وَقَدْ أَشْمَتَ الْأَعْدَاءَ جَهْلًا بِنَفْسِهِ … وَقَدْ وَجَدَتْ فِيهِ مَقَالًا عَوَاذِلُهْ
وَمَا يَرْدَعُ النَّفْسَ اللَّجُوجَ عَنْ الْهَوَى … مِنْ النَّاسِ إلَّا حَازِمُ الرَّأْيِ كَامِلُهْ (^١).
ولما كانت النفس لا تخلو من دواعي الضرر وأخلاق السوء وصفات النقص وكثرة العيوب؛ كان لزامًا على العاقل إصلاحها وتطهيرها وتزكيتها من الرذائل وتطيبها بالفضائل حتى ينال بذلك الفلاح، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]. فمن" من وفقه الله وأعانه فزكى نفسه أي: طهرها بالإيمان والعمل الصالح، مبعدًا لها عما يدنسها من الشرك والمعاصي" فقد فاز بالخير في الدنيا والآخرة" (^٢).
فإذا" تزكت النفس انجلت مرآة القلب، ودخل فيها نور العظمة الإلهية، ولاح فيها جمال التوحيد" (^٣).
ولا يصل المرء إلى ذلك الاطمئنان إلا بعد تجاوز مرحلة اللوم؛ ولذلك كانت النفوس ثلاثًا:
أمارة، ولوامة، ومطمئنة، "فإذا دعت النفس إلى شهواتها فهي النفس الأمارة بالسوء، فإذا فعلتها أتت النفس اللوامة فلامتها على ذلك الفعل القبيح من ارتكاب الشهوات، ويحصل عند ذلك الندامة على ذلك الفعل القبيح وهذا من صفات النفس المطمئنة" (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ٢٠).
(٢) أيسر التفاسير للجزائري (٥/ ٥٧٧).
(٣) البحر المديد، لابن عجيبة (٤/ ٥٣٨).
(٤) تفسير الخازن (٣/ ٢٩٠).
[ ٤٣٢ ]
المحاسبة طريق التزكية:
إن تطهير النفس من الشر وتحليتها بالخير لا يتم إلا بمحاسبتها على الدوام؛ لأنها سريعة التلون والتغير، كثيرة الانفلات وتركِ التمسك بحبل الاستقامة.
معنى محاسبة النفس:
محاسبة النفس هي: أن يتصفح المرء في ليله ما صدر في نهاره وفي نهاره ما صدر في ليله؛ فإن كان محمودًا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في المستقبل (^١).
وإيضاح ذلك: أن المحاسبة تعني نظر العبد في قلبه وجوارحه وحالها مع الطاعة والمعصية؛ فإن كانت قائمة بالطاعة الخالصة التامة ثبتها على ذلك وحثها على المسارعة والاستزادة، فإن قصرت في الكمية أو الكيفية زجرها حتى تترك ذلك القصور. وإن كانت على معصية أبعدها عنها وتاب إلى الله منها توبة نصوحًا.
صور من محاسبة النفس:
قال ابن القيم: "ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده:
فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه، قال الحسن ﵀: رحم الله عبدًا وقف عند همه: فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر.
وشرح هذا بعضهم فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهمّ به العبد وقف أولًا ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع، فإن لم يكن مقدورًا لم يقدم عليه، وإن كان مقدورًا وقف وقفة أخرى ونظر: هل فعله خير له من تركه أو تركه
_________________
(١) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: ٤٥٣) بتصرف.
[ ٤٣٣ ]
خير له من فعله، فإن كان الثاني تركه ولم يقدم عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله ﷿ وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق، فإن كان الثاني لم يقدم عليه وإن أفضى به إلى مطلوبه؛ لئلا تعتاد النفس الشرك ويخف عليها العمل لغير الله، فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى، حتى يصير أثقل شيء عليها وإن كان الأول وقف وقفة أخرى ونظر: هل هو مُعان عليه وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجًا إلى ذلك أم لا، فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه كما أمسك النبي ﷺ عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده معانًا عليه فليقدم عليه؛ فإنه منصور ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح، فهذه أربعة مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل العمل …
النوع الثاني: محاسبة النفس بعد العمل وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي، وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور وهي: الإخلاص في العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منة الله عليه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله. فيحاسب نفسه: هل وفى هذه المقامات حقها، وهل أتى بها في هذه الطاعة؟
الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرًا له من فعله.
الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح أو معتاد: لمَ فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحًا، أو أراد به الدنيا وعاجلها فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به؟ " (^١).
وقال أيضًا: "وجماع ذلك: أن يحاسب نفسه أولًا على الفرائض؛ فإن تذكر فيها نقصًا
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٨١).
[ ٤٣٤ ]
تداركه: إما بقضاء أو إصلاح، ثم يحاسبها على المناهي؛ فإن عرف أنه ارتكب منها شيئًا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية، ثم يحاسب نفسه على الغفلة؛ فإن كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى، ثم يحاسبها بما تكلم به أو مشت إليه رجلاه، أو بطشت يداه أو سمعته أذناه: ماذا أرادت بهذا ولمن فعلته وعلى أي وجه فعلته؟ ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان: ديوان لمن فعلته وكيف فعلته، فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني سؤال عن المتابعة، وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦، ٧]. وقال تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٨] " (^١).
وقال كذلك: " هلم إلى الدخول على الله ومجاورته في دار السلام بلا نصب ولا تعب ولا عناء، بل من أقرب الطرق وأسهلها؛ وذلك أنك في وقت بين وقتين وهو في الحقيقة عمرك وهو وقتك الحاضر بين ما مضى وما يستقبل، فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم والاستغفار، وذلك شيء لا تعب عليك فيه ولا نصب ولا معاناة عمل شاق، إنما هو عمل قلب. وتمتنع فيما يستقبل من الذنوب وامتناعك ترك وراحة ليس هو عملًا بالجوارح يشق عليك معاناته وإنما هو عزم ونية جازمه تريح بدنك وقلبك وسرك، فما مضى تصلحه بالتوبة، وما يستقبل تصلحه بالامتناع والعزم والنية، وليس للجوارح في هذين نصب ولا تعب" (^٢).
وقال الغزاليّ: "اعلم أنّ العبد كما يكون له وقت في أوّل النّهار يشارط فيه نفسه على سبيل التّوصية بالحقّ؛ فينبغي أن يكون له في آخر النّهار ساعة يطالب فيها النّفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التّجّار في الدّنيا مع الشّركاء في آخر كلّ
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ٨٣).
(٢) الفوائد، لابن القيم (ص: ١١٦).
[ ٤٣٥ ]
سنة أو شهر أو يوم؛ حرصًا منهم على الدّنيا، وخوفًا من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيرة لهم في فواته! ولو حصل ذلك لهم فلا يبقى إلّا أيّام قلائل، فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلّق به خطر الشّقاوة والسّعادة أبد الآباد؟ ما هذه المساهلة إلّا عن الغفلة والخذلان وقلّة التّوفيق- نعوذ باللّه من ذلك" (^١).
"وقال إبراهيم التيمي: مثّلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس، أيَّ شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحًا، قلت: فأنت في الأمنية فاعملي" (^٢).
أهمية محاسبة النفس:
إن لمحاسبة النفس أهمية كبيرة، ومكانة عظيمة في صلاح الحال والمآل؛ فهي باب لزكاة النفس وطهارتها، ودليل على خوف صاحبها؛ ولذلك تواصى الصالحون على الحث على المحاسبة، والتحذير من ترك النفس عاطلة عن المراقبة.
قال عمر بن الخطاب ﵁: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾. " (^٣).
وكتب ﵁ إلى بعض عمّاله، فكان في آخر كتابه: "أن حاسب نفسك في الرّخاء، قبل حساب الشّدّة؛ فإنّه من حاسب نفسه في الرّخاء، قبل حساب الشّدّة، عاد مرجعه إلى الرّضى والغبطة. ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه، عاد أمره إلى النّدامة، والحسرة. فتذكّر ما توعظ به، لكيما تنتهي عمّا ينهى عنه، وتكون عند التّذكرة والعظة من
_________________
(١) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ٤٠٥).
(٢) المصدر السابق.
(٣) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ١٧٠).
[ ٤٣٦ ]
أولي النّهى" (^١).
وقال مالك بن دينار: "رحم اللّه عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثمّ زمّها، ثمّ خطمها، ثمّ ألزمها كتاب اللّه﷿- فكان لها قائدا" (^٢).
وعن الحسن: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: ماذا أردت تعملين، وماذا أردت تأكلين، وماذا أردت تشربين، والفاجر يمضي قدمًا قدمًا لا يحاسب نفسه" (^٣).
وعن وهب بن منبّه قال: "مكتوب في حكمة آل داود: حقّ على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الّذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه، وبين لذّاتها، فيما يحلّ ويحمد؛ فإنّ في هذه السّاعة عونًا على تلك السّاعات، وإجمامًا للقلوب" (^٤).
وعن ميمون بن مهران قال: لا يكون الرّجل تقيًّا حتّى يكون لنفسه أشدّ محاسبة من الشّريك لشريكه" (^٥).
وقال الغزاليّ: "اعلم أنّ مطالب المتعاملين في التّجارات المشتركين في البضائع عند المحاسبة سلامة الرّبح، وكما أنّ التّاجر يستعين بشريكه فيسلّم إليه المال حتّى يتّجر ثمّ يحاسبه، فكذلك العقل هو التّاجر في طريق الآخرة وإنّما مطلبه وربحه تزكية النّفس؛ لأنّ بذلك فلاحها، قال اللّه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها﴾ [الشمس: ٩ - ١٠] وإنّما فلاحها بالأعمال الصّالحة. والعقل يستعين بالنّفس في هذه التّجارة إذ يستعملها
_________________
(١) محاسبة النفس، لابن أبي الدنيا (ص: ٥٩).
(٢) المصدر السابق (ص: ٢٦).
(٣) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٧٨).
(٤) محاسبة النفس، لابن أبي الدنيا (ص: ٣٠).
(٥) المصدر السابق (ص: ٢٥).
[ ٤٣٧ ]
ويستسخرها فيما يزكّيها كما يستعين التّاجر بشريكه وغلامه الّذي يتّجر في ماله، وكما أنّ الشّريك يصير خصمًا منازعًا يجاذبه في الرّبح فيحتاج إلى أن يشارطه أوّلًا ويراقبه ثانيًا، ويحاسبه ثالثًا، ويعاقبه أو يعاتبه رابعًا. العقل يحتاج إلى مشارطة النّفس أوّلا فيوظّف عليها الوظائف، ويشرط عليها الشّروط، ويرشدها إلى طريق الفلاح، ويجزم عليها الأمر بسلوك تلك الطّرق، ثمّ لا يغفل عن مراقبتها لحظة، فإنّه لو أهملها لم ير منها إلّا الخيانة وتضييع رأس المال، كالعبد الخائن إذا خلا له الجوّ وانفرد بالمال. ثمّ بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها، ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها، فإنّ هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى، وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشّهداء، فتدقيق الحساب في هذا مع النّفس أهمّ كثيرًا من تدقيقه في أرباح الدّنيا مع أنّها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبى، ثمّ كيفما كانت فمصيرها إلى التّصرّم والانقضاء، ولا خير في خير لا يدوم، بل شرّ لا يدوم خير من خير لا يدوم؛ لأنّ الشّرّ الّذي لا يدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائمًا وقد انقضى الشّرّ، والخير الّذي لا يدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائمًا، وقد انقضى الخير؛ ولذلك قيل:
أشدّ الغمّ عندي في سرور … تيقّن عنه صاحبُه انتقالا
فحتمٌ على ذي حزم آمن باللّه واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتّضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها؛ فإنّ كلّ نفَس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، فانقباض هذه الأنفاس- ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك- خسران عظيم هائل، لا تسمح به نفس عاقل. فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصّبح ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النّفس كما أنّ التّاجر عند تسليم البضاعة إلى الشّريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته. فيقول للنّفس: مالي بضاعة إلّا العمر، ومهما فني فقد فني رأس المال، ووقع اليأس من التّجارة وطلب الرّبح، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه، وأنسأ في أجلي وأنعم عليّ به، ولو توفّاني لكنت أتمنّى أن يرجعني إلى الدّنيا يومًا واحدًا حتّى أعمل فيه صالحًا، فاحسبي أنّك قد توفّيت، ثمّ قد رددت، فإيّاك ثمّ إيّاك أن تضيّعي هذا اليوم؛ فإنّ
[ ٤٣٨ ]
كلّ نفس من الأنفاس جوهرة لها قيمة" (^١).
وقال أيضًا: "عرف أرباب البصائر من جملة العباد أنّ اللّه تعالى لهم بالمرصاد، وأنّهم سيناقشون في الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذّرّ من الخطرات واللّحظات، وتحقّقوا أنّه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلّا لزوم المحاسبة، وصدق المراقبة، ومطالبة النّفس في الأنفاس والحركات ومحاسبتها في الخطرات واللّحظات، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خفّ في القيامة حسابه، وحضر عند السّؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيّئاته، فلمّا انكشف لهم ذلك علموا أنّه لا ينجيهم منه إلّا طاعة اللّه وقد أمرهم بالصّبر والمرابطة فقال عزّ من قائل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] فرابطوا أنفسهم أوّلا بالمشارطة، ثمّ بالمراقبة، ثمّ بالمحاسبة، ثمّ بالمعاقبة، ثمّ بالمجاهدة. ثمّ بالمعاتبة. فكانت لهم في المرابطة ستّة مقامات" (^٢).
وقال ابن الجوزي: " يا معشر المذنبين، حاسبوا أنفسكم قبل يوم الحساب، وارحموا أنفسكم قبل نزول العذاب، وبادروا بالتوبة قبل غلق الباب، واجتهدوا في بقية أعماركم قبل وضع الكتاب، وسارعوا إلى المغفرة من ربكم قبل الخجل بين يدي رب الأرباب" (^٣).
وقال ابن القيّم: "قد دلّ على وجوب محاسبة النّفس قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] (^٤) يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدّم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصّالحات الّتي تنجيه، أم من السّيّئات الّتي توبقه"؟ (^٥).
_________________
(١) إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ٣٩٤).
(٢) المصدر السابق (٤/ ٣٩٣).
(٣) بستان الواعظين ورياض السامعين (ص: ١١١).
(٤) قال الغزالي عن هذه الآية: " وهذه إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال". إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ٤٠٤).
(٥) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٨٤).
[ ٤٣٩ ]
ثمرات محاسبة النفس:
من حاسب نفسه فأوقفها على عيوبها فأصلحها، وعلى ذنوبها فتاب منها، وعلى تقصيرها فشحذ همته فترك التقصير فصار من السابقين؛ فإنه سيجني ثمرات حسنة في الدنيا والآخرة بتلك المحاسبة الصالحة، فمن تلك الثمرات:
أولًا: الاطلاع على عيوب النفس، قال ابن القيم: " وفي محاسبة النفس عدة مصالح منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى" (^١).
ثانيًا: صلاح القلب وسلامته، فـ" صلاح القلب بمحاسبة النّفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها" (^٢). وهلاكه" من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها" (^٣).
ثالثًا: سلامة النفس من الهلاك، قال ابن القيم: "وترك المحاسبة والاسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب ويمشى الحال ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب، وأنس بها وعسر عليه فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحمية أسهل من الفطام، وترك المألوف والمعتاد" (^٤).
رابعًا: تعريف الإنسان بحق الله عليه حتى يقوم به، فـ"من فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله تعالى، ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه وهي قليلة المنفعة جدًا … فمن أنفع ما للقلب النظر في حق الله على العباد؛ فإن ذلك يورثه مقت نفسه والإزراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي ربه واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٨٤).
(٣) المصدر السابق (١/ ٧٨).
(٤) المصدر السابق (١/ ٨٢).
[ ٤٤٠ ]
بعفو الله ومغفرته ورحمته؛ فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر، فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه علم علم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك، فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم وعلق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته" (^١).
خامسًا: دوام الخير في الإنسان، قال الحسن" إنّ العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همّته" (^٢).
سادسًا: تخفيف الحساب يوم القيامة، وذلك أنه بمحاسبته نفسه في الدنيا يتخلص من ذنوبه ويصلح تقصيره وبذلك يخف حسابه يوم القيامة.
"عن الحسن قال: المؤمن قوَّام على نفسه، يحاسب نفسه لله ﷿، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. إن المؤمن يفجأه الشيء ويعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما صلةٌ إليك، هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: هيهات ما أردت إلى هذا وما لي ولهذا .. " (^٣).
سابعًا: السعادة في الدنيا والآخرة، قال ابن الجوزي: "أيها العبد، حاسب نفسك في خلوتك، وتفكر في انقراض مدتك، واعمل في زمان فراغك لوقت شدتك، وتدبر قبل الفعل ما يملى في صحيفتك، وانظر: هل نفسك معك أو عليك في مجاهدتك. لقد سعد من حاسبها، وفاز والله من حاربها، وقام باستيفاء الحقوق منها وطالبها، وكلما ونت عاتبها، وكلما توقفت جذبها، وكلما نظرت في آمال هواها غلبها" (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ٨٨).
(٢) محاسبة النفس، لابن أبي الدنيا (ص: ٢٥).
(٣) محاسبة النفس، لابن أبي الدنيا (ص: ٦٠).
(٤) مواعظ ابن الجوزي (ص: ٩).
[ ٤٤١ ]
إنما الأعمالُ بالخواتيم
إن الله تعالى جعل لكل إنسان عمرًا واحدًا من عمر هذا الزمن الدنيوي، وأبهم عنه مقدار نصيبه من هذه الحياة الموقوتة؛ ولهذا يظل المسلم اليقظ دائمَ الانتباه، حاضر الاستعداد لملاقاة أجله، واستيفاء عمره، عاملًا لما ينفعه حين رجوعه إلى ربه.
هذا الحس الساهر يبعده عن سِنة الغفلة، ونعاس الفتور، والقعود عن التهيؤ ليوم المعاد؛ فيكون عند ذلك من المسارعين على الصراط المستقيم، فإذا بقي هذا الشعور حيًا ساق صاحبه إلى حسن الخاتمة.
إن الحديث عن الخاتمة حديث تشرئب إليه الأعناق المؤمنة، وتقف له القلوب الحية؛ لأنه حديث عن النهاية، وحديث عن المرحلة الأخيرة من سفر الدنيا، وحديث عن الحال التي سيقابل بها كل إنسان ربه، فهي الصفحة الأخيرة من دفتر الحياة، وعليها ختم السعادة أو الشقاوة.
فلأجلها بقيت سبل الخير آهلة بالعاملين، وظل المؤمن قريبًا من إلهه الحق يتقرب إليه، ويتضرع بين يديه، ولأجلها شمّر المشمرون، وجدّ العابدون. ولأجلها حلّق المؤمنون في آفاق العمر على جناحي الخوف والرجاء: يرجون رحمة الله وفضله، ويخافون عقوبته وتحويل القلوب عنه، فكم ذرفت لها من دموع، وهجرت جُنوبٌ النومَ والهجوع.
الخاتمة النجاة أو الهلاك:
لقد جعل الله تعالى خاتمة عمر الإنسان هي الأساس الذي يبنى عليه مستقبله في الآخرة، فإن أحسن فيه فنعمَ ما ينتظره عند ربه، وإن أساء فيه فيا بئس ما سيلقى.
وحينما كان الإنسان مكلَّفًا بعبادة ربه حتى يأتيه الموت وهو لا يدري على أية حال
[ ٤٤٢ ]
تكون نهاية عمره؛ فإن ذلك يجعله على خوف من العاقبة؛ قال ابن بطال: "في تغييب الله عن عباده خواتيم أعمالهم حكمة بالغة وتدبير لطيف؛ وذلك أنه لو علم أحد خاتمة عمله لدخل الإعجاب والكسل من علم أنه يختم له بالإيمان، ومن علم أنه يختم له بالكفر يزداد غيًا وطغيانًا وكفرًا، فاستأثر الله تعالى بعلم ذلك ليكون العباد بين خوف ورجاء، فلا يعجب المطيع لله بعمله، ولا ييأس العاصي من رحمته؛ ليقع الكل تحت الذل والخضوع لله والافتقار إليه" (^١).
فلذلك يظل العاقل مشمرًا عن ساعد الجد في العمل الصالح بعيدًا عن العمل السيء حتى يظفر بحسن الخاتمة التي متى مات عليها بعث على خير.
عن ابن عباس ﵄ قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته (^٢) فقال النبي ﷺ: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبِّيا) (^٣).
ولهذا كان رسول الله ﵊ يدعو فيقول: (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة) (^٤).
وقال ﷺ: (من مات على شيء بعثه الله عليه) (^٥).
" أي: يموت على ما عاش عليه [وختم له به]، ويراعى في ذلك حال قلبه لا حال شخصه؛ لأن نظر الحق إلى القلوب دون ظواهر الحركات، فمن صفات القلوب تصاغ الصور في الدار الآخرة، ولا ينجو فيها إلا من أتى الله بقلب سليم" (^٦).
_________________
(١) شرح صحيح البخاري - لابن بطال (١٠/ ٢٠٣).
(٢) الوَقْصُ: كسر العُنُق. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٥/ ٤٧٦).
(٣) رواه البخاري (١/ ٤٢٥)، ومسلم (٢/ ٨٦٥).
(٤) رواه أحمد (٢٩/ ١٧١)، وابن حبان (٣/ ٢٢٩)، وهو حسن.
(٥) رواه أحمد (٢٢/ ٢٧١)، والحاكم (٤/ ٣٤٨)، وهو صحيح.
(٦) فيض القدير، للمناوي (٦/ ٢٢٦).
[ ٤٤٣ ]