لرُفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذًا لاستُحلت المحارم، وقلّ الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض، والشيطانُ وأعوانه يودون أن لا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر، وإذا أمرهم أحد أو نهاهم عابوه بما فيه، وبما ليس فيه؛ كما قيل:
[ ٩ ]
وأُعلنتِ الفواحشُ في البوادي … وصار الناس أعوانَ المُريبِ
إذا ما عبتُهمْ عابوا مقالي … لِما في القوم من تلك العيوبِ
وودّوا لو كففنا فاستوينا … فصار الناسُ كالشيءِ المشوبِ" (^١)
فنسأل الله أن يصلح قلوبنا وأرواحنا وأعمالنا، وأن يجعل ما نقول أو نكتب أو نقرأ حجة لنا لا علينا، وأن ينفعنا والمسلمين بهذه المواعظ، وأن يوفقنا لكل خير، ويصرف عنا كل شر.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه:
عبد الله بن عبده العواضي
فجر يوم الأحد: ٩/ ١١/ ١٤٣٩ هـ
الموافق: ٢٢/ ٧/ ٢٠١٨ م.
_________________
(١) لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ١٧).
[ ١٠ ]