القرآن الكريم نورٌ هلَّ من السماوات العلا، واستقبل الأرضَ بضيائه العظيم، ليملأها إشراقًا وسناء، ويغسل عيونها من رهج الضلالة حتى ترى الحق، وتبصر سبيل النجاة. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦].
عظمة القرآن:
إنه كلام الله تعالى فيه "نبأ مَنْ قبلكم، وخبر مَنْ بعدكم، وحُكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يَخْلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنتهِ الجن إذ سمعته عن أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢]. من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم" (^١). لا ينضب مَعينُه باستقاء وُرَّاده، ولا تفنى جواهره بازدياد غائصيه وقُصَّاده؛ فما زال البحرَ الذي لا ساحل له، والغيثَ الذي لا تُحصى قطراته، والنور الذي لا أمَد لهداياته، فمن سأل عن الشفاء فيه وجده، ومن استرشد به أرشده، ومن تدبره وعقلَه فما نسي حلاوته، ولا هجر تلاوته، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. ولا عجب؛ فإنه تنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على سيد المرسلين؛
_________________
(١) رواه الترمذي عن علي ﵁ (٥/ ١٧٢)، وهو ضعيف مرفوعًا.
[ ٦٨ ]
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
إن هذا الكتاب الكريم هو خير الحديث، وخير الكلام الذي لو ﴿اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وهو القول الذي أعيى الفصحاء، وأعجز البلغاء، وأخرس الخطباء، ولم يكن بنظم شاعر، ولا سجع كاهن، ولا بقول إنس ولا جن، بل هو كلام المعبود الحق، الخالق للخلق.
فما أعظم أثره على سامعيه وقارئيه ومتدبريه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].
عن قتادة في قول الله ﷿: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]، قال: البلد الطيب: المؤمن سمع كتاب الله، فوعاه وأخذ به وانتفع به؛ كمثل هذه الأرض أصابها الغيث، فأنبتت وأمرعت (^١)، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ أي: إلا عسرًا، فهذا مثل الكافر قد سمع القرآن، فلم يعقله، ولم يأخذ به، ولم ينتفع به، كمثل هذه الأرض الخبيثة أصابها الغيث، فلم تنبت شيئًا، ولم تمرع شيئًا" (^٢).
إن هذا الكتاب العظيم هو دستور الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة، ودليل النجاة من الشقاء فيهما، وطريق الاهتداء إلى كل خير عاجل وآجل، ولن يكون كذلك إلا لمن أقبل عليه فعمل به، وأنزله من نفسه منزلة التعظيم والإجلال، والانقياد لما جاء به.
غايات إنزال القرآن العظيم:
إن هذا الكتاب المبارك لم ينزل من عند الله تعالى إلا لغايات حميدة، وهي كفيلة
_________________
(١) (أمرع) المكان والوادي مرع والقوم أصابوا الكلأ فأخصبوا. المعجم الوسيط (٢/ ٨٦٤).
(٢) أخلاق حملة القرآن للآجري (ص: ٨٥).
[ ٦٩ ]
بتحصيل الانتفاع به، وجني ثمراته في حال الحياة وبعدها. فمن غايات إنزال هذا الكتاب الكريم:
الاهتداء به من كل شر وباطل إلى كل خير وحق؛ من الكفر إلى الإسلام، ومن العصيان إلى الطاعة، ومن الجهل إلى العلم، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن الحيرة إلى الاطمئنان والهدى. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قال ابن كثير: " هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ أي: دلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرقًا بين الحق والباطل والحلال والحرام" (^١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩].
"يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمد ﷺ يرشد ويسدّد من اهتدى به (لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) يقول: للسبيل التي هي أقوم من غيرها من السبل، وذلك دين الله الذي بعث به أنبياءه وهو الإسلام، يقول جلّ ثناؤه: فهذا القرآن يهدي عباد الله المهتدين به إلى قصد السبيل التي ضل عنها سائر أهل الملل المكذبين به" (^٢).
ومن غايات إنزال هذا الكتاب الكريم:
تلاوته وقراءته؛ فهو خطاب الملِك لرعيته، والسيد لعبيده، فكان أحرى أن يُتلى بعناية، ويُقرأ باهتمام، إذ بقراءة القرآن الوصول إلى اتباعه، وتنفيذ ما دعا إليه، والبعد عما حذر منه، وبتلاوته نيل الأجور، وصلاح الأرواح وحياتها من موت الكفر والعصيان
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٢٦٩).
(٢) تفسير الطبري (١٧/ ٣٩٢).
[ ٧٠ ]
والقسوة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠].
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه ويؤمنون به، ويعملون بما فيه من إقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله تعالى في الأوقات المشروعة ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانية ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أي: يرجون ثوابًا عند الله لا بد من حصوله، فإنه يقول لصاحبه: إن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة (^١)؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: ليوفيهم ثواب ما عملوه ويضاعفه لهم بزيادات لم تخطر لهم ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ أي: لذنوبهم ﴿شَكُورٌ﴾ للقليل من أعمالهم، قال قتادة: كان مُطرِّف ﵀ إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القُرّاء" (^٢). وقال رسول الله ﷺ: (اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان (^٣) أو كأنهما فِرقانِ من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة) (^٤) (^٥). وقال رسول الله صلى الله
_________________
(١) يشير إلى حديث: (يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول لصاحبه: هل تعرفني؟ أنا الذي كنت أسهر ليلك وأظمئ هواجرك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وأنا لك اليوم من وراء كل تاجر )، رواه أحمد (٣٨/ ٤٢)، والطبراني، المعجم الأوسط (٦/ ٥١)، وصححه الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٨) وبعض التاسع (٦/ ٣٢٨).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٦٦٨).
(٣) الغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة وغبرة وغيرهما، قال العلماء: المراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين. شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٠).
(٤) البَطَلَةُ: السَّحَرة. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (١/ ٣٥٤).
(٥) رواه مسلم (١/ ٥٥٣).
[ ٧١ ]
عليه وسلم: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) (^١).
وقال رسول الله ﷺ: (يقال لصاحب القرآن (^٢): اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلك عند آخر آية تقرأها) (^٣).
فما أحسن قراءة القرآن، وما ألذ حروفه في اللسان، وألطف وقعها على القلوب والجوارح؛ فالعين ترى في تلك الصفحات المشرقة نورًا يهديها إلى الطريق المستقيم، والأذن تسمع أحلى كلام يصل الأسماع، والقلب يتنعم بتلك المعاني المؤثرة التي تزرع فيه حب هذا الكتاب وحب منزله العظيم، فيعظم رجاؤه لما عند الله من الخير، ويشتد خوفه أن يصل إليه غضبه أو تناله عقوبته، والعقل يتدبر ذلك الكلام البديع الذي لا يدرك من أسراره إلا الشيء اليسير، وكلما زادت قراءته وتأمله انكشفت له حقائق ودقائق لم تكن مرت عليه من قبل.
وللصالحين المخبتين إقبال عظيم على تلاوة كتاب الله، وكثرة قراءته، وملازمة النظر إليه، فما أحرانا بالاقتداء بهم، وما أحوجنا إلى ذلك الذي كانوا عليه من العلاقة بكتاب الله ﵎!
ساق الذهبي ﵀ عند ترجمته لبعض الأعلام حالهم في كثرة قراءة القرآن وختمه، ففي ترجمة الإمام المقرئ أبي بكر بن عياش قال: "ولما حضرت أبا بكر الوفاة، بكت أخته، فقال لها: ما يبكيك؟! انظري إلى تلك الزاوية، فقد ختم أخوك فيها ثمانية عشر ألف ختمة! " (^٤). وفي ترجمة عبد الله بن إدريس قال: " لما نزل بابن إدريس الموت،
_________________
(١) رواه الترمذي (٥/ ١٧٥)، وهو صحيح.
(٢) صاحب القرآن هو: من يلازمه بالتلاوة والعمل لا من يقرؤه ولا يعمل به. عون المعبود، للعظيم آبادي (٤/ ٢٣٧).
(٣) رواه أحمد (١١/ ٤٠٤)، وأبو داود (١/ ٥٤٧)، وابن حبان (٣/ ٤٣)، وهو صحيح.
(٤) سير أعلام النبلاء، للذهبي (٨/ ٥٠٤).
[ ٧٢ ]
بكت بنته. فقال: لا تبكي يا بنية؛ فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة" (^١).
وفي ترجمة البخاري قال: " كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة" (^٢). وفي ترجمة ابن عطاء الزاهد قال: " كان له في كل يوم ختمة، وفي رمضان تسعون ختمة، وبقي في ختمة مفردة بضع عشرة سنة يتفهم ويتدبر" (^٣).
وقال ابن القيم: " وقال أبو بكر العطوي: كنت عند الجنيد حين مات، فختم القرآن، ثم ابتدأ في ختمة أخرى، فقرأ من البقرة سبعين آية، ثم مات" (^٤).
ومن غايات إنزال هذا الكتاب العظيم:
اتباعه والعمل به، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ١٢١]. أي: " يتبعونه حق اتباعه" (^٥). " قال عبد الله بن مسعود: والذي نفسي بيده، إن حق تلاوته: أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يَتأول منه شيئًا على غير تأويله" (^٦).
قال الفضيل بن عياض: " إنما نزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملًا، قيل: كيف العمل به؟ قال: أي: ليحلوا حلاله ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه" (^٧).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء، للذهبي (٩/ ٤٤).
(٢) المرجع السابق (١٢/ ٤٣٩).
(٣) المرجع السابق (١٤/ ٢٥٥).
(٤) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ١٢١).
(٥) تفسير الطبري (٢/ ٥٦٩).
(٦) تفسير الطبري (٢/ ٥٦٧).
(٧) اقتضاء العلم العمل، للخطيب البغدادي (ص: ٧٦).
[ ٧٣ ]
فالقرآن هو رسالة من المعبود إلى العابد، ومن الخالق إلى المخلوق، يأمره فيه بأوامر عليه القيام بواجبها، والمسارعة إلى مستحبها، وينهاه فيه عن محرمات يجب عليه اجتنابها، فمن آمن بالله ربًا فعليه أن يعمل بكتابه الذي هو خطابه إليه، ولا يتخير من أوامر القرآن ما يوافق هواه ليعمل به، ولا يُقبل على ارتكاب المناهي التي تميل إليها نفسه، فمن فعل ذلك الانتقاء فما آمن بالقرآن حق الإيمان.
فالمؤمن به حقًا هو من يقول: سمعنا وأطعنا لكل شيء جاء فيه، ولا ينتقي منه حسب الهوى والمصلحة.
عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (القرآن شافع مشفع، وماحل مصدَّق (^١)، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار) (^٢).
يعني: " من اقتدى به بالتزام ما فيه من الأحكام قاده إلى الجنة" (^٣). ومن " من شهد عليه القرآن بالتقصير والتضييع فهو في النار، ويقال: لا تجعل القرآن ماحلًا أي: شاهدًا عليك" (^٤).
وقد شكا النبي ﷺ إلى ربه هجر قومه للقرآن، ومن هجره: ترك العمل به، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]. قال الشنقيطي: " معنى هذه الآية الكريمة ظاهر، وهو أن نبيّنا ﷺ شكا إلى ربّه هجر قومه، وهم كفّار قريش لهذا القرآن العظيم، أي: تركهم لتصديقه، والعمل به، وهذه شكوى عظيمة، وفيها أعظم تخويف لمن هجر هذا القرآن
_________________
(١) أي خَصْمٌ مجادَل مصدَّق. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٤/ ٦٣٦).
(٢) رواه ابن حبان (١/ ٣٣١)، وهو صحيح.
(٣) التيسير بشرح الجامع الصغير - للمناوي (٢/ ٣٩٥).
(٤) فيض القدير، للمناوي (٤/ ٥٣٥).
[ ٧٤ ]
العظيم، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال" (^١). وقال ابن كثير: "وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ الآية، فكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعوه. فهذا من هجرانه. وترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره، من هجرانه" (^٢).
ومن غايات إنزال هذا الكتاب العظيم:
تدبره وتفهمه، وتعقله وتأمله. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
فالقرآن الكريم لا ينفع قارئه إلا إذا تدبره؛ فإنه بذلك يفتح له آفاقًا رحبة من الخير العاجل والآجل، فهو يُريه طرق الخير وأهلها، وسبل الشر وأصحابها، فيدعوه إلى الطريق الأولى وصحبة سالكيها، ويحذره من الطريق الأخرى والهالكين فيها. ويريه حكمة المشرع المعبود سبحانه في نهيه وأمره، وعظمتَه في خلقه، وفضلَه في إكرامه، وعدله في عقابه، وقوته في مؤاخذته، ورحمته بعباده، وسعةَ علمه في مخلوقاته، وجبروته في قهر أعدائه، ونصرته لأنبيائه وأوليائه، وعزته ومنعته أن يناله أذى المؤذين، وقدرتَه أن يفوته أحد المخلوقين، وسمعه الواسع في إدراك نطق الناطقين، وبصره النافذ العظيم أن تخفى عليه حركة أو سكون من خلقه أجمعين.
إن تدبر القرآن الكريم يورث صاحبه خيرًا كثيرًا؛ فإنه ما ملَّه من تدبر ألفاظه
_________________
(١) أضواء البيان، للشنقيطي (٦/ ٤٨).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٨٦).
[ ٧٥ ]
ومعانيه، وما نسي لذته من تدبر أحكامه وحكمه، وما هجره من ذاق طعمه وخالطت بشاشته قلبه، وما لجأ إليه محزون فقرأه متأملًا متدبرًا إلا انقشعت عن قلبه سحب الأحزان والغموم، ووجد فيه راحته ونعيمه. قال رسول الله ﷺ: (ما أصاب أحدًا قط همٌّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجِلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا) (^١).
قوله: "ربيع قلبي: أي: راحته … وجعل القرآن ربيع القلب وهو عبارة عن الفرح؛ لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الأزمان ويميل إليه في كل مكان، وأقول: كما أن الربيع سبب ظهور آثار رحمة الله تعالى وإحياء الأرض بعد موتها، كذلك القرآن سبب ظهور تأثير لطف الله من الإيمان والمعارف، وزوال ظلمات الكفر والجهل" (^٢).
وقد "شبه القرآن بزمان الربيع في ظهور آثار ﵀ وحياة القلب وارتياحه به. قال الشوكاني: أي: أسألك أن تجعل القرآن كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك القرآن ربيع القلوب، أي: يجعل قلبه مرتاحًا إلى القرآن مائلًا إليه راغبًا في تلاوته وتدبره، وقيل: أي: منتزهه ومكان رعيه وانتفاعه بأنواره وأشجاره وثماره، المشبه بها أنواع العلوم والمعارف، وأصناف الحِكم والأحكام واللطائف" (^٣).
إن هذا الكتابَ العظيم ما تلاه لسانٌ بالتدبر إلا طاب وحلا، ولا وصل أثره قلبًا إلا صلح وصفا، ولا حل صدرًا إلا انبسط وانشرح، ولا تأمل فيه عقل راجح إلا اتسع
_________________
(١) رواه أحمد (٧/ ٣٤١)، وابن حبان (٣/ ٢٥٣)، وهو صحيح.
(٢) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للقاري (٨/ ٣٤٨).
(٣) مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح، للتبريزي (٨/ ٤٤٥).
[ ٧٦ ]
وانفسح. وهل هملت الدموع الصادقة عند تلاوته أو سماعه إلا بتدبره، وخشعت القلوب بعد أن كانت قاسية كالحجارة إلا بتعقله، وهل عرفت علوم الشريعة إلا بالنظر فيه، والتفكر فيما يحويه. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢].
لقد كان لأهل الإيمان مع تدبر القرآن حديث مؤثر، خشعت له قلوبهم، ودمعت منه عيونهم، وسارعت به إلى الأعمال الصالحة جوارحهم.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله -ﷺ: (اقرأ علي القرآن). قال: فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: (إني أشتهي أن أسمعه من غيرى). فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ [النساء ٤١]، رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل (^١).
فما الذي أبكاه ﵊ إلا التدبر والتفكر فيما سمع.
وكان خليفته أبوبكر الصديق ﵁ رجلًا أسيفًا أي: حزينًا لا يفتتح الصلاة قارئًا إلا هملت عيناه، قالت عائشة ﵂: "كان أبو بكر إذا قرأ القرآن كثيرَ البكاءِ". زاد بعضهم: "في صلاة وغيرها" (^٢). وعنها قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكَّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين" (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٤/ ١٩٢٧)، ومسلم (١/ ٥٥١).
(٢) جامع الأصول، لابن الأثير (٢/ ٤٦٦).
(٣) صحيح البخاري (١/ ١٨١).
[ ٧٧ ]
وعمر الفاروق ﵁ في ليلة من ليالي عدله وإحساسه بالمسؤولية الملقاة على عاتقه يخرج ليتفقد رعيته، إذ مر بدار رجل من المسلمين فوافقه قائمًا يصلي فوقف يستمع قراءته فقرأ الطور حتى بلغ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧ - ٨]، فقال عمر: قسم ورب الكعبة، فنزل عن حماره واستند إلى حائط فمكث مليًا ثم رجع إلى بيته فمكث شهرًا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه (^١). وما مرضه إلا بسبب تأثره بما سمع.
وهذا الصحابي الكريم أبو طلحة ﵁ يقرأ سورة التوبة، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة ٤١]. قال: أرى ربنا يستنفرنا شيوخًا وشبابًا، جهزوني يا بَني. فركب البحر غازيًا في سبيل الله فمات فلم يجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام فنزلوا فدفنوه، ولم يكن قد تغير جسده خلال تلك الأيام التسعة فوق السفينة ﵁ ورحمه (^٢).
وجبير بن مطعم ﵁ سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧]. قال: كاد قلبي أن يطير (^٣). فكان ذلك من أسباب إسلامه. نعمْ لقد تأثر حتى طار إلى رسول الله ﷺ.
والفضيل بن عياض ﵀ كان قبل توبته قاطع طريق، وعشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليًا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٩٠).
(٢) تفسير ابن كثير/ (٢/ ٤٣٨).
(٣) صحيح البخاري (٤/ ١٨٣٩).
[ ٧٨ ]
قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد ١٦].
فقال: بلى، والله قد آن، فنزل وتاب وصار يضرب بعبادته وصلاحه المثل بعد ذلك، ﵀ (^١).
قال ابن القيّم-مبينًا ثمرات التدبر-: "أمّا التّأمّل في القرآن: فهو تحديق نظر القلب إلى معانيه. وجمع الفكر على تدبّره وتعقّله. وهو المقصود بإنزاله، لا مجرّد تلاوته بلا فهم ولا تدبّر، قال اللّه تعالى: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] وقال الحسن: «نزل القرآن ليتدبّر ويعمل به. فاتّخذوا تلاوته عملا». فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبّر القرآن، وإطالة التّأمّل. وجمع الفكر على معاني آياته. فإنّها تطلع العبد على معالم الخير والشّرّ بحذافيرها، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتتلّ في يده (^٢) مفاتيحَ كنوز السّعادة، والعلوم النّافعة، وتثبّت قواعد الإيمان في قلبه. وتشيّد بنيانه، وتوطّد أركانه. وتريه صورة الدّنيا والاخرة، والجنّة والنّار في قلبه. وتحضره بين الأمم وتريه أيّام اللّه فيهم. وتبصّره مواقع العبر، وتشهده عدل اللّه وفضله. وتعرّفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبّه وما يبغضه، وصراطه الموصّل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطّريق وآفاتها. وتعرّفه النّفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصحّحاتها وتعرّفه طريق أهل الجنّة وأهل النّار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم. ومراتب أهل السّعادة وأهل الشّقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه. وافتراقهم فيما يفترقون فيه. وبالجملة تعرّفه الرّبّ المدعوّ إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه. وتعرّفه مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشّيطان، والطّريق الموصّلة إليه، وما للمستجيب
_________________
(١) سير أعلام النبلاء، للذهبي (٨/ ٤٢٣).
(٢) تل الشيء في يده: وضعه فيها. المعجم الوسيط (١/ ٨٧).
[ ٧٩ ]
لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه. فهذه ستّة أمور ضروريّ للعبد معرفتها، ومشاهدتها ومطالعتها. فتشهده الآخرة حتّى كأنّه فيها، وتغيّبه عن الدّنيا حتّى كأنّه ليس فيها، وتميّز له بين الحقّ والباطل في كلّ ما اختلف فيه العالَم، فتريه الحقّ حقًّا، والباطل باطلًا. وتعطيه فرقانًا ونورًا يفرّق به بين الهدى والضّلال، والغيّ والرّشاد، وتعطيه قوّة في قلبه، وحياة واسعة، وانشراحًا وبهجة وسرورًا. فيصير في شأن والنّاس في شأن آخر .. فإنّ معاني القرآن دائرة على التّوحيد وبراهينه، والعلم باللّه وما له من أوصاف الكمال، وما ينزّه عنه من سمات النّقص، وعلى الإيمان بالرّسل، وذكر براهين صدقهم، وأدلّة صحّة نبوّتهم، والتّعريف بحقوق مرسلهم، وعلى الإيمان بملائكته، وهم رسله في خلقه وأمره، وتدبيرهم الأمور بإذنه ومشيئته، وما جعلوا عليه من أمر العالم العلويّ والسّفليّ، وما يختصّ بالنّوع الإنسانيّ منهم، من حين يستقّر في رحم أمّه إلى يوم يوافي ربّه ويَقدم عليه، وعلى الإيمان باليوم الآخر وما أعدّ اللّه فيه لأوليائه من دار النّعيم المطلق، الّتي لا يشعرون فيها بألم ولا نكد ولا تنغيص. وما أعدّ لأعدائه من دار العقاب الوبيل، الّتي لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح. وتفاصيل ذلك أتمّ تفصيل وأبينه. وعلى تفاصيل الأمر والنّهي، والشّرع والقدر، والحلال والحرام، والمواعظ والعبر، والقصص، والأمثال، والأسباب، والحكم، والمبادئ، والغايات، في خلقه وأمره. فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربّه بالوعد الجميل، وتحذّره وتخوّفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثّه على التّضمّر والتّخفّف للقاء اليوم الثّقيل، وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السّبيل.
وتصدّه عن اقتحام طرق البدع والأضاليل وتبعثه على الازدياد من النّعم بشكر ربّه الجليل، وتبصّره بحدود الحلال والحرام، وتوقفه عليها لئلّا يتعدّاها فيقع في العناء الطّويل، وتثبّت قلبه عن الزّيغ والميل عن الحقّ والتّحويل. وتسهّل عليه الأمور الصّعاب والعقبات الشّاقّة غاية التّسهيل. وتناديه كلّما فترت عزماته، وونى في سيره: تقدّم الرّكبُ وفاتك الدليل. فاللّحاقَ اللّحاق، والرّحيلَ الرّحيل، وتحدو به، وتسير أمامه سير
[ ٨٠ ]
الدّليل. وكلّما خرج عليه كمين من كمائن العدوّ أو قاطع من قطّاع الطّريق نادته: الحذرَ الحذر، فاعتصم باللّه، واستعن به، وقل: حسبي اللّه ونعم الوكيل. وفي تأمّل القرآن وتدبّره، وتفهّمه أضعاف أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد" (^١).
ومن غايات إنزال هذا الكتاب الكريم:
الرجوع إليه عند التنازع، والتحاكم إليه عند الاختلاف، ورد الأمور التي يطلب فيها الفصل إليه لا إلى غيره ما دام ذلك فيه، فهو المرجع المعصوم الذي يقضي بالحق، ويحكم بالقسط؛ لأنه كلام الخالق سبحانه العليم بما يصلح خلقه، فليس من الإيمان أن يُقرأ هذا الكتاب ويعظم ثم يبحث عن بديل عنه من آثار عقول البشر القاصرة، أو المناوئة لما فيه، والمعادية لقائله جل وعلا، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠]. يقول الشنقيطي: "مسألة: اعلم أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة، صفات من يستحق أن يكون الحكم له، فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة، التي سنوضحها الآن إن شاء الله، ويقابلها مع صفات البشر المشرعين للقوانين الوضعية، فينظر هل تنطبق عليهم صفات من له التشريع، سبحان الله وتعالى عن ذلك، فإن كانت تنطبق عليهم -ولن تكون- فليتبع تشريعهم. وإن ظهر يقينًا أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك، فليقف بهم عند حدهم، ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية. ﷾ أن يكون له شريك في عبادته، أو حكمه أو ملكه. فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله هنا: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ثم قال مبينًا صفات من له الحكم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٤٥١ - ٤٥٢).
[ ٨١ ]
لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَهُ مَقَالِيدُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: ١٠ - ١٢]. فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور، ويتوكل عليه، وأنه فاطر السماوات والأرض أي: خالقهما ومخترعهما، على غير مثال سابق، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجًا، وخلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضأنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأنه له مقاليد السماوات والأرض، وأنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي: يضيقه على من يشاء وهو بكل شيء عليم.
فعليكم -أيها المسلمون- أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم، ولا تقبلوا تشريعًا من كافر خسيس حقير جاهل. ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، فقوله فيها: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ كقوله في هذه: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ … " (^١) ثم ساق ﵀ آيات كثيرة تتعلق بهذه المسألة وعلق عليها بما لا مزيد عليه (^٢).
_________________
(١) أضواء البيان، للشنقيطي (٧/ ٤٩).
(٢) المرجع السابق (٧/ ٤٩ - ٥٤).
[ ٨٢ ]