ليستْ قوةُ البدن هي القوةَ الوحيدة في الإنسان، بل هناك قوى أخرى كامنة في هذا المخلوق، فمن أعظم تلك القوى: قوة العزيمة المعبَّر عنها بالهمة العالية، والتي تطلب معالي الأمور، وتكره سفاسفها، وتعشق الفضائل، وتسعى جاهدة إليها، وتفر من الرذائل وتنفر عنها.
أهمية علو الهمة:
إن علو الهمة في المحامد من شرف النفس، وبراهين الفضيلة، ومخايل النجابة، وأدلة نضوج العقل، وظهور الفضل، وبها يعرف الرجال؛ لأن المرء بهمته يبلغ المجد، وينال الرغائب، ويكتسب الثناء، ويصل إلى النعم. قال ابن القيم: " لو كانت النفس شريفة كبيرة لم ترض بالدون، فأصل الخير كله بتوفيق الله ومشيئته وشرف النفس ونبلها وكِبَرها، وأصل الشر خستها ودناءتها وصغرها" (^١).
وقال الماوردي: " وقال بعض الحكماء: الهمة راية الجِد. وقال بعض البلغاء: علو الهمم بذر النِّعم. وقال بعض العلماء: إذا طلب رجلان أمرًا ظفر به أعظمهما مروءة. وقال بعض الأدباء: من ترك التماس المعالي بسوء الرجاء لم ينل جسيمًا" (^٢).
وقال الدينوري: "رأيتُ في بعض أسفاري شيخًا توسمت فيه الخير، فقلت له: يا سيدي، كلمة تزودني بها. قال: همتك فاحفظها؛ فإن الهمة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته، وصدق فيها صلح له ما وراءها من الأعمال والأحوال" (^٣).
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٧٧).
(٢) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ٤٠٢).
(٣) صفة الصفوة، لابن الجوزي (٤/ ٤٣٤).
[ ٢٥٥ ]
وقال ابن القيم: " قال-يعني: الهروي صاحب منازل السائرين-: والعامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسن، والخاصة تقول: قيمة كل امرئ ما يطلب. يريد: أن قيمة المرء همته ومطلبه" (^١).
وقال الشماخ في عَرابة الأوسي:
رَأَيْتُ عَرابَةَ الأَوْسِيَّ يَسْمُو … إِلى الخَيْراتِ مُنْقَطِعَ القَرين
إِذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لمَجْد … تَلَقَّاها عرابَةُ باليَمِينِ (^٢).
وقال أبو الطيب:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم … وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ
وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها … وتصغرُ في عين العظيم العظائم (^٣).
لا ترضَ بصغر الهمة:
إن الإنسان اللبيب لا يرضى لنفسه بصغر الهمة الذي يعني: " ضعف النّفس عن طلب المراتب العالية، وقصور الأمل عن بلوغ الغايات، واستكثار اليسير من الفضائل، واستعظام القليل من العطايا والاعتداد به، والرّضا بأوساط الأمور وأصاغرها" (^٤). بل يلازم علو الهمة، ويسعى في مطالبها حتى يبلغ الغاية؛ فنبينا ﷺ لم يمنعه غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر من الإكثار من العبادة، فعن عائشة ﵂: أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت: لمَ تصنع هذا
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٣).
(٢) الحماسة البصرية، لأبي الحسن البصري (ص: ٥٢).
(٣) ديوان المتنبي (ص: ١٣١).
(٤) تهذيب الأخلاق للجاحظ (٣٤)، بواسطة: نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (١٠/ ٤٧٨٢).
[ ٢٥٦ ]
يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: (أفلا أحب أن أكون عبدا شكورًا) (^١).
وخليفته الصديق ﵁ علت همته وتاقت نفسه لأن يُدعى للدخول إلى الجنة من جميع أبوابها لا من باب واحد، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله، هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة) فقال أبو بكر ﵁: بأبي وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة؟ فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: (نعم، وأرجو أن تكون منهم) (^٢).
قال ابن القيم: "لما سمت همة الصديق إلى تكميل مراتب الإيمان، وطمعت نفسه أن يدعى من تلك الأبواب كلها سأل رسول الله: هل يحصل ذلك لأحد من الناس؛ ليسعى في العمل الذي ينال به ذلك، فأخبره بحصوله، وبشره بأنه من أهله، وكأنه قال: هل تكمل لأحد هذه المراتب، فيدعى يوم القيامة من أبوابها كلها، فلله ما أعلى هذه الهمة، وأكبر هذه النفس! " (^٣).
إن صغر الهمة يقعد بصاحبه عن المكرمات، ويجعله يؤثر أداني الأمور على أعاليها، ويطلب السهل القريب ولو كان دنيئًا رخيصًا، ويستصعب الشيء الذي يحتاج إلى جد وتعب ولو كان نفيسًا شريفًا. روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "لا تصغرن همتكم؛ فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم" (^٤). وروي عنه رضي الله
_________________
(١) رواه البخاري (٤/ ١٨٣٠)، ومسلم (٤/ ٢١٧٢).
(٢) رواه البخاري (٢/ ٦٧١)
(٣) حادي الأرواح، لابن القيم (ص: ٧٥).
(٤) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ٤٠٢).
[ ٢٥٧ ]
عنه-: أنه سمع يوم عرفة رجلًا يسأل الناس، فقال: أفي هذا اليوم، وفي هذا المكان تسأل من غير الله؟! فخَفَقَه بالدِّرَّة" (^١).
هكذا فكُن:
أما عالي الهمة فإنه يسعى لغايته البعيدة الشريفة حتى يصل إليها، وعلى قدر بذله لها ينال منها. قال الشافعي:
بقدرِ الكدِّ تُكتسبُ المعالي … ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن رام العلا من غير كدٍّ … أضاع العمر في طلب المحال
تروم العز ثم تنام ليلًا … يغوص البحرَ مَنْ طلب اللآلي (^٢).
وصاحب الهمة العالية لا يرضى لنفسه بالقعود دون غايته المنشودة، والقناعة بما دونها، بل يطلب العلو دائمًا، قال امرؤ القيس:
فلَوْ أَنَّ ما أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ … كَفانِي- ولَمْ أَطْلُبْ- قَلِيلٌ مِنْ المالِ
ولكنَّما أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ … وقَدْ يُدْركُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثالي (^٣).
وذو الهمة السامية يركب إلى هدفه الغالي كلَّ صعب وذلول، ولا يوقفه عنه لقيا المشقة والتعب؛ فإن نواصي المطالب، وعوالي الرغائب لا تنال إلا بالمشقة.
قال أبو الطيب:
ذَريني أنلْ ما لا يُنالُ من العُلا … فصعبُ العُلا في الصَّعبِ والسَّهلُ في السَّهلِ
تريدينَ لُقيانَ المَعَالي رخيصَةً … ولا بدَّ دونَ الشَّهدِ من إبرِ الَّنحلِ (^٤)
_________________
(١) جامع الأصول، لابن الأثير (١٠/ ١٦١).
(٢) لآليء اللآليء (ص: ٢٢).
(٣) الحماسة البصرية، لأبي الحسن البصري (ص: ٢٢).
(٤) الحماسة المغربية، الجرّاوي (ص: ٧٠).
[ ٢٥٨ ]
وقال أيضًا:
وإذا كانت النُّفوس كبارًا … تعبتْ في مرادها الأجسامُ (^١).
وقال زهير:
وليس لمنْ لم يركب الهوْلَ بُغيةٌ … وليس لمن قد حطّه الله حاملُ (^٢).
وقال أبو تمام الطائي
أَعاذِلَتي ما أَخْشَنَ اللَّيْلَ مَرْكَبًا … وأَخْشَنُ مِنْهُ في المُلِمَّاتِ راكبُهْ
دَعِيني وأَهْوالَ الزَّمانِ أُفانِها … فأَهْوالُهُ العُظْمَى تَلِيها رغَائِبُهْ (^٣).
وقال البارودي:
ومن تكنِ العلياءُ همةَ نفسهِ … فكلُّ الذي يلقاه فيها محببُ (^٤).
ولولا وجود التعب في طريق المعالي لاستوى في نيلها السامي والداني، ولم يكن لذي الهمة العلية من فضل، ولا لذي الصبر من مزية:
لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلهمُ … الجودُ يُفقِر والإقدامُ قتالُ" (^٥).
وقال الآخر:
لأَسْتَسهِلنَّ الصعْبَ أو أُدْرِكَ المُنَى … فما انْقادَتِ الآمالُ إلا لصابِرِ (^٦).
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ١٢٥).
(٢) الوساطة بين المتنبي وخصومه، الجرجاني (ص: ٥٨).
(٣) الحماسة البصرية، لأبي الحسن البصري (ص: ١٦).
(٤) جواهر الأدب، للهاشمي (١/ ٤٤٠).
(٥) شرح ديوان المتنبي، للواحدي (٢/ ٢٣٩).
(٦) شرح ابن عقيل (٤/ ٨).
[ ٢٥٩ ]
يقول ابن الجوزي عن نفسه وهمته، حاكيًا مع ذلك نماذجَ لبعض ذوي الهمم العالية ولكن في أمر الدنيا: " وما ابتلي الإنسان قط بأعظم من علو همته؛ فإن من علت همته يختار المعالي، وربما لا يساعده الزمان، وقد تضعف الآلة، فيبقى في عذاب، وإني أُعطيت من علو الهمة طرفًا؛ فأنا به في عذاب ولا أقول: ليته لم يكن؛ فإنه إنما يحلو العيش بقدر عدم العقل، والعاقل لا يختار زيادة اللذة بنقصان العقل، ولقد رأيت أقوامًا يصفون علو هممهم، فتأملتها بها في فن واحد، ولا يبالون بالنقص فيما هو أهم، قال الرضي:
ولكل جسم في النحول بليةٌ … وبلاءُ جسمي من تفاوت همتي
فنظرت فإذا غاية أمله الإمارة، وكان أبو مسلم الخرساني في حال شبيبته لا يكاد ينام، فقيل له في ذلك! فقال: ذهن صاف، وهم بعيد، ونفس تتوق إلى معالي الأمور، مع عيش كعيش الهمج الرعاع. قيل: فما الذي يبرد غليلَك؟ قال: الظفر بالملك، قيل: فاطلبه، قال: لا يُطلب إلا بالأهوال، قيل: فاركب الأهوال، قال: العقل مانع، قيل: فما تصنع؟ قال: سأجعل من عقلي جهلًا، وأحاول به خدرًا لا ينال إلا بالجهل، وأدبر بالعقل ما لا يحفظ إلا به؛ فإن الخمول أخو العدم. فنظرت إلى حال هذا المسكين فإذا هو قد ضيع أهم المهمات وهو جانب الآخرة، وانتصب في طلب الولايات، فكم فتكَ وقتل! حتى نال بعض مراده من لذات الدنيا، ثم لم يتنعم في ذلك غير ثمان سنين، ثم اغتيل، ونسي تدبير العقل، فقُتل ومضى إلى الآخرة على أقبح حال، وكان المتنبي يقول:
وَفي النّاسِ مَنْ يرْضَى بميسورِ عيشِهِ … وَمَرْكوبُهُ رِجْلاهُ وَالثّوْبُ جلدُه
وَلَكِنّ قَلْبًا بَينَ جَنْبَيّ مَا لَهُ … مَدًى يَنتَهي بي في مُرَادٍ أحُدُّهُ
يَرَى جِسْمَهُ يُكْسَى شُفُوفًا تَرُبُّهُ … فيَختارُ أن يُكْسَى دُرُوعًا تهُدّهُ
فتأملت هذا الآخر فإذا نهمته فيما يتعلق بالدنيا فحسب!. ونظرت إلى علو همتي فرأيتها عجبًا؛ وذلك أنني أروم من العلم ما أتيقن أني لا أصل إليه؛ لأني أحب نيل كل العلوم على اختلاف فنونها، وأريد استقصاء كل فن، وهذا أمر يعجز العمر عن بعضه،
[ ٢٦٠ ]
فإن عرض لي ذو همة في فن بلغ منتهاه رأيته ناقصًا في غيره، فلا أعد همته تامة؛ مثل المحدث فاته الفقه، والفقيه فاته علم الحديث، فلا أرضى بنقصان من العلوم إلا حادثًا عن نقص الهمة، ثم إني أروم نهاية العمل بالعلم، فأتوق إلى ورع بِشْر، وزهادة معروف، وهذا مع مطالعة التصانيف، وإفادة الخلق، ومعاشرتهم بعيد، ثم إني أروم الغنى عن الخلق، وأستشرف الإفضال عليهم، والاشتغالُ بالعلم مانع من الكسب، وقبولُ المنن مما تأباه الهمة العالية، ثم إني أتوق إلى طلب الأولاد كما أتوق إلى تحقيق التصانيف، ليبقى الخَلَفان نائبينِ عني بعد التلف، وفي طلب ذلك ما فيه من شغل القلب المحب للتفرد، ثم إني أروم الاستمتاع بالمستحسنات، وفي ذلك امتناع من جهة قلة المال ثم لو حصل فرق جمع الهمة، وكذلك أطلب لبدني ما يصلحه من المطاعم والمشارب؛ فإنه متعود للترفه واللطف، وفي قلة المال مانع، وكل ذلك جمع بين أضداد، فأين أنا وما وصفته من حال من كانت غاية همته الدنيا؟ وأنا لا أحب أن يخدش حصول شيء من الدنيا وجه ديني بسبب، ولا أن يؤثر في علمي ولا في عملي. فوا قلقي من طلب قيام الليل، وتحقيق الورع مع إعادة العلم، وشغل القلب بالتصانيف، وتحصيل ما يلائم البدن من المطاعم، ووا أسفي على ما يفوتني من المناجاة في الخلوة مع ملاقاة الناس وتعليمهم، ويا كدر الورع مع طلب ما لا بد منه للعائلة. غير أني قد استسلمت لتعذيبي، ولعل تهذيبي في تعذيبي؛ لأن علو الهمة تطلب المعالي المقربة إلى الحق ﷿، وربما كانت الحيرة في الطلب دليلًا إلى المقصود، وها أنا أحفظ أنفاسي من أن يضيع منها نفس في غير فائدة، وإن بلغ همي مراده، وإلا فنيةُ المؤمن أبلغ من عمله" (^١).
الهمة تلد الهمة:
إن صاحب الهمة العالية متى بقي على همته فإنه لا يزال يترقى في مصاعد السمو، ولا يقنع بما نال، بل كلُّ منال ناله يُصعِده إلى ما فوقه. قال عمر بن عبد العزيز: " إن لي نفسًا
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ١٨٠) وما بعدها.
[ ٢٦١ ]
تواقة، تاقت إلى فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، وتاقت إلى الإمارة فوليتها، وتاقت إلى الخلافة فأدركتها، وقد تاقت إلى الجنة فأرجو أن أدركها إن شاء الله ﷿" (^١). وقال ابن عبد ربه:
والحرُّ لا يكتفي منْ نيلِ مكرمةٍ … حتَّى يرومَ التي منْ دونها العطبُ
يسعى بهِ أملٌ منْ دونهُ أجلٌ … إنْ كفَّهُ رَهَبٌ يَسْتَدْعِهِ رَغَبُ
لذلكَ ما ساْلَ موسى ربَّهُ: أرني … أنظرْ إليكَ وفي تسآلهِ عجبُ
يَبْغي التَّزَيُّدَ فِيما نَالَ مِنْ كَرَمٍ … وَهْوَ النَّجِيُّ، لَدَيْه الوَحْيُ والكُتُبُ (^٢).
وأنشد النابغة الجعدي بين يدي رسول الله ﷺ قصيدة يقول فيها:
علونا السماءَ عفةً وتكرُّمًا … وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرًا
فغضب النبي ﷺ، وقال: أين المظهر يا أبا ليلى؟ فقال: الجنة، يا رسول الله، فقال له النبي ﷺ: أجل، إن شاء الله" (^٣). (^٤).
إن ديننا الحنيف يحث على علو الهمة، ويدعو إلى قوة العزيمة في طِلاب الأمور النبيلة، فقد قال رسول ﷺ: (إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها) (^٥). وفي الدعاء يدعو رسول الله ﷺ المسلمَ إلى أن لا يقنع بسؤال دخول الجنة فحسب، بل بسؤال الله إدخاله الفردوسَ الذي هو أوسط الجنة وأعلاها، فيقول ﵊: (فإذا سألتم اللهَ فسلوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجّرُ أنهار الجنة) (^٦).
_________________
(١) وفيات الأعيان، لابن خلكان (٢/ ٣٠١).
(٢) ديوان ابن عبد ربه (ص: ١٤).
(٣) العمدة في محاسن الشعر وآدابه، لابن رشيق القيرواني (ص: ١٢).
(٤) قال الهيثمي: " رواه البزار، وفيه يعلى بن الأشدق وهو ضعيف". مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٨/ ٤٣).
(٥) رواه الطبراني، المعجم الكبير (٣/ ١٣١)، وهو صحيح.
(٦) رواه البخاري (٦/ ٢٧٠٠).
[ ٢٦٢ ]
وعن أبي موسى قال: أتى النبيُّﷺ- أعرابيًا فأكرمه، فقال له: ائتنا، فأتاه، فقال رسول الله - ﷺ-: سل حاجتك فقال: ناقة نركبها، وأعنزًا يحلبها أهلي! فقال رسول الله - ﷺ-: عجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل؟ قال: إن موسى لما سار ببني إسرائيل من مصر ضلوا الطريق فقال: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا قال: فمن يعلم موضع قبره؟ قال: عجوز من بني إسرائيل، فبعث إليها فأتته فقال: دليني على قبر يوسف قالت: حتى تعطيني حكمي، قال: ما حكمك؟ قالت: أكون معك في الجنة. فكره أن يعطيها ذلك، فأوحى الله إليه: أنِ اعطها حكمَها، فانطلقت بهم إلى بحيرة- موضع مستنقع ماء- فقالت: نضبوا هذا الماء، فأنضبوا، قالت: احتفروا واستخرجوا عظام يوسف (^١)، فلما أقلوها إلى الأرض، إذا الطريق مثل ضوء النهار) (^٢).
لكن ربيعة بن كعب ﵁ لم يكن كهذا الأعرابي، بل سمت به همته إلى شيء أعظم من ذلك، فعنه قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ، فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: (سَلْ)، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: (أوَ غيرَ ذلك)؟ قلت: هو ذاك. قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) (^٣). وعند الطبراني: كنت أخدم رسول
_________________
(١) قال الألباني: فائدة: كنت استشكلت قديمًا قوله في هذا الحديث: (عظام يوسف)؛ لأنه يتعارض بظاهره مع الحديث الصحيح: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"حتى وقفت على حديث ابن عمر ﵄. "أن النبي ﷺ لما بدن، قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبرًا يا رسول الله، يجمع أو يحمل عظامك؟ قال: بلى فاتخذ له منبرًا مرقاتين". أخرجه أبو داود (١٠٨١) بإسناد جيد على شرط مسلم. فعلمت منه أنهم كانوا يطلقون "العظام"، ويريدون البدن كله، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، كقوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾ أي: صلاة الفجر. فزال الإشكال والحمد لله، فكتبت هذا لبيانه. سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٨) وبعض التاسع (١/ ٣١٢).
(٢) رواه أبو يعلى (١٣/ ١٨٩)، والحاكم، (٢/ ٤٣٩)، وهو صحيح.
(٣) رواه مسلم (١/ ٣٥٣).
[ ٢٦٣ ]
الله ﷺ نهاري، فإذا كان الليل أويت إلى باب رسول الله ﷺ فبت عنده، فلا أزال أسمعه يقول: سبحان الله، سبحان ربي، حتى أمل أو تغلبني عيني فأنام، فقال ذات يوم: (يا ربيعة، سلني فأعطيك)، قلت: أنظرني؛ حتى أنظر، وتذكرت أن الدنيا فانية منقطعة فقلت: يا رسول الله، أسألك أن تدعو الله أن يجنبني النار، ويدخلني الجنة. فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: (من أمرك بهذا)؟ قلت: ما أمرني به أحد، ولكني علمت أن الدنيا منقطعة فانية، وأنت من الله بالمكان الذي أنت به، فأحببت أن تدعو الله، قال: (إني فاعل، فأعني بكثرة السجود) (^١).
نعم، هذه هي الهمة العالية التي غضت عن متاع الدنيا الفاني، وطمحت إلى متاع الآخرة الباقي، وشتان بين من يفكر بربه وما يقربه إليه، ومن يفكر بمصلحته في دنياه، أو بشهوات نفسه. عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله بنو الزبير، وعبد الله بن عمر، فقالوا: تمنوا، فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، وقال عبدالله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة. قال: فنالوا كلهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غفر له" (^٢).
وقال أحمد بن خضرويه: " القلوب جوَّالة: إما أن تجول حول العرش، وإما أن تجول حول الحُش (^٣) " (^٤). وكان شميط بن عجلان إذا وصف المُقبلَ على الدنيا يقول: دائب البطنة، قليل الفطنة، إنما همه بطنه وفرجه وجلده، متى أُصبِحُ فآكلُ وأشرب، وألهو وألعب، متى أُمسي فأنام! جيفةٌ بالليل، بطّال بالنهار، ويحك! ألهذا خلقتَ؟ أم بهذا
_________________
(١) المعجم الكبير (٥/ ٥٧).
(٢) حلية الأولياء، لأبي نعيم (١/ ٣٠٩).
(٣) الحش: الكنيف ومَوضع قَضاء الحاجة. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ٩٦٩).
(٤) صفة الصفوة، لابن الجوزي (٤/ ١٦٤).
[ ٢٦٤ ]
أمرت؟ أم بهذا تطلب الجنة وتهرب من النار؟! (^١).
علو الهمة في طلب الآخرة:
وإذا حمدتْ الهمة السامية في أمور الدنيا المباحة فكيف بالأمور الدينية التي توصل إلى الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، قال الشوكاني: " ينبغي لمن كان صادق الرغبة، قوي الفهم، ثاقب النظر، عزيز النفس، شهم الطبع، عالي الهمة، سامي الغريزة أن لا يرضى لنفسه بالدون، ولا يقنع بما دون الغاية، ولا يقعد عن الجد والاجتهاد المبلغينِ له إلى أعلى ما يراد، وأرفع ما يستفاد؛ فإن النفوس الأبية، والهمم العلية لا ترضى بدون الغاية في المطالب الدنيوية؛ من جاه أو مال أو رئاسة أو صناعة أو حرفة، حتى قال قائلهم:
إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ … فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ
فطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ حَقِيرٍ … كطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ عَظيمِ
وقال آخر مشيرًا إلى هذا المعنى:
إذا لم تكن ملِكًا مطاعا … فكن عبدًا لخالقه مطيعا
وإن لم تملكِ الدنيا جميعًا … كما تهواه فاتركها جميعا
هما شيئان من ملْك ونسْك … ينيلان الفتى شرفًا رفيعا
وقال آخر:
فإما مكانًا يضرب النجم دونه … سرادقَه أو باكيًا لحِمامِ
وقد ورد هذا المعنى كثيرًا في النظم والنثر، وهو المطلب الذي تنشط إليه الهمم الشريفة، وتقبله النفوس العلية، وإذا كان هذا شأنهم في الأمور الدنيوية التي هي سريعة الزوال قريبة الاضمحلال، فكيف لا يكون ذلك من مطالب المتوجهين إلى ما هو أشرف
_________________
(١) المرجع السابق (٣/ ٣٤٦).
[ ٢٦٥ ]
مطلبًا، وأعلى مكسبًا وأربح مرادًا، وأجل خطرًا، وأعظم قدرًا، وأعود نفعًا، وأتم فائدة وهي المطالب الدينية" (^١).
إن أعلى الهمم همةٌ تاقت إلى الله تعالى وإلى جنته ورضوانه، وتعلقت بكل ما يقرب إلى ذلك، وزهدت عن كل شيء يعيقها أو يؤخرها عن ذلك المطلب الغالي، وكانت مع نية صالحة موصلة إلى المقصود العالي.
قال ابن القيم: "فإن الهمة إذا كانت عالية تعلقت به وحده دون غيره، وإذا كانت النية صحيحة سلك العبد الطريق الموصلة إليه، فالنية تفرد له الطريق، والهمة تفرد له المطلوب، فإذا توحد مطلوبه والطريق الموصلة إليه كان الوصول غايته، وإذا كانت همته سافلة تعلقت بالسفليات، ولم تتعلق بالمطلب الأعلى، وإذا كانت النية غير صحيحة كانت طريقة غير موصلة إليه، فمدار الشأن على همة العبد ونيته، وهما مطلوبه" (^٢).
وعلو الهمة الذي ينبغي لك أيها المسلم هو: " أن لا تقف دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلًا منه ولا تبيع حظك من الله وقربه، والأنس به والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم؛ فإن الهمة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان؛ فإن الآفات قواطع وجواذب، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنما تجتذب من المكان السافل، فعلو همة المرء عنوان فلاحه، وسفول همته عنوان حرمانه" (^٣).
إن المؤمن الصادق صاحب همة عالية في دينه الذي يوصله إلى سعادة دنياه وآخرته، فإذا كانت همم أكثر الناس في أعراض الدنيا وشهواتها فإن همته تنساق إلى الاجتهاد في
_________________
(١) أدب الطلب، للشوكاني (ص: ١٢٧).
(٢) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٤٤).
(٣) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ١٧١).
[ ٢٦٦ ]
عبادة ربه التي تبلغه رضوانه وجنته، فلستَ تراه إلا في معرفة علم يبصره بدينه، أو صلاة أو صيام أو قراءة قرآن، وهو في ذلك على دأب وحرص وعناية.
يحكى أن الأسود بن يزيد كان يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال (^١).
وكان ثابت البناني يقوم الليل، ويصوم النهار، وكان يقول: ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل (^٢).
وكما للمؤمن الصادق همةٌ عالية في فعل الأوامر، فله همة عالية كذلك في ترك النواهي، وهجر السفاسف. قال ابن القيم: " فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها، وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار، فالنفس الشريفة العلية لا ترضى بالظلم ولا بالفواحش، ولا بالسرقة والخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجل، والنفس المهينة الحقيرة والخسيسة بالضد من ذلك. فكل نفس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها وهذا معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]. أي: على ما يشاكله ويناسبه … " (^٣).
وقال مَعْن بن أَوْس المُزَنِيّ:
لَعَمْرُكَ ما أَهْوَيْتُ كَفِّي لرِيبَةٍ … ولا حَمَلَتْنِي نَحْوَ فاحِشَةٍ رِجْلي
ولا قادَنِي سَمْعِي ولا بَصَرِي لَها … ولا دَلَّنِي رَأْيٌ عَلَيْها ولا عَقْلِي
وأَعْلَمُ أَنِّي لم تُصِبْنِي مُصِيبَةٌ … مِنْ الدَّهْرِ إلاّ قد أَصابَتْ فَتىً قَبْلِي
ولستُ بماشٍ ما حييتُ لمنكرٍ … من الأمرِ لا يمشي إلى مثلهِ مثلِى (^٤).
_________________
(١) صفة الصفوة، لابن الجوزي (٣/ ٢٣).
(٢) صفة الصفوة، لابن الجوزي (٣/ ٢٦٢).
(٣) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٧٧).
(٤) الحماسة البصرية، لأبي الحسن البصري (ص: ١٢٨)، كتاب الصناعتين، لأبي هلال العسكري (ص: ٢٠).
[ ٢٦٧ ]
طرق إلى علو الهمة في أمر الآخرة:
إن من الطرق إلى علو الهمة في أمر الآخرة: أن يحيي المسلم قلبه؛ إذ بحياته يقوى عزمه، وبه يصل إلى الحياة الطيبة؛ إذ كلما "كان القلب أتم حياة كانت همته أعلى وإرادته ومحبته أقوى؛ فإن الإرادة والمحبة تتبع الشعور بالمراد المحبوب، وسلامة القلب من الآفة التي تحول بينه وبين طلبه وإرادته، فضعف الطلب وفتور الهمة إما من نقصان الشعور والإحساس، وإما من وجود الآفة المضعفة للحياة، فقوة الشعور وقوة الإرادة دليل على قوة الحياة، وضعفهما دليل على ضعفها، وكما أن علو الهمة وصدق الإرادة والطلب من كمال الحياة، فهو سبب إلى حصول أكمل الحياة وأطيبها؛ فإن الحياة الطيبة إنما تنال بالهمة العالية والمحبة الصادقة والإرادة الخالصة، فعلى قدر ذلك تكون الحياة الطيبة، وأخس الناس حياة أخسهم همة وأضعفهم محبة وطلبًا، وحياة البهائم خير من حياته كما قيل:
نهارُك يا مغرورُ سهوٌ وغَفْلةٌ … وليلُك نومٌ والردىَ لك لازمُ
وتكدحُ فيما سوف تكره غِبَّهُ … كذلك في الدنيا تعيشُ البهائمُ
تُسَر بما يَبلَى وتفرَحُ بالمنى … كما اغترَّ باللذاتِ في النوم حالمُ
والمقصود: أن حياة القلب بالعلم والإرادة والهمة" (^١).
ومن الطرق إلى ذلك أيضًا: النظر المتأمِّل إلى زوال الدنيا وقلتها وكدرها، وإلى ذهاب الإنسان عنها ومفارقته لها، فحينما كانت كذلك فإنها ليست أهلًا لأن تعلو همة المؤمن في طلبها؛ فإنه لا "يرضى لنفسه أن يتزود منها إلى دار بقائه وخلوده أخسّ ما فيها وأقله نفعًا إلا ساقطُ الهمة دنيء المروءة، ميت القلب؛ فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده، وتبين له عدم نفعه له، فكيف إذا كان ترك تزود ما ينفعه إلى زاد يعذب به، ويناله بسببه غاية الألم، بل إذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه له، كان ذلك حسرة عليه وغبنًا" (^٢).
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٢٦٣).
(٢) عدة الصابرين، لابن القيم (١٤/ ٧).
[ ٢٦٨ ]
ثمرات الهمة العالية في طلب الآخرة:
أولًا: الرفعة وكمال اللذة:
من كانت هذه همته التي يعيش من أجلها فهو أرفع الناس قدرًا، وأكملهم لذة؛ إذ "لذة كل أحد على حسب قدره وهمته، وشرف نفسه، فأشرف الناس نفسًا وأعلاهم همة وأرفعهم قدرًا مَنْ لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه، فلذته في إقباله عليه، وعكوف همته عليه، ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله، حتى تنتهي إلى مَنْ لذته في أخس الأشياء من القاذورات والفواحش في كل شيء من الكلام والفعال والأشغال" (^١).
ثانيًا: صلاح القلب. ومن كانت همته عالية في طلب الآخرة صلح قلبه؛ فإنه متى ما " طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة، وردفه قمر العزيمة أشرقت أرض القلب بنور ربها" (^٢).
ثالثًا: الوصول إلى المُنى. فبالهمة العالية تسهل المشقات ويوصل إلى الغايات "فالكيِّسُ يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة، وتجريد القصد، وصحة النية مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق؛ فإن العزيمة والمحبة تذهب المشقة، وتطيب السير، والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة، فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحبَ العمل الكثير بمراحل، فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله، وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل يوافق فيه الإسلام والإحسان" (^٣).
_________________
(١) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٥٠).
(٢) المرجع السابق (ص: ٥١).
(٣) الفوائد، لابن القيم (ص: ١٤٢).
[ ٢٦٩ ]
انتهازُ الفُرص
ليس للإنسان في دنياه غيرُ حياة واحدة، إذا ذهبت عنه فليس له فرصة أخرى لتعويضها، وما حياته إلا حظٌّ محدود، تنتهبه الأيام والليالي حتى يفنى، ويلقى بعدها جزاء ما قدم: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
قال أبو الدرداء ﵁: " ابنَ آدم، طأِ الأرضَ بقدمك؛ فإنها عن قليل تكون قبرك، ابنَ آدم، إنما أنت أيام، فكلما ذهب يوم ذهب بعضك، ابنَ آدم، إنك لم تزل في هدم عمرك منذ يوم ولدتك أمك" (^١)! وقال الحسن: " ابنَ آدم، إنك بين مطيتين يُوضعانِك (^٢): الليل إلى النهار، والنهار إلى الليل، حتى يسلماك إلى الآخرة، فمن أعظم منك يا ابن آدم، خطرًا" (^٣).
فحريٌّ بالعاقل أن يبادر زمانه فيستغل فرَصه، ويغتنم أنفاسه، فيما ينفعه في آخرته، ويسعده عند لقاء ربه؛ فإنه قد جاء إلى هذه الدنيا لغاية واحدة هي عبادة الله تعالى وحده، فذاهبُ العقلِ من اتجه إلى غاية أخرى فشغل بها حياته، حتى ضيع الغاية التي خُلق لأجلها.
فـ: " واعجبًا من موجود لا يفهم معنى الوجود، فإن فهم لم يعمل بمقتضى فهمه. يعلم أن العمر قصير، وهو يضيعه بالنوم والبطالة، والحديث الفارغ، وطلب اللذات، وإنما أيامه أيام عمل لا زمان فراغ" (^٤).
_________________
(١) الزهد الكبير، للبيهقي (ص: ٢٠٤).
(٢) يوضعانك: يسرعان بك. المعجم الوسيط (٢/ ١٠٣٩).
(٣) الزهد الكبير، للبيهقي (ص: ٢٠٤).
(٤) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٣١٦).
[ ٢٧٠ ]