الحسرة والندامة، إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفدًا وسيق المجرمون إلى جهنم وردًا، ونادى المنادي على رؤوس الأشهاد: ليعلمن أهل الموقف من أولى بالكرم من بين العباد، فلو توهم المتخلف عن هذه الرفقة ما أعد الله لهم من الإكرام، وادخر لهم من الفضل والإنعام، وما أخفى لهم من قرة أعين لم يقع على مثلها بصر ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر؛ لعلم أي بضاعة أضاع، وأنه لا خير له في حياته وهو معدود من سقط المتاع، وعلم أن القوم قد توسطوا ملكًا كبيرًا لا تعتريه الآفات، ولا يلحقه الزوال، وفازوا بالنعيم المقيم في جوار الكبير المتعال … لقد نودي عليها في سوق الكساد، فما قبل ولا استام إلا أفراد من العباد!
فواعجبًا لها كيف نام طالبها، وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها، وكيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها، وكيف قر للمشتاق القرار دون معانقة أبكارها، وكيف قرت دونها أعين المشتاقين، وكيف صبرت عنها أنفس الموقنين، وكيف صدفت عنها قلوب أكثر العالمين، وبأي شيء تعوضت عنها نفوس المعرضين؟! " (^١).
"إخواني، لقد خاب من باع باقيًا بفان، وخطرَ في ثوبَي متوان، وتغافل عن أمر قريب كان، وضيَّع يومًا موجودًا في تأميل ثان، أمَا الجنة تشوقت لطالبيها، وتزينت لمريديها، ونطقت آيات القرآن بوصف ما فيها، وملأت أسماع العباد أصوات واصفيها؟ كأنكم بالجنة وقد فتحت أبوابها، وتقسمها يوم القيامة أصحابها، وغنت ألسن الأماني قريب قبابها:
بشَّرها دليلُها وقالا: … غدًا ترينَ الطَلحَ والجبالا " (^٢).
يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَسْتَ رَخِيْصَةً … بَلْ أَنْتِ غَاليةٌ عَلَى الْكَسْلَانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَيْسَ يَنَالُهَا … في الألْفِ إِلاَّ وَاحدٌ لَا اثْنَانِ
_________________
(١) حادي الأرواح، لابن القيم (ص: ٤).
(٢) مواعظ ابن الجوزي (ص: ٨).
[ ٤٨٣ ]
يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ مَاذَا كفُوْهَا … إِلاَّ أوُلُو التَّقْوَى مَعَ الإيْمَانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ سُوقُكِ كَاسِدٌ … بِيْنَ الأَرَاذَلِ سفلَةِ الْحَيَوَانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ أَيْنَ الْمُشْتَرِي … فَلَقَدْ عُرِضْتِ بأيْسَرِ الأَثْمَانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ هَلْ مِنْ خَاطِبٍ … فَالْمَهْرُ قَبْلَ المَوتِ ذُوْ إِمْكَانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ كَيْفَ تَصْبُّر الْـ … ـخُطَّابُ عَنْكِ وَهُمْ ذَوُو إِيْمَانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَوْلَا أَنَّهَا … حُجبَتْ بِكُلِّ مَكَارِه الإنْسَانِ
مَا كَانَ عَنْهَا قَطُ مِنْ مُتَخَلِّفٍ … وَتَعَطَّلَتْ دَارُ الْجَزاءِ الثَّانِي
لَكِنَّهَا حُجِبَتْ بِكُلِّ كَريْهَةٍ … لِيَصُدَّ عَنْهَا الْمُبْطِلُ الْمُتَوانِي
وَتَنَالُهَا الْهِمَمُ الَّتِي تَسْمُو إِلَى … رَبِّ العُلى بِمَشيْئَةِ الرَّحْمَنِ (^١).
من العرصات إلى الجنات:
فبعد أن يُقضى بين الخلائق في العرصات يساق أهل الجنة إلى الجنة، فيمرون على الصراط مسرعين حسب أعمالهم في الدنيا، فيخلصون إلى مكان بين الجنة والنار فيبقون هناك حتى يقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، وتصفّى قلوبهم من أدواء الحسد والحقد والكراهية فيما بينهم، حتى إذا نُقّوا دخلوا الجنة، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧].
وقال رسول الله ﷺ: (يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في
_________________
(١) متن القصيدة النونية لابن القيم (٢/ ٣٥٣).
[ ٤٨٤ ]
الجنة منه بمنزله كان في الدنيا) (^١).
ثم بعد ذلك يُساقون إلى الجنة وفودًا مكرمين، تحيط بهم السعادة من كل جانب، وتستقبلهم على أبواب الجنة ملائكةُ الرحمن تحييهم وتهنئهم بسلامة الوصول والنجاة من الدنيا وما بعدها. قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٣، ٧٤]، وقال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، وقال: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، وقال: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤].
وممن يستقبل المؤمنَ على أبواب الجنة: أولادُه الذين ماتوا قبل البلوغ في حياته فاحتسبهم وصبر عند مصيبته بهم، فعن قرة بن إياس ﵁ أن رجلًا كان يأتي النبي ﷺ ومعه ابن له فقال النبي ﷺ: (تحبه؟ قال: نعم، يا رسول الله، أحبك الله كما أحبه، ففقده النبي ﷺ فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ قالوا: يا رسول الله، مات، فقال النبي ﷺ لأبيه: ألا تحب أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟ فقال رجل: يا رسول الله، أله خاصة أم لكلنا؟ قال: بل لكلكم) (^٢).
وعن عتبة بن عبد السلمي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل) (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٥/ ٢٣٩٤).
(٢) رواه أحمد (٢٤/ ٣٦١)، وهو صحيح.
(٣) رواه أحمد (٢٩/ ١٨٩)، وابن ماجه (١/ ٥١٢)، وهو حسن.
[ ٤٨٥ ]
لقد أخبرنا رسول الله ﷺ عن نصيب هذه الأمة من أهل الجنة، فقد قال ﵊: (أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم) (^١).
تتجه هذه الصفوف جميعها إلى أبواب الجنة زمرًا على حسب أعمالهم، والنورُ يعلو وجوههم، فيصلون إلى تلك الأبواب فيجدونها ثمانية، قال رسول الله ﷺ: (في الجنة ثمانية أبواب) (^٢).
وقال ﵊: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله، هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال رسول الله ﷺ: نعم، وأرجو أن تكون منهم) (^٣).
فقد بين النبي ﷺ في هذا الحديث أن أبواب الجنة مسماة بالأعمال الصالحة، فمن أكثرُ عمله وأظهره الصلاة دخل من باب الصلاة، وهكذا بقية الأعمال، ومن كان مكثرًا من جميع تلك الأعمال دعي للدخول من جميع تلك الأبواب فيدخل من أيها شاء. وهذه الأبواب أبواب عظيمة في الاتساع والمسافة بين مصاريعها. فعن عتبة بن غزوان ﵁ قال: (ولقد ذكر لنا أن مصراعين من مصاريع الجنة بينهما مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام) (^٤).
_________________
(١) رواه أحمد (٧/ ٣٤٩)، والترمذي (٤/ ٦٨٣)، وابن ماجه (٢/ ١٤٣٤)، وهو صحيح.
(٢) رواه البخاري (٣/ ١١٨٨).
(٣) رواه البخاري (٢/ ٦٧١)، ومسلم (٢/ ٧١١).
(٤) رواه مسلم (٤/ ٢٢٧٨).
[ ٤٨٦ ]
وقد أعلمنا أيضًا رسول الله ﷺ عن أوائل معينة عند أبواب الجنة؛ فأول من يدخل الجنة نبينا محمد ﷺ، وأول الأمم دخولًا أمته، قال رسول الله ﷺ: (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك) (^١).
وقال رسول الله ﷺ: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة) (^٢).
وأخبر رسول الله ﷺ أن الفقراء المهاجرين وأهل المعروف هم أيضًا أول من يدخل من الناس. وقال رسول الله ﷺ: (هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ﷿؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره) (^٣).
وقال ﵊: (وأول من يدخل الجنة أهل المعروف) (^٤).
ومن الأوائل: قوله ﵊: (أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة) (^٥).
ومن الأوائل: قوله ﵊: (أول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد حوت) (^٦).
وحينما تفتح لهم الأبواب يلجون فرحين مسرورين فيقال لهم: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ
_________________
(١) رواه مسلم (١/ ١٨٨).
(٢) رواه مسلم (٢/ ٥٨٥).
(٣) رواه أحمد (١١/ ١٣١)، وابن حبان (١٦/ ٤٣٨)، وهو صحيح.
(٤) رواه الطبراني، المعجم الأوسط (٦/ ١٦٣)، وهو صحيح.
(٥) رواه البخاري (٣/ ١١٨٥)، ومسلم (٤/ ٢١٧٨).
(٦) رواه البخاري (٥/ ٢٣٩٧).
[ ٤٨٧ ]
آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ *لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٤، ٣٥].
ويتجهون إلى قصورهم وحدائقهم فيعرفونها أكثر من معرفتهم لبيوتهم في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]، على أحد التفسيرين في الآية، وقال ﵊: (فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا) (^١).
صفة أهل الجنة:
إن الله ﵎ كما خلق أهل النار خلقًا آخر يتناسب مع عذابهم فكذلك خلق أهل الجنة خلقًا آخر يتناسب مع نعيمهم، فقد طيّب خلقهم، وأكمله باطنًا وظاهرًا، وأزال عنهم آفات الدنيا وعيوبها. فقبل دخولهم تُنقّى صدورهم من الغل والحسد وغير ذلك من الأمراض، فيدخلون على قلب رجل واحد. قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
وقال رسول الله ﷺ: (قلوبهم على قلب رجل واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض) (^٢). ويدخلونها أبناءَ سِنٍّ واحدة، وعلى طول واحد، وعُرض واحد، قال رسول الله ﷺ: (يدخل أهل الجنة الجنة جردًا مردًا بيضًا جعادًا مكحلين أبناءَ ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم ستون ذراعا، في عرض سبعة أذرع) (^٣).
ويخلق الله زوجات الدنيا المؤمنات خلقًا آخر في الجنة فيصرن أبكارًا على سن واحدة متحببات لأزواجهن من غير حيض ولا نفاس ولا سوء خلق. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٧]. وقال: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ
_________________
(١) رواه البخاري (٥/ ٢٣٩٤).
(٢) رواه البخاري (٣/ ١١٨٦).
(٣) رواه أحمد (١٤/ ٢١٠)، وهو صحيح.
[ ٤٨٨ ]
مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥]. وتذهب عنهم عيوب الدنيا من قبح وعمى وعرج وعجز وضعف وغير ذلك. وتزول عنهم آفات الدنيا ومنغصاتها، فلا موت في الجنة، ولا حر ولا برد ولا حزن ولا تعب ولا إعياء ولا خروج منها. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٤، ٣٥]، وقال: ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، وقال: ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣].
وليس في الجنة عزوبية ولا جوع ولا ظمأ، ولا حاجة إلى الخلاء، ولا مرض ولا هرم ولا بؤس ولا خوف ولا وسخ ولا تهرٍّ للثياب.
قال رسول الله ﷺ: (لكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، وليس في الجنة عزب) (^١).
وقال ﵊: (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوطون ولا يتمخطون. قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك) (^٢).
وقال ﵊: (من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) (^٣).
وقال ﵊: (ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا) (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٣/ ١١٨٥)، ومسلم (٤/ ٢١٧٨).
(٢) رواه مسلم (٤/ ٢١٨٠).
(٣) رواه مسلم (٤/ ٢١٨١).
(٤) رواه مسلم (٤/ ٢١٨٢).
[ ٤٨٩ ]
ويذهب عنهم كل قول وفعل باطلين، ويُلهمون التسبيح كما يُلهمون النَّفَس، يتنعمون بذلك ولا يتعبدون، ويحيي بعضهم بعضًا بالسلام.
قال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٣٥]، وقال: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦]. وقال: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
وقال رسول الله ﷺ: (يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس) (^١).
صفة الجنة:
إن نعيم الجنة الذي ينتظر المؤمنين-نسأل الله أن يجعلنا منهم- نعيمٌ لا يحيط به الوصف، فكل ما خطر في بالك ففي الجنة أعظم من ذلك، ففيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وذلك النعيم الكبير ينقسم إلى قسمين: نعيم حسي، ونعيم معنوي.
النعيم الحسي:
فالنعيم الحسي كثير متعدد، فمنه: ما على أبدانهم من الرُّواء والحُسن. قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤].
ومنه: الطعام والشراب، وهو أنواع كثيرة بلغت غاية اللذة في الشكل والطعم واللون والآنية التي تحملها، وقد جاءت في وصفه نصوص متعددة، قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠، ٢١]، وقال: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٥، ٢٦]، وقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي
_________________
(١) رواه مسلم (٤/ ٢١٨٠).
[ ٤٩٠ ]
وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥].
ومن النعيم: نعيم النكاح، قال تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠]، وقال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٤].
ومن النعيم: نعيم اللباس والحلية والفراش والمتكآت، قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢، ١٣].
ومن النعيم: نعيم الخدمة، فيخدمهم ولدان مخلدون بلغوا الغاية في الرونق. قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان: ١٩].
ومن النعيم: منازلهم وقصورهم الواسعة العالية الحسنة داخليًا وخارجيًا. قال تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢].
وقال النبي ﷺ: (إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام) (^١). وقال ﷺ: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلًا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا) (^٢).
النعيم المعنوي:
وأما النعيم المعنوي فمنه: أن أهل الجنة يجلسون على الأرائك ويتحادثون فيما بينهم
_________________
(١) رواه ابن حبان (٢/ ٢٦٢)، وهو صحيح.
(٢) رواه البخاري (٣/ ١١٨٥)، ومسلم (٤/ ٢١٨٢).
[ ٤٩١ ]
عما كانوا عليه في الدنيا من العناء والنصب، وكيف نجاهم الله تعالى من ذلك، فيشكرون الله على فضله. قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٥ - ٢٨].
ومن النعيم المعنوي: رؤيتهم لوجه الله تعالى وسماع خطابه، وإحلالُ رضوانه عليهم. قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].
وقال رسول الله ﷺ: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة: إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، وينجنا من النار؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم) (^١).
قال ابن القيم: "أفضل نعيم الآخرة وأجله وأعلاه على الإطلاق هو النظر إلى وجه الرب ﷿، وسماع خطابه، كما في صحيح مسلم عن صهيب ﵁ عن النبي ﷺ: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة: إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، وينجنا من النار؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه). فبيَّن ﵊ أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم ربهم في الجنة لم يعطهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وإنما كان ذلك أحب إليهم لأن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين فوق ما يحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العين، ولا نسبة بين اللذتين والنعيمين ألبتة؛ ولهذا قال ﷾ في حق الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
_________________
(١) رواه مسلم (١/ ١٦٣)، وابن ماجه (١/ ٦٧).
[ ٤٩٢ ]
لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥، ١٦]. فجمع عليهم نوعي العذاب: عذاب النار، وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع لأوليائه نوعي النعيم: نعيم التمتع بما في الجنة، ونعيم التمتع برؤيته" (^١).
وقال أيضًا: " لذة النظر إلى وجه الله يوم القيامة تابعة للتلذذ بمعرفته ومحبته في الدنيا، وكما أنه لا نسبة لنعيم ما في الجنة إلى نعيم النظر إلى وجهه الأعلى سبحانه فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته ومعرفته والشوق إليه والأنس به، بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له؛ فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم" (^٢).
وأما عن الرضوان فقال ﵊: (إن الله ﷿ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا) (^٣).
آخر من يدخل الجنة:
إن الموحدين من عصاة المسلمين يدخلون جهنم فيعذبون فيها بقدر ذنوبهم ثم يخرجون بعد ذلك إلى الجنة. فعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير) (^٤).
_________________
(١) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٣٢).
(٢) إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٣٣).
(٣) رواه البخاري (٥/ ٢٣٩٨)، ومسلم (٤/ ٢١٧٦).
(٤) رواه البخاري (١/ ٢٤)، ومسلم (١/ ١٨٠).
[ ٤٩٣ ]
وقد أخبر رسول الله ﷺ عن آخر أهل الجنة دخولًا إليها، فعن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا: رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا ربي، وجدتها ملأى فيقول: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا فيقول: أتسخر مني أو تضحك مني وأنت الملك). فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه وكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة) (^١).
أسباب دخول الجنة:
للجنة أعمال صالحة تؤدي إليها، وخصال من قام بها كان ذلك سببًا لدخولها، والملاحظ على الخصال الموجبة للجنة الواردة في الكتاب والسنة يجد أمورًا:
الأول: هناك سبب عام لدخول الجنة ألا وهو القيام بالواجبات والابتعاد عن المحرمات، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١].
وعن جابر قال: أتى النبيَّ ﷺ النعمانُ بن قوقل فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال أأدخل الجنة؟ فقال النبي ﷺ: (نعم) (^٢).
وعن طلحة بن عبيد الله: أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: (الصلوات
_________________
(١) رواه البخاري (٥/ ٢٤٠٢)، ومسلم (١/ ١٧٣).
(٢) رواه مسلم (١/ ٤٤).
[ ٤٩٤ ]
الخمس إلا أن تطوع شيئًا). فقال: أخبرني ما فرض الله علي من الصيام؟ فقال: (شهر رمضان إلا أن تطوع شيئًا). فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فقال فأخبره رسول الله ﷺ شرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئًا. فقال رسول الله ﷺ: (أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق) (^١).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (من وقاه الله شر ما بين لحييه، وشر ما بين رجليه دخل الجنة) (^٢).
الثاني: هناك نصوص ذكرت أعمالًا صالحة وبينت أن من جمعها فهو من أهل الجنة، مثل ما ذكر الله في أول سورة المؤمنون، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١].
ومثل أواخر سورة الفرقان، قال تعالى: ﴿وعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا* وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴿٦٥﴾ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا* وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا* وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ
_________________
(١) رواه البخاري (٢/ ٦٦٩).
(٢) رواه الترمذي (٤/ ٦٠٦)، وهو صحيح.
[ ٤٩٥ ]
فِيهِ مُهَانًا* إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا* وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا* وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا* وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا* وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا* أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا* خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا* قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴿٧٧﴾ [الفرقان ٦٣ - ٧٧].
وكقوله ﵊: (من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، فقال رسول الله ﷺ: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة) (^١).
الثالث: حرص الصحابة ﵃ على سؤال رسول الله ﷺ عن أعمال تدخل الجنة، وهذا يدل على علو هممهم في الخير.
وهذا يحث المسلم على الحرص على الأعمال التي تكون سببًا لدخول الجنة.
ومن النصوص الدالة على ذلك ما جاء:
عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة؛ فقال النبي ﷺ: (تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم) (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم (٢/ ٧١٣).
(٢) رواه البخاري (٥/ ٢٢٣١)، ومسلم (١/ ٤٢).
[ ٤٩٦ ]
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير فقلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: (لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت (^١).
وعن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني عملًا يدخلني الجنة، قال: (إن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة: أعتق النسمة، وفك الرقبة، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسقِ الظمآن) (^٢).
وعن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بشيء إذا عملته - أو عملت به - دخلت الجنة، قال: (أفشِ السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، تدخل الجنة بسلام) (^٣).
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رجل لرسول الله ﷺ: دلني على عمل يدخلني الجنة، قال رسول الله ﷺ: (لا تغضب ولك الجنة) (^٤).
الرابع: وردت نصوص أخرى تذكر أعمالًا تكون سبيلًا إلى الجنة، وهي كثيرة، فمن تلك الأعمال على سبيل الأجمال-وبعضها قد ذكر في النصوص السابقة-:
١ - طاعة الله ورسوله.
٢ - القول السديد
_________________
(١) رواه أحمد (٣٦/ ٣٤٤)، والترمذي (٥/ ١١)، وهو صحيح.
(٢) رواه أحمد (٣٠/ ٦٠٠)، وابن حبان (٢/ ٩٧)، وهو صحيح.
(٣) رواه ابن حبان (٢/ ٢٦١)، وهو صحيح.
(٤) رواه الطبراني، المعجم الأوسط (٣/ ٢٥)، وهو صحيح.
[ ٤٩٧ ]
٣ - تقوى الله
٤ - الإيمانُ والعملُ الصالح
٥ - الصبر والتوكل على الله
٦ - التواصي بالحق والتواصي بالصبر
٧ - الجهاد في سبيل الله
٨ - الشهادة في سبيل الله
٩ - الهجرة في سبيل الله
١٠ - المداومة على السنن الراتبة
١١ - كفالة اليتيم
١٢ - الحج المبرور
١٣ - بناء المساجد ابتغاء وجه الله
١٤ - الاستقامة
١٥ - طلب العلم الشرعي
١٦ - الغدو إلى المساجد لعبادة الله
١٧ - الإكثار من السجود
١٨ - طاعة الزوج من غير معصية لله
١٩ - قيام الليل
٢٠ - الرحمة بالحيوان
٢١ - الصدقة
٢٢ - قول دعاء سيد الاستغفار
٢٣ - احتساب الوالدين موت الأولاد قبل بلوغهم.
٢٤ - صلة الرحم
٢٥ - التوبة من الذنوب.
[ ٤٩٨ ]
لا تضيع الفرصة:
وبعد أن طوّف الخيال في دار الجمال، وسافر القلب بشوقه إلى تلك المنازل البهية، وتاقت الروح إلى الانتقال إلى ذلك النعيم المقيم، ألا يحثنا هذا الشعور العارم إلى اغتنام ما تبقى من رصيد العمر بصرفه في العمل لتلك الدار الأنيقة.
إن العاقل يتمنى ويشتاق لكنه يعمل للوصول إلى ما تمنى. فالجنة تحتاج إلى مسابقة، قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
والجنة تحتاج إلى منافسة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٦].
والجنة تحتاج إلى مسارعة، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
فلا تكسل أيها الإنسان ولا تبطئ؛ فما هي إلا أيام قليلة من التعب تعقبها الراحة التامة والسعادة الأبدية.
[ ٤٩٩ ]
خاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على من دلنا على سبل الخيرات، وحذَّرنا مسالكَ الشر وطرق المهلكات، أما بعد:
فيا أيها الأخ المسلم، إن كنت على الجادة، فاثبت، واحرص على الاستزادة، واستمر على المنافسة، واحذر الحَوْر بعد الكور، ولا تأمن على نفسك؛ فالقلوب دائمة التقلب، والفتن واردة، والشهوات حاضرة.
وفي هذه العظات التي سقيتْ من كلام الله وكلام رسوله ومن أقوال الأخيار وأخبارهم وأحوالهم موعظة بليغة تعين على الثبات، وحسن السير على الصراط المستقيم.
ويا من فرط في جنب الله، وأسرف على نفسه بالذنوب، وفتنته الدنيا وزينتها، فنسي الآخرة وما فيها؛ لا تقنط من رحمة الله فقد رأيت في هذه المواعظ ما يدعوك إلى الأوبة، ويغرس فيك التفاؤل بقبول التوبة.
فاندم على ماضيك المظلم، ولا تصر على عصيانك وارجع إلى ربك؛ فإنه بك رحيم ولك غفور، فانطلق إلى باب مولاك، واطلبه غفران خطاياك، واليوم:
خلِّ ادّكارَ الأرْبُعِ … والمعْهَدِ المُرتَبَعِ (^١)
والظّاعِنِ المودِّعِ … وعدِّ عنْهُ ودَعِ (^٢)
وانْدُبْ زَمانًا سلَفا … سوّدْتَ فيهِ الصُّحُفا
_________________
(١) ادكار: تذكُر. الأربع: المنازل. المعهد المرتبع: المنزل المقام فيه.
(٢) الظاعن: المرتحل.
[ ٥٠٠ ]
ولمْ تزَلْ مُعتكِفا … على القبيحِ الشّنِعِ
كمْ ليلَةٍ أودَعْتَها … مآثِمًا أبْدَعْتَها
لشَهوَةٍ أطَعْتَها … في مرْقَدٍ ومَضْجَعِ
وكمْ خُطًى حثَثْتَها … في خِزْيَةٍ أحْدَثْتَها
وتوْبَةٍ نكَثْتَها … لمَلْعَبٍ ومرْتَعِ
وكمْ تجرّأتَ على … ربّ السّمَواتِ العُلى
ولمْ تُراقِبْهُ ولا … صدَقْتَ في ما تدّعي
وكمْ غمَصْتَ بِرّهُ … وكمْ أمِنْتَ مكْرَهُ
وكمْ نبَذْتَ أمرَهُ … نبْذَ الحِذا المرقَّعِ
وكمْ ركَضْتَ في اللّعِبْ … وفُهْتَ عمْدًا بالكَذِبْ
ولمْ تُراعِ ما يجِبْ … منْ عهْدِهِ المتّبَعِ
فالْبَسْ شِعارَ النّدمِ … واسكُبْ شآبيبَ الدّمِ (^١)
قبلَ زَوالِ القدَمِ … وقبلَ سوء المصْرَعِ
واخضَعْ خُضوعَ المُعترِفْ … ولُذْ مَلاذَ المُقترِفْ
واعْصِ هَواكَ وانحَرِفْ … عنْهُ انحِرافَ المُقلِعِ
_________________
(١) شآبيبَ الدّمِ: دفعات الدم.
[ ٥٠١ ]