"وقال مغيث الأسود: زوروا القبور كل يوم تفكركم، وشاهدوا الموقف بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذِكرَ النار ومقامعها وأطباقها" (^١).
سَوقُ أهل النار إليها:
بعدَ القسمة العادلة وفصل القضاء بين الخلائق في عرصات القيامة يأمر الله تعالى ملائكته بأخذ أهل النار إلى النار، فيُساقون إليها جماعاتٍ وأفواجًا سوقًا شديدًا، ويرِدونها وهم عِطاشٌ من حُرق ِالموقف وطوله وأهواله، ويُرمون فيها على ركبهم، عليهم الأغلالُ والقيود، ويسحبون على وجوهم فيلقون في النار إلقاء. قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]. وقال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥، ٨٦] أي: عطاشًا. وقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨]. وقال: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٢]، وقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤]، وقال: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤]، وقال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤].
على أبواب جهنم:
وحينما يُلقى أهل النار في النار تستقبلهم جهنم بشهيقها وزفيرها وشدة فورانها، حتى تكاد تتقطع من شدة غضبها عليهم؛ فقد طال انتظارها لهؤلاء الأشقياء الذين عصوا الله تعالى. قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]، وقال: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ …﴾ [الملك: ٧، ٨].
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ١٨٥).
[ ٤٧٠ ]
فإذا وصلوا إليها مقيَّدين ومسّوا حرها دعوا هنالك على أنفسهم بالويل والثبور والخسار، فيجابون بالعتاب وشدة العذاب. قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٣، ١٤]، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤، ٦٥].
صفة النار:
إن نار الآخرة التي توعد الله بها من عصاه لشيءٌ مهول وأمر فظيع عظيم، وقد أخبرنا الله ﷿ ورسوله ﵊ عن شيء من ذلك الهول والعِظم؛ لكي يكون ذلك زاجرًا للمعرضين، ومزجيًا للمبطئين، وشاحذًا لهمة المؤمنين ليزدادوا إحسانًا إلى إحسانهم؛ حتى لا يصيروا إلى ذلك المآل الأليم، فأين القلوب التي تتعظ وهي تقرأ أو تسمع تلك الأخبار الصادقة عن هول نار الآخرة؟
إن نار الجحيم شيء عظيم من الهول والمخاوف، فإذا كان الإنسان يخشى مسّ نار الدنيا وهي لا تساوي شيئًا أمام نار جهنم، فكيف سيقوى على نار جهنم؟! نسأل الله السلامة من غضبه وعقابه، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١]. وقال رسول الله ﷺ: (ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءًا من نار جهنم، قالوا: والله إن كانت لكافية، قال: إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا كلهن مثل حرها) (^١).
فعن عِظَمها يقول ربنا الجبار ﵎: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩ - ٣٤].
_________________
(١) رواه البخاري (٣/ ١١٩١) ومسلم (٤/ ٢١٨٤).
[ ٤٧١ ]
وقال رسول الله ﷺ: (يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) (^١). وعن قدر اشتعالها قال: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]. وعن حال أهلها فيها قال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه: ٧٤].
وأما سعتها فيقول تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠].
وقال رسول الله ﷺ: (فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله قدمه عليها فتقول: قط قط-يعني: حسبي حسبي- فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض فلا يظلم الله من خلقه أحدًا) (^٢).
وأما بُعدُ قعرها فإنها ذات بُعدٍ سحيق؛ لأنها دركات بعضها تحت بعض، يقول النبي ﷺ: (إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عامًا وما تفضي إلى قرارها) (^٣).
وأما خزانها من الملائكة المكلفين بتعذيب أهلها فيها فهم ملائكة غلاظ شديدو البطش عظيمو الخِلقة، وهم تسعة عشر. قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٢٩، ٣٠]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
وأما حطبها الذي تُشعل به فهو أهلها الذين تتحول جلودهم وعظامهم وأجسادهم إلى مادة تُذكى بها النار، كلما نضجت جلودهم أُعيدت من جديد. قال تعالى: ﴿كُلَّمَا
_________________
(١) رواه مسلم (٤/ ٢١٨٤).
(٢) رواه البخاري (٤/ ١٨٣٦)، ومسلم (٤/ ٢١٨٦).
(٣) رواه الترمذي (٤/ ٧٠٢)، وهو صحيح.
[ ٤٧٢ ]
نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، ومن حطبها كذلك: الحجارة؛ لأن الحجر إذا اشتعل صار أشدَّ إحراقًا وأبطأ انطفاء، قال تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]. ومن حطبها كذلك: الأصنام التي كانت تعبد من دون الله، قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
وأما حدودها فإن أهل النار في حال عذابهم فيها لا يجدون متنفسًا ولا مهربًا مما هم فيه؛ لأن النار تحيط بهم من كل جانب، وأبواب جهنم عليهم مغلقة. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٨، ٩].
وأما حجم أصحابها فإن العذاب الشديد الذي ينزل بهم لا تتحمله أجسام الدنيا التي كانوا عليها؛ ولذلك فإن الله تعالى يخلق أهلها يوم القيامة بأجسام ضخمة غير أجسامهم الصغيرة الضعيفة التي كانت في الدنيا، يقول النبي ﷺ: (ضرس الكافر مثل أُحد، وفخذه مثل البيضاء-اسم جبل- ومقعده من النار كما بين قُديد ومكة، وكثافة جسده اثنان وأربعون ذراعًا بذراع الجبار) (^١).
وأما عن مقدار عذاب أهلها فإن العذاب الذي يلاقونه ليس على مرتبة واحدة، بل كل شقي يعذَّب فيها على حسب عمله؛ فمن كان من عصاة المسلمين يعذب بقدر معصيته، ومن كان من الكفار على اختلاف أصنافهم يعذب بقدر ما فعل زيادة على كفره، فكما أن أهل الجنة ليسوا على منزلة واحدة بل على منازل فكذلك أهل النار. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]، وقال النبي ﷺ: (إن أهون أهل النار عذابًا رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل بالقمقم) (^٢).
_________________
(١) رواه أحمد (١٤/ ١٣٤)، وهو صحيح.
(٢) رواه البخاري (٥/ ٢٤٠٠)، ومسلم (١/ ١٩٦).
[ ٤٧٣ ]
مطالب تؤول إلى اليأس:
إن أهل النار -وهم يقاسون حرارة النار- يستغيثون ويطلبون النجاة ويعلنون التوبة، فلا يجيبهم أحد إلا جوابَ عتاب يضاف إلى العذاب. فيستغيثون بالله، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧، ١٠٨]. وقال: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]. ويستغيثون أيضًا بخزنة جهنم من الملائكة فلا يجابون أيضًا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٤٠، ٥٠].
ويستغيثون بأهل الجنة لشربة ماء، فلا يجابون كذلك، قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠].
وعندما ييأسون من إجابة استغاثتهم يطلبون من مالك أميرِ الخزنة أن يدعو الله بأن يكتب عليهم القضاء بالفَناء، فماذا يُردّ عليهم، وبماذا يُقضى عليهم؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٧].
فبعد اليأس من الخروج والتخفيف من العذاب يعودون إلى عتاب بعضهم بعضًا: التابع والمتبوع، والضال والمضل، كلٌّ يدعو على الآخر ويلعنه. قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ
[ ٤٧٤ ]
فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨، ٣٩]، وقال: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٧، ٦٨]. وهذا التلاوم كله لا ينفعهم، ولا يدفع عنهم ما هم فيه تابعين ومتبوعين؛ لأنهم في النار جميعًا، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩].
أنواع العذاب:
يتعدد عذاب أهل النار فلا يقاسون عذابًا واحدًا، بل عذابين عمومًا: عذاب معنوي، وعذاب حسي.
العذاب المعنوي:
فأما العذاب المعنوي فهو ما يلاقونه من كلمات التوبيخ والتقريع والتنديم من الله تعالى، ومن الملائكة، ومن العتاب والتوبيخ فيما بينهم. قال تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤]، وقال: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨، ٩].
العذاب الحسي:
وأما العذاب الجسدي فهناك طعام وشراب وكساء وفراش وظلال، ولكن الطعام لا يسمن آكله ولا يغنيه من جوع، والشراب لا يطفئ ظمأه ولا يبرد حرارة باطنه، والكساء لا يستر جسده ولا يمنعه ما يكره، والفراش لا يريح بدنه ولا يقيه ما يضره، والظلال لا يحميه من الحرارة. قال تعالى عن طعامهم: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ
[ ٤٧٥ ]
يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦]، وقال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٦، ٧]، وقال: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦].
وأما عن شرابهم فقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقال: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤، ٢٥]، وقال: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦].
وأما عن كسائهم فيقول: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢]، وقال: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠].
وأما عن فراشهم فيقول: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤١]، ويقول: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]. وأما عن ظلالهم فيقول: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٤]. نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار.
نصيب الوجه من العذاب:
إن أكرم ما في ظاهر الإنسان وجهُه الذي يكرمه ويحسن إليه بأنواع من الإحسان، هذا الوجه المكرم أمر الله تعالى صاحبه أن يعفره ساجدًا لله تعالى الذي خلقه وكرمه وزيّنه. غيرَ أن هذا الوجه حينما أبى الخضوع والانحناء لمن أبدعه وخلقه فلم يسجد بين يديه مؤمنًا سينال جزاء وفيرًا خاصًا من العذاب دون غيره من سائر الأعضاء. فالسواد القاتم، والذلة الغاشية ستعمه عندما يساق إلى جهنم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ
[ ٤٧٦ ]
وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: ٢٧].
وهناك شيء آخر وهو أن السوق والسحب إلى السعير سيكون على الوجوه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨]، وقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤].
فإذا ما كان صاحبه في النار فإن الإحراق وتلقيَ النار والكي والتقليب فيها ينال منه الوجه أوفرَ نصيب، قال تعالى: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقال: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، وقال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: ٦٦].
أسباب دخول النار -وقانا الله منها-:
هناك أسباب كثيرة من الأعمال والأقوال تودي بصاحبها إلى جهنم، وقد ذكر القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة من ذلك شيئًا كثيرًا، ترجع كلها إلى معصية الله ومعصية رسله، وتبدأ هذه المعاصي من الكفر فما دونه، وسأسرد ما تيسر جمعه من هذه الأسباب من غير ذكر أدلتها؛ طلبًا للاختصار، وهي:
١ - الإشراك بالله تعالى.
٢ - التكذيب للرسل
٣ - الكفر
٤ - النفاق
٥ - الحسد
٦ - الكذب
٧ - الخيانة
[ ٤٧٧ ]
٨ - الظلم
٩ - الفواحش
١٠ - الغدر
١١ - قطيعة الرحم
١٢ - الجبن عن الجهاد
١٣ - البخل
١٤ - اختلاف السر والعلانية
١٥ - اليأس من روح الله
١٦ - الأمن من مكر الله
١٧ - الجزع عند المصائب
١٨ - الفخر والبطر عند النعم
١٩ - ترك فرائض الله، واعتداء حدوده، وانتهاك حرماته
٢٠ - خوف المخلوق دون الخالق
٢١ - العمل رياءً وسمعة
٢٢ - مخالفة الكتاب والسنة، اعتقادًا وعملًا
٢٣ - طاعة المخلوق في معصية الخالق
٢٤ - التعصب للباطل
٢٥ - الاستهزاء بآيات الله
٢٦ - جحد الحق
٢٧ - الكتمان لما يجب إظهاره من علم وشهادة
٢٨ - السحر
٢٩ - عقوق الوالدين
٣٠ - قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق
[ ٤٧٨ ]
٣١ - أكل مال اليتيم
٣٢ - الربا
٣٣ - الفرار من الزحف
٣٤ - قذف المحصنات الغافلات المؤمنات (^١).
٣٥ - الفحش والبذاء
٣٦ - ترك العدل في القضاء والحكم
٣٧ - أكل أموال الناس بالباطل
٣٨ - التصوير
٣٩ - الركون إلى الظالمين
٤٠ - التبرج والسفور
٤١ - تعذيب الحيوان
٤٢ - الشرب في آنية الذهب والفضة
٤٣ - اللعن لغير من لعنه الله ورسوله
٤٤ - منع الزكاة
٤٥ - اليمين الغموس
٤٦ - الدياثة
٤٧ - النميمة
٤٨ - شرب المسكر
٤٩ - أذية الجار
٥٠ - إضاعة الصلاة
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٢٤).
[ ٤٧٩ ]
أسباب الوقاية من النار:
وبعد هذا التخويف والإنذار، وذكرِ ما أعد الله لمن عصاه في النار، ألا يدعونا ذلك إلى التوبة والادكار، والكف والانزجار عن معصية العزيز الجبار؟
إنه لا ينبغي لأحد أن يأمن على نفسه مهما بلغت طاعته وقربه أن يكون وقودَ النار غدا، قال النبي ﷺ: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك) (^١).
وينبغي أن يُعلم أن النار ليست للكفار وحدهم، بل هي أيضًا لعصاة المسلمين إذا وردوا الآخرة غيرَ تائبين ولم تنلهم شفاعة من الشفاعات، فيعذَّبون بقدر ذنوبهم ثم يصيرون إلى الجنة ما داموا عصاة موحدين.
فلأجل هذا على طالب النجاة في الآخرة أن يجعل بينه وبين النار وقاية وهو مازال في الدنيا، وسبب الوقاية منها على سبيل الإجمال هو طاعة الله ورسوله والبعد عن معصيتهما، وعلى سبيل التفصيل فإن الإقبال على أضداد تلك الأعمال المسببة لدخول النار-كما تقدم قريبًا- يقي صاحبه بإذن الله من النار.
_________________
(١) رواه البخاري (٥/ ٢٣٨٠).
[ ٤٨٠ ]
دارُ النعيم
-نسأل الله أن يجعلنا من أهلها-
لقد روت لنا كتب الأدب أخبارًا وأشعارًا كثيرة عن العاشقين وهُيامهم بمنازل من يحبون، شوقًا إليها بعد بَينِهم عنها، وطمعًا بلقاء الحبيب في جنابتها، يسهرون ويبكون ويستدرون دموع غيرهم؛ ليشاركوهم تألم غرام البعد عنها بعد إلفها، فإذا وصلوا إلى تلك المغاني بعد عناء رحلة الشوق ومكابدة البعد أصابهم من السرور والحبور ما لا يوصف!.
وذلك كله على منزل دنيا وحبيب دنيا كلاهما إلى زوال، فكيف بجنة عرضها السماوات والأرض؟ ألا تشتاق النفوس إلى تلك المنازل العالية، والمغاني الغالية، ورؤية الله ومخاطبته ونيل رضوانه في تلك الدرجات السامية؟
فهل فكر الإنسان في تلك الدار الفيحاء ونعيمها وقارنها بهذه الدنيا الفانية وغصصها المتتالية؟
"من تأمل بعين الفكر دوام البقاء في الجنة في صفاء بلا كدر، ولذات بلا انقطاع، وبلوغ كل مطلوب للنفس، والزيادة مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من غير تغيير ولا زوال، إذ لا يقال: ألف ألف سنة، ولا مائة ألف ألف، بل ولو أن الإنسان عد ألوف ألوف السنين لا ينقضي عدده، وكان له نهاية، وبقاء الآخرة لا نفاد له، إلا أنه لا يحصل ذلك إلا بنقد هذا العمر، وما مقدار عمر غايته مائة سنة منها: خمسة عشر صبوة وجهل، وثلاثون بعد السبعين- إن حصلت- ضعف وعجز، والتوسط نصفه نوم، وبعضه زمان أكل وشرب وكسب، والمنتخل منه للعبادات يسير!
[ ٤٨١ ]
أفلا يشتري ذلك الدائم الكامل بهذا الفاني القليل؟ " (^١).
فيا عجبًا كيف يؤثر عاقل دارًا ذاهبة على دار خالدة، وعيشًا مكدرًا على عيش صاف، وشقاء وآلامًا ونعيمًا مغشوشًا على حياة كاملة النعيم بلا أوجاع ولا آلام، فأين الموفقون وأين المشمرون؟
قال ابن القيم: " ولما علم الموفَّقون ما خُلقوا له، وما أريد بإيجادهم رفعوا رؤوسهم فإذا عَلم الجنة قد رُفع لهم فشمروا إليه، وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه، ورأوا من أعظم الغبن بيع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في أبدٍ لا يزول ولا ينفد بصُبابة عيشٍ إنما هو كأضغاث أحلام أو كطيف زار في المنام مشوبٍ بالنغص، ممزوج بالغصص، إن أضحك قليلا أبكى كثيرًا، وإن سر يومًا أحزن شهورًا، الآمه تزيد على لذاته، وأحزانه أضعاف مسراته، أوله مخاوف، وآخره متالف، فيا عجبًا من سفيه في صورة حكيم، ومعتوه في مسلاخ عاقل؛ آثر الحظ الفاني الخسيس، على الحظ الباقي النفيس، وباع جنة عرضها السموات والأرض بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات، ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، بأعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار، وأبكارًا عُربًا أترابًا كأنهن الياقوت والمرجان، بقذرات دنسات، سيئات الأخلاق، وحورًا مقصورات في الخيام بخبيثات مسيّبات بين الأنام، وأنهارًا من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل، مفسد للدنيا والدين، ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم، بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم، وسماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والغناء والألحان، والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد يوم المزيد بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل شيطان مريد، ونداء المنادي: (يا أهل الجنة، إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا، وتحيوا فلا تموتوا، وتقيموا فلا تظعنوا، وتشبوا فلا تهرموا)؛ بغناء المغنين؟ … وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة، وإنما يتبين سفه بائعه يوم
_________________
(١) صيد الخاطر، لابن الجوزي (ص: ٢٦٤).
[ ٤٨٢ ]